الملف السياسي : يعتبر الكثير من المراقبين للأحداث في فلسطين ان الانتفاضة الفلسطينية هي انجاز قومي رائع, بعد عقد من السنين العجاف الماضية. ويهتف الشبان الفلسطينيون أثناء مواجهاتهم مع الجيش الاسرائيلي والمستوطنين: إن هذه الانتفاضة هي الأخيرة تعبيراً عن رفض الشعب الفلسطيني إيقاف الكفاح قبل الاستقلال. إنها الضوء الوحيد في الظلام الدامس الذي أطبق على الأمة العربية بفعل البلاء الأمريكي. قد يرى الكثيرون أيضاً أن انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان في 25 مايو 2000 نصر مؤزر, غير انه ما زال ناقصاً بدون مزارع شبعا, أو بما تعداده 130 ألف لغم مزروع في الجنوب اللبناني, مما يفسر الكرم الاسرائيلي في الانسحاب!!! إنه حساب الخسائر والأرباح الذي دفع اسرائيل الى الانسحاب من غزة. الانتفاضة تدفع يومياً بالشهداء حتى أصبحت قافلة طويلة ينضم اليها كل يوم المزيد من أطفال الحجارة و الشباب المندفعين العزل الذين يواجهون أعتى جيوش العالم عددا وعدة. ومع دخول الانتفاضة شهرها الثالث وبقرابة 300 شهيد وأكثر من عشرة آلاف جريح, فإن الرأي العام العربي ممثلاً بصحافته المرئية خاصة يتساءل عن مواضيع مهمة طرأت على الساحة. الخيار الوحيد تؤكد الشواهد أن فلسطين لا تستطيع التخلي عن انتفاضتها وإلا هلك شعبها, لأن القوة والبطش بالأسلحة الثقيلة والقتل و الخطف والاعتقال والتعذيب واغتيال قادة الانتفاضة بالتعاون مع الجواسيس واستخدام الكلاب, (وهي عادة عنصرية من الأبيض ضد الأفريقي في جنوب أفريقيا), والحصار الاقتصادي وقطع الماء ومنع الدواء والغذاء أساليب تستخدمها اسرائيل ضد ما تسميه (العنف). في حين تستطيع اسرائيل اللجوء الى بديل واحد هو تطبيق القرار 242 أو تصعيد غير مجد للعمليات العسكرية, في أجواء دعم عربية شعبية, ورسمية (تنطبق عليها الصفات التالية: أجواء رسمية متفاوتة أو محدودة أو مترددة أو مؤقتة أو مشروطة أو متأخرة أو مفتعلة) واتخاذ المزيد من اجراءات الحصار الاقتصادي ومنع المساعدات العربية الإنسانية من الوصول الى الأراضي المحتلة. فموارد الرزق والمياه والكهرباء والطاقة كلها بيد اسرائيل. لكن اطارات الشعب الفلسطيني قد اتخذت بالاجماع قرارها بانتفاضة الاستقلال والاستنزاف. في هذه الأجواء الإيجابية تنطلق أصوات التخذيل وكسر المجاديف وطرح المخاوف ونشر أرقام الخسائر الاقتصادية. كأن الانتفاضة نزهة عكرتها بعض العقبات والمضايقات. وقد أثرت هذه السلبيات في صورة المشهد هادفة الى زرع الشك في جدوى الانتفاضة. وفي هذه الأثناء تجرى الاتصالات السرية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل على مستويات مختلفة بضغوط أمريكية وعربية باسم الواقعية والهلع على خروج كلينتون من الحكم بدون تاريخ, والحاجة الى انقاذ باراك, مما يعزز الخيار الأمريكي المنحاز لإسرائيل, ومما يدل على استهتار المفاوضين الفلسطينيين بدم الشهداء المراق. إن الخطر المحدق بالانتفاضة, بالرغم من الايجابيات الكثيرة, في مسارها أن هناك ضباباً يلف الهدف الأساسي منها بحيث يختفي الهدف المحدد, لكثرة المتحدثين. كما ان القيادة الفلسطينية تحتاج الى تنسيق قوي وقرار يتخذ بوضوح وفي الوقت المناسب وعلى أساس أن الانتفاضة مسيرة واجبة مستمرة في التاريخ الفلسطيني. يوقفها فقط المكلفون بالقيادة بعد ان تتحقق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني في الدولة وعاصمتها القدس وعودة النازحين وإزالة المستوطنات. وبغير ذلك لابد من استمرار الانتفاضة بعد سبع سنوات من العبث. في هذا الصدد من مسيرة الانتفاضة نقف في المحطة المركزية في الجانب الفلسطيني. إن أغلب العاملين في قيادة الانتفاضة يجمعون على هدف محدد لها. هناك من يقول إنها انتفاضة الأقصى, ومن يعتبرها انتفاضة الاستقلال, ومن لا يرى فيها سوى أنها وسيلة لتحسين شروط التفاوض مع اسرائيل, وهناك من يريدها عسكرية, ومن يفضلونها سلمية, وبين هذه الشعارات والرغبات لا تعرف الى أين تسير هذه الانتفاضة, وكأنها في مهب الريح. الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يكاد يكون قد سمى الانتفاضة بكل المسميات: قال إنها انتفاضة الحرية, انتفاضة الاستقلال, انتفاضة الأقصى المبارك والمقدسات المسيحية والإسلامية, انتفاضة العدل... وأسماء أخرى. إنه يبدو أيضاً كمن يسير على قاعدة حارب وفاوض, فمنذ اللحظة الأولى لم يغلق بابه في وجه المبعوثين الاسرائيليين والأمريكيين. تفاهم مع شيمون بيريز وزير التعاون الاقليمي الاسرائيلي وتحدث مع باراك مرة وفي مرة اخرى يقول: فليذهب الى الجحيم كل من يعترض قيام الدولة الفلسطينية. هل الانتفاضة جسد بلا رأس وبهدف هلامي حتى هذه اللحظة؟ ربما تبدو بهده الصورة, وهناك الصراع الاعلامي والمزايدات أيضا. ثلاثة اتجاهات بخصوص الانتفاضة داخل القيادة الفلسطينية وحركة فتح. الأول: تيار الدعوة الى استمرار الانتفاضة. الثاني: تيار مواصلة الحل السياسي انطلاقا مما وفرته الانتفاضة من معطيات جديدة لحصر الخسائر الفلسطينية في هذا المجال, الثالث: تيار وسطي يحاول ايجاد نقطة التقاء ويدعو لاستمرار الحل السياسي والانتفاضة معاً. وهم في هذا المخطط يقلدون حركة النضال في فيتنام عندما كانت تقاتل وتفاوض. إن الوقائع اليومية للانتفاضة وهي الاحتكاكات على خطوط التماس والمعابر بالحجارة والسلاح الخفيف مقابل الأسلحة الفتاكة والآليات, والأساليب الاسرائيلية المتفوقة في سحقها, والاختراق الصهيوني في الجانب الفلسطيني وعودة مكاتب الارتباط بعد يوم من توقفها, وضعف الخسائر اليهودية نسبياً حتى الآن لا تتيح الفرصة لعمل حاسم أو تغيير جذري في الموقف الاسرائيلي, غير ان استمرار الانتفاضة في خط معمق يؤلم تطوره اسرائيل, يؤدي الى مكاسب سياسية في ارتفاع سقف المطالبة الوطنية. وتشهد الاجتماعات الرسمية للقيادة الفلسطينية والتنظيمية لحركة فتح اضافة الى اللقاءات الاخرى غير الرسمية جدلا حادا بين التيارات الفاعلة داخل الانتفاضة. وينصب الاهتمام الفلسطيني الآن على وحدة الخطاب السياسي وانشاء قيادة سياسية وطنية تشارك في صنع القرار وتنفيذه, والمعيار هنا عدم العودة الى مسار التفاوض السابق. ويتبلور الوضع السياسي في العمل على جبهات أربع هي: التعامل مع الصراع الداخلي, مع اسرائيل, داخلها, وعلى المستوى العربي. وخلال الفترة الأخيرة, بدأت ملامح الصراع في الظهور علناً بين معسكرين متضامنين: الأول معسكر العمل المسلح حتى الوصول الى الأهداف. الثاني: معسكر العمل السياسي والجماهيري. ويضم المعسكر الأول تياراً من حركة صقور فتح وحماس والجهاد, وقد سارع هذا الاتجاه الى فرض طابع عسكري مسلح على الانتفاضة, وأساليبه هي العمليات الفدائية ضد المستوطنين والجنود الاسرائيليين والتفجيرات, اضافة الى اشكال بدائية وغير متمرسة من اعمال حرب العصابات ضد المستوطنات الاسرائيلية. تحقيق الاجماع العمليات تدل على ان ثمة اجماعا شعبيا على المبادىء التالية: أولا: ان اي مفاوضات مقبلة يجب ان تبحث في انهاء الاحتلال ولا شيء سواه, بموجب القرار 242. ثانيا: لا عودة أبدا إلى موضوع الاسطورة المتعلقة بالهيكل أو إلى مبدأ بقاء مستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة, فإما سلام وإما مستوطنات, خصوصا بعدما جرى في بيت جالا وبيت ساحور ونابلس ورام الله حيث كل بؤرة استيطانية أصبحت مصدر انطلاق ارهابي وتهديد للشعب الفلسطيني. ثالثا: الاطار التفاوضي يجب أن يتغير بالخروج على احتكار الولايات المتحدة إدارة عملية السلام لانها منحازة لاسرائيل. رابعا: موضوع التفاوض يجب أن يتغير, أي عدم العودة إلى قاعدة ما يتفق عليه الطرفان, لان هذه المعادلة لمصلحة إسرائيل, الأقوى على طاولة المفاوضات. وموضوع المفاوضات الأساسي هو تطبيق قرارات الشرعية الدولية وترك الشعب الفلسطيني يمارس حقه في تقرير المصير. خامسا: ينبغي التأكيد على ضرورة تشكيل اطار دولي أوسع يدير المفاوضات ليوازن الدعم الأمريكي لاسرائيل بمشاركة الأوروبيين والروس والصينيين ودول الطوق العربية باعتبار القضية الفلسطينية تهم جميع العرب. في هذا الاطار يعبر السعي الفلسطيني إلى طلب الحماية الدولية عن أمرين: الأول: ان الحماية الدولية باتت حاجة ملحة بعد وصول الاعتداءات الإسرائيلية إلى مدى غير مسبوق. والوضع الميداني يدل على ان اسرائيل تشن حربا من جانب واحد ضد شعب أعزل تحت أرضه, والجرائم ترتكب يوميا من جانب الجيش الإسرائيلي والمستوطنين المدججين بالسلاح, وهنا يأتي دور لجنة التحقيق التي لا يدل تشكيلها بإدارة أمريكية وتنقلاتها, حتى كتابة هذه السطور, على انها ستعطي الضوء الأخضر لوضع مراقبين دوليين على خطوط التماس بتاريخ الرابع من يونيو 1967. ولا بد من صياغة هذه المبادرة على نحو مفصل حتى لا يقع الشعب الفلسطيني في مطب مراقبي مدينة الخليل. الأمر الثاني: هو الدافع السياسي, فشعار الحماية الدولية مع تطبيقه الفوري هو إحدى الوسائل لقطع الطريق على أي محاولات ضغط على السلطة الفلسطينية سواء من جانب إسرائيل أم الولايات المتحدة أم بعض الدول الأخرى للعودة إلى المسار التفاوضي السابق بوحي شرم الشيخ, كل هذه العوامل ايجابية ومهمة يجب النظر إليها والبناء عليها حتى يستطيع الفلسطينيون الخروج من هذا الصراع منتصرين. وثمة تحولات استراتيجية في اسرائيل كنا لاحظناها قبل بدء الانتفاضة, من ضمنها أن قدرة إسرائيل على احتمال الخسائر البشرية أصبحت محدودة جدا. وقد ثبت ذلك في الانسحاب من جنوب لبنان بضغط المناضلين اللبنانيين. وقدرة إسرائيل على احتمال مجابهة طويلة الأمد أضحت هشة أيضا بسبب مستوى الرخاء الاقتصادي الذي حققته إسرائيل لنفسها. فهي عزلت خلال السنوات السبع الماضية, بعد أوسلو, جمهورها العادي عن الصراع الجاري في الأرض المحتلة, وعندما يضطر الجيش الإسرائيلي إلى ارسال قوات احتياط إلى الأراضي المحتلة, يعيد ادخال الصراع إلى كل بيت اسرائيلي, وهذا ما لم تتحمله إسرائيل. براعة الانتفاضة في استمرارها لأطول مدى زمني ممكن بأقل عدد ممكن من الشهداء والضحايا والخسائر وأكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية وايقاع الخسائر البشرية بقوات العدو الصهيوني. والمطلوب من كل سياسي عربي أن يقرأ كثيرا عن تاريخ المنظمات اليهودية ... ليصل إلى استنتاج بسيط ان اسرائيل, بمفهومها وسياستها, لن تعيد للعرب حقوقهم التي اغتصبتها. لقد فشلت إسرائيل في تعويد الفلسطينيين على المجازر التي تجري بصفة دورية (خمس مجازر في العقد الماضي: أكتوبر 1990 الحرم القدسي. فبراير 1994 الحرم الابراهيمي. مارس 1996 قانا جنوب لبنان. ابريل 1997 الحرم القدسي (واقعة النفق). سبتمبر 2000 (الحرم القدسي) ساحة المسجد الأقصى. هذه هي الملامح المشئومة للمجتمع الإسرائيلي الذي يزعمون انه يريد السلام ويفتش باراك باسمه عن شريك. تلك بعض المشاهد في المأزق الذي تعيشه الانتفاضة المجيدة, والذي لا يفيد في الخروج منه اعلان يوم أو يومين للغضب ثم الذهاب إلى الصلاة.. فالثورة التي يبذل الفلسطينيون دماءهم على طريقها التزام مقدس لا محيد عنه. ولا بد من مدد عربي لهذه الانتفاضة المهددة الآن في قدرتها على انجاز يحفظ قيمة الدم الذي بذل من أجل تحقيق هدفها السياسي, (حرب الاستقلال). لا يكفي توجيه اللوم أو الاتهام بالتقصير إلى أية قيادة. لابد من قرار عربي بالدعم والاحتضان سياسيا ومن ثم ماليا, والا تهاوت الانتفاضة الثانية دون أهدافها الأصلية, موفرة التبرير الجديد لاحياء اتفاق أوسلو آخر.