الملف السياسي: هل يترك الغرب الفرصة ليتمكن العرب من بناء قواعد اقتصادية راسخة لتحسين المستوى الاجتماعي والنهوض بالشعوب العربية؟ وهل يريد الغرب تصديق الحكومات العربية، التي تعلن بصفة دورية في المحافل الدولية رغبتها في السلام والتعايش مع اسرائيل في منطقة الشرق الاوسط؟ وان كان يريد فهل يعكس لشعوبه؟ وهل اسرائيل صادقة النوايا في اقامة سلام دائم وعادل مع العرب؟ وهل تسير اوروبا وراء امريكا باعتبارها القوة العظمى الوحيدة صاحبة النفوذ في العالم؟ ام تترك اوروبا امريكا تخدع بانها القطب الاوحد الذي لا ينافسه احد في المعمورة لتنفيذ مخططاتها بهدوء؟ محاولة البحث عن اجابات لكل هذه الاسئلة تسلط الاضواء على احتمالات الحرب والسلام في منطقة الشرق الاوسط. صراع مستتر يثبت التاريخ الحديث منذ الرحيل العسكري للدول الاستعمارية الاوروبية ـ بريطانيا, فرنسا, ايطاليا, بلجيكا ـ عن الدول العربية والافريقية ان اوروبا لم تترك مستعمراتها القديمة تنعم بالحرية والاستقلال دون تدخل في شئونها بمختلف الاساليب, حيث تحاول دائما فرض نفوذها عن بعد, وتعمل على ان تظل الدول العربية في موضع المحتاج, وهي ـ اوروبا ـ لم تتعامل منذ الخمسينيات مع العرب بعدالة في المشاركة الاقتصادية والعلمية والفنية والأمنية, ولقد كشفت عدة محكات تاريخية في النصف قرن المنصرم بشكل خاص عن حقائق نسيج الوجه والفكر الحقيقي الاوروبي تجاه العرب, وبالتحديد مند وعد بلفور عام 1917 والمعروف باعطاء حق من لا يملك لمن لا يستحق, والذي تجسد في زرع اسرائيل شوكة في قلب العالم العربي, وهو الامر الذي تمثل فيما يطلق عليه (الصراع العربي الاسرائيلي) الذي ظاهره اسرائيل التي وطنت يهود العالم في ارض فلسطين, بدعم ومساعدة اوروبا التي تخلصت من الوجود اليهودي في اوروبا, وبذلك ضربت عصفورين بحجر واحد, اما باطنه فهو استمرار التواجد الغربي في العالم العربي, ولقد فرضت الظروف التاريخية ذلك, وان لم تكن اسرائيل لكان الغرب دون ادنى شك سيبحث عن بديل اخر, وذلك انطلاقا من معرفة ويقين اوروبا ان الموقع الجغرافي المتميز للعالم العربي, وقربه من حدود القارة الاوروبية, ووجود ثروات طبيعية متنوعة يجعل له اهمية وفوائد استراتيجية خاصة تؤثر على اوروبا بالسلب والايجاب. ومن هنا سعى الغرب لعدم ترك الفرصة ليتمكن العرب من بناء قواعد اقتصادية مستقلة وراسخة لتحسين المستوى الاجتماعي والنهوض بالشعوب العربية, انطلاقا من اعتقاده بأن حدوث نهضة عربية شاملة من شأنها ان يستعيد العرب دورهم الريادي القديم, وذلك يؤثر على اوروبا من جديد ويحدث خللا في موازين القوى والتقدم. وفي الوقت الذي نجد فيه ان ساسة اوروبا في حالة نداءات مستمرة لتحقيق العدل والسلام, وكذلك الحكومات العربية التي تعلن بصفة دورية في المحافل الدولية رغبتها في السلام والتعايش مع اسرائيل في منطقة الشرق الاوسط, نجد ايضا ان ارادة العرب في السلام لا تنعكس في الرأي العام الاوروبي, وذلك لأن المؤسسات التي تسيطر على وسائل الاعلام تنفذ السياسة الاوروبية, وما يعلن عن كفالة حرية التعبير المطلق عن الرأي في صحافة اوروبا ما هو الا اكنوبة كبرى, ومن يصدق غير ذلك يقع في المحظور, ويدخل في دائرة ما تنقله وكالات الانباء الاجنبية لوسائل اعلامنا العربي, وللأسف الشديد يستقبل ذلك ويقوم الاعلام العربي بعمل دعاية لأوروبا, وتؤكد الحقائق ان اكثر من 75% من المؤسسات الاعلامية تدعمها الحكومات الاوروبية, لذلك فهي لا تحيد عن السير بخطوط متوازية مع السياسة الخارجية الاوروبية, ولا ننكر ان لديهم مساحات لا بأس بها من الحرية والديمقراطية, لكنها حرية في تناول قضاياهم الداخلية التي تحقق مصالحهم بالدرجة الأولى, ونعترف بوجود ديمقراطية كبيرة لكنها ديمقراطية مشروطة بعدم قول الحق ونشر الاراء الصريحة التي من شأنها مثلا ابراز صورة العرب الحقيقية بدون تشويه, وهذا يكشف وجود الصراع الاوروبي ـ العربي. انحياز الغرب لإسرائيل أليست أبسط قواعد ومنطق دعاة السلام ــ الحكومات الأوروبية ــ أن تكون لهم وقفات حاسمة مع من يفسد السلام؟ من يعتدي على حقوق الغير بالقوة؟ من يسلب الأرض؟ من يقتل ويحرق ويهدم ويحرم الفلسطينيين من أدنى حقوقهم الطبيعية في الحياة؟ فما هي مواقف اوروبا مع اسرائيل ازاء انتهاكها الحرمات المقدسة وقتل الاطفال؟ وماذا فعلت اثناء مجزرة صبرا وشاتيلا؟ وماذا فعلت في قانا؟ وأين مقولات أوروبا عن حقوق الانسان؟ كل ذلك يؤكد وجود صراع عربي أوروبي مع العرب, فأوروبا تريد إبقاء العرب ضعفاء تهدر حقوقهم, وهي تفعل ذلك إما بالصمت, وإما بالانحياز لربيبتها اسرائيل, وتفسر مواقف أوروبا انحياز الغرب لإسرائيل ويشجعها على ارتكاب مزيد من الجرائم. وخلال الأيام الأخيرة كانت دول عدم الانحياز قد تقدمت بمشروع في مجلس الأمن الدولي لإرسال لجنة مراقبة دولية لإسرائيل إلا ان أمريكا استخدمت نفوذها لإفشال المشروع وامتنعت عن التصويت عدة دول منها فرنسا وبريطانيا وكندا وهولندا. وحينما كانت أوروبا تعلن (نظرياً) عن دفعها لإقامة سلام بين فلسطين واسرائيل. فهي لا تفعل حتى ذلك القليل إلا بعد تأكدها من وجود ألغام سياسية خلف الأبواب, ويتأكد ذلك حينما تنشط السياسة الخارجية الاوروبية على المحور الفلسطيني الاسرائيلي, وتعلم بوجود مشكلة هضبة الجولان السورية المحتلة قاتمة بدون حل, وان خطوط الحدود اللبنانية الاسرائيلية المشتعلة في الجنوب اللبناني تهدد بالانفجار, واتضح هذا الأمر حينما فتحت العواصم الأوروبية أبوابها للقاءات سرية لعقد مفاوضات في أوسلو ولاهاي وبروكسل, وتركت المفاوضات السورية الاسرائيلية مجمدة. فأوروربا لم تتقدم بمشروع سلام شامل بين العرب والاسرائيليين, وما مشروعات التعاون الاقتصادي في اطار الشراكة المتوسطية الا امتداد لفرض نفوذ أوروبي عن بعد, وهو تعاون مشروط وصلت فيه حدة الشروط لطلبات اوروبية اطلقت عليها حقوق الانسان! لكن حقيقتها فضحت المطالب التي وصلت لحد التحدث مع الدول العربية أو المتوسطية الاسلامية عن فتح مجالات الاباحية, وذلك في جوانب اجتماعية يعف لسان كاتب هذا الموضوع عن ذكرها...., وهذا يؤكد ايضا حقيقة وجود صراع اوروبي مع العرب. والشغل الشاغل لأوروبا الآن هو اعادتها لبناء قارتها من جديد, وهي ــ أوروبا ــ تراهن على تقوية نفوذها في العالم العربي استعدادا لمنافسة أمريكا, وتدخل من باب المفاوضات متعددة الاطراف والشراكة الاقتصادية المشبوهة لسحب البساط تدريجيا من تحت اقدام واشنطن. لعبة تضييع الوقت تعرف أوروبا ان اسرائيل تعمد لإثارة التعقيدات في أي مفاوضات فلسطينية أو سورية أو لبنانية لإطالة أمد الصراع, وهي تشجع اسرائيل على ذلك وتلتمس لها الأعذار والمبررات, وتشترك مع اسرائيل في استراتيجية حسابات عدم اعطاء الفرصة لأن يتم التعامل مع السلام كقضية شاملة حتى لا يكسب الطرف العربي, كما تقف اوروبا مع امريكا في التوجه نحو تسويات منفردة لتضييع فرص توحد العرب على موقف سياسي واحد. وقرر الاتحاد الأوروبي وضع اطار جديد للتعاون الاقتصادي وتعلل بأن أوروبا تريد الخروج من موقع منح المعونات فقط, بحجة انها لا تعود بالنفع على الشعوب التي تستقبلها, وكانت هذه المبررات كافية لأن يوافق البرلمان الأوروبي على اعادة تقييم موازنة الاتحاد الأوروبي في مجال التعاون التنموي والتي تقدر الآن بـ 5 مليارات يورو, وبحث تخفيضها حيث ثبت ان تركيز أوروبا على مشروعات استثمارية ترفيهية لا تساعد شعوب هذه الدول في النمو والتغلب على الفقر, كما اثبتت دراسة اوروبية تورط بعض الاوروبيين في تغذية الصراعات والمشاكل الدائرة بنسبة كبرى بين الدول الفقيرة خاصة الافريقية عن طريق عمليات تهريب السلاح الناجم عن تهاون الرقابة الاوروبية. ونتيجة لهذه السياسة الملتوية فشل مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) في وضع قواعد تحكم مسارات التجارة العالمية, والدول الفقيرة فيما يطلق عليه منطقة الشرق الأوسط كانت لديها آمالها في تفعيل نوع من التوازن لتضييق الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة والغنية, ولقد جاء المؤتمر الأول في الألفية الجديدة على مقربة من خطوات فاشلة طوقت مؤتمر سياتل لمنظمة التجارة العالمية, والتي كشفت حدة هذه الفجوة وفجرت غضب الدول الفقيرة, غير ان الأونكتاد انتهى تقريبا كما انتهى سياتل, بعدة توصيات واقتراحات وآراء غير ملزمة, وانفض جمع أكثر من 3 آلاف مندوب لأكثر من 180 دولة بعد ان تأكدت الدول النامية انها بعيدة عن أهداف الدول الغنية, وان العولمة ليست الا مخططا ستهيمن به الدول المتقدمة على الدول والشعوب الفقيرة والنامية لأنها عولمة لا تقوم على أسس من العدل والتوازن في تسيير وتبادل المصالح. مبررات مغلوطة تتعلل أوروبا بأن معظم الدول النامية وعدد لا بأس به منها موجود في منطقة الشرق الأوسط, لا تستوعب التقدم التكنولوجي, وان منحها ذلك ينعكس عليها بالسلب, فكل تقنية في الميكنة أو وسائل الانتاج أو أي تقدم علمي, يتم معه في المقابل الاستغناء عن أيد عاملة وتشغيل الأدوات التقنية محلها. والدول النامية تعاني بحدة من البطالة ومن عدم وجود منافذ لتصريف الأيدي العاملة, حتى ان دول العمالة أو التي كانت تستوعب في العقد الماضي عمالة الدول النامية اصبحت الآن تلفظهم بسبب التقدم التكنولوجي, وحلول الالية المتقدمة محل العمالة البشرية. ومن ناحية أخرى بسبب الجنوح للاكتفاء بأيدي العمالة المحلية بعد ان اصبحت مشكلة البطالة عامة في العالم كله. وقد تبدو بعض هذه المبررات منطقية من الناحية النظرية السطحية. لكن من هي أوروبا التي تحكم على ان الدول النامية لا تستطيع استيعاب التقدم التكنولوجي؟ ومن أين لها بهذا الحكم والحكمة؟ وهل الانسان الأوروبي أرقى وأذكى من الانسان العربي أو الشرق أوسطي؟ ثم هل قامت أوروبا بدورها وواجبها التاريخي في مساعدة دول الشرق الأوسط في اقامة مشروعات انتاجية تعتمد على التكنولوجيا الحديثة وثبت لها فشلها؟ كما انه ليس تلقائيا ان استخدام الميكنة يعني الاستغناء عن العمالة البشرية, فدائماً تتفتح آفاق جديدة وبدائل. وهنا تتضح علاقة هذه القضايا بالحرب والسلام, فالاحتياج للغذاء والرعاية الصحية والمياه النقية وعدم القدرة على توفير ذلك قد يدفع بالحرب من جديد في منطقة الشرق الأوسط.