بيان الاربعاء :عقد مكتب (البيان) في العاصمة الاردنية عمان ندوة شارك فيها د. احمد نوفل رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك ود. سعيد ذياب امين عام حزب الوحدة الشعبية والرئيس الحالي للجنة التنسيق العليا لاحزاب المعارضة الاردنية والاستاذ هاني دحلة امين عام المنظمة العربية لحقوق الانسان في الاردن. وتناولت الندوة الانتفاضة الفلسطينية وما اذا كانت هذه الانتفاضة مرحلة لاحقة لانتفاضة الشعب الفلسطيني عام 1987؟ وهل صحيح ان منظمة التحرير الفلسطينية فشلت في ادارة اللعبة السياسية اثناء وبعد الانتفاضة السابقة ويخشى ان تتبع الاسلوب نفسه مع هذه الانتفاضة؟ وماهي الاسباب التي دعت لانتفاضة الاقصى وما هو مصيرها؟ ـ الدكتور احمد نوفل: إذا أردنا أن نعقد مقارنة بين انتفاضة الأقصى الحالية والانتفاضة الأولى التي في عام 1987 نجد أن الظروف التي أدت إلى الانتفاضة الأولى تختلف عن الظروف التي أدت إلى الانتفاضة الحالية. فقد اصبح معروفا انه من الذيول التي دعت إلى الانتفاضة الأولى خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان إلى تونس , وإدراك الفلسطينيين في الداخل أن القيادة الفلسطينية أصبحت بعيدة عن خط التماس معهم, مما أعطى الانطباع انه لا بد أن يكون هناك عمل من الداخل يمكن أن يعيد القضية الفلسطينية كقضية أساسية ومركزية في الساحة العربية , إضافة إلى انعقاد مؤتمر القمة العربي في عمان الذي عقد قبل قيام الانتفاضة بأشهر قليلة, حيث كان هذا المؤتمر الأول الذي لم يتناول القضية الفلسطينية كقضية مركزية من ضمن القضايا التي كان قد ناقشها الأمر الذي أدى إلى حدوث ردود فعل في الداخل مما جعل الشعب الفلسطيني يرى انه لابد من إرجاع القضية الفلسطينية إلى أهميتها المركزية في الصراع العربي الإسرائيلي , أضف إلى ذلك أن ممارسات العدو الصهيوني الذي استمر باستيطانه الأراضي العربية الفلسطينية وممارسة الأساليب القمعية مع الشعب الفلسطيني , وبالتالي فان الظروف الصعبة التي كان ومازال يعاني منها الشعب الفلسطيني دفعت كلها لتهيئة الأوضاع لتحركات داخلية فلسطينية للدفاع عن حق الأرض والعيش بسلام . ـ د. سعيد ذياب: اعتقد ان هناك اختلافا كبيرا بين الانتفاضة الحالية والسابقة , ويمكن القول ان الانتفاضة السابقة جاءت نتيجة الدور العربي الذي عمل على تهميش الكتلة الوطنية الفلسطينية حيث مورس ضغط هائل على منظمة التحرير الفلسطينية التي قدمت العديد من التنازلات مما جعلها تقبل بقرار 242 وبدون أي مقابل, والعامل المهم الذي أدى إلى الانتفاضة السابقة هو العامل الذاتي بالنسبة للتنظيمات التي كانت تؤثر على الشارع الفلسطيني من خلال قدراتها على التقاط الظرف الموضوعي , وبالتالي استطاع هذا العامل الذاتي الناضج أن يلتقط هذا الحدث ويطور الانتفاضة, ويرد على كل محاولات تذويب الشخصية الفلسطينية التي كانت تعيش تلك الفترة . إن طبيعة الظرف السياسي تختلف كليا في الانتفاضة السابقة في 87 عما هو سائد اليوم , حيث أن طريقة تعامل العدو الصهيوني في الفترات الماضية بدت مختلفة عما يمارسه في الوقت الحاضر , ويمكن القول أن العدو الإسرائيلي في السابق كان يتعامل مع الشعب الفلسطيني مع شعوره بشكل أو بآخر بمسئولية تجاه هذا الشعب كونه تحت الاحتلال , إلا انه في الوقت الحالي يرى انه أخلى نفسه من أي مسئولية من هنا اصبح من الواضح أن هناك تباينا في الأسباب المؤدية إلى الانتفاضة السابقة والحالية . * هاني الدحلة: إن الشعب الفلسطيني منذ العمليات الأولى للاستيطان لم يكف عن الانتفاضة حيث أن الانتفاضات في تاريخ فلسطين مستمرة منذ 1917 وحتى الآن , وبالتالي فان انتفاضة لـ87 هي استمرار للانتفاضة الراهنة التي تريد طرد الاحتلال الصهيوني المتمادي , فالشعب الفلسطيني بطبعه شعب مناضل لا يقبل الذل أو أن تسلب منه حقوقه ولا يقبل أن يصبح في الدرجة الثانية في وطنه , وكون هذه العوامل أصيلة في الشعب الفلسطيني لذا ترى انه يتحرك بقوة كلما أتيحت له الفرصة. إن انتفاضة 87 جاءت بعد هدوء طويل عندما وجد فيه الفلسطينيون في الداخل أن أراضيهم ليست بأيديهم وإنما أصبحت لعبة في أيدي بعض الساسة يرتزقون من ورائها , لذا أراد الشعب الفلسطيني أن يمسك قضيته بيديه فحدثت الانتفاضة واستمرت سبع سنوات , وكما فعل العرب في السابق سنة 1936 عندما أوقفوا الإضراب الذي استمر ستة اشهر , قاموا أيضا بوقف انتفاضة الـ87 بوعود وأساليب مختلفة, ولا ادري أن كانوا في هذه المرحلة سينجحون في هذا الأمر أم لا. اعتقد أن الانتفاضة الحالية هي عبارة عن ثورة جديدة للشعب الفلسطيني اعنف من سابقتها كوننا نلاحظ ولاول مرة بدأ المناضل الفلسطيني في الداخل يمسك فيها السلاح للدفاع عن أرضه , وفي الحقيقة نحن ندرك أن هذا السلاح اضر بهم كما نفعهم حيث سبب حمل الكثير من الفلسطينيين للسلاح في وجه الجنود الصهاينة سقوط عدد كبير من القتلى, وبالتالي فان إسرائيل تستغل كل طلقة يطلقها الفلسطينيون لتقابلها بالمدفع والرشاش , حيث انه من الواضح اليوم أن الإسرائيليين يمتنعون عن الدخول في مواجهة مع الشعب الفلسطيني داخل التجمعات الفلسطينية لأنهم يتوقعون خسائر كبيرة , ومن هنا فان الانتفاضة الحالية واستمرارها مرهون بقدرة الشعب الفلسطيني على أن يستمر بوحدته ويطور وسائل دفاعه عن نفسه. ومن الملاحظ هذه الفترة أن الشارع الفلسطيني متوحد اليوم خلف قيادة جديدة هي قيادة العمليات وليس القيادة السياسية , وبالتالي إذا كانت قيادة العمليات هذه على قدر المسئولية فان الانتفاضة سوف تستمر . اللعبة السياسية * (البيان) : هناك من يرى أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تنجح في إدارة اللعبة السياسية أثناء وبعد الانتفاضة السابقة, فإلى أي مدى يمكن الاعتماد على هذا الرأي , مع العلم بان قيادة المنظمة كانت تصر في السابق على انها تدير اللعبة السياسية بحسب المعطيات الدولية والإقليمية ؟ ـ د.احمد نوفل: باعتقادي أن منظمة التحرير كانت مثل من حاول أن يقطف ثمرة قبل أن تنضج , ولم تنتظر المزيد من التفاعلات على المستوى العربي والدولي حتى تنتج الانتفاضة نتائجها الإيجابية لمصلحة الشعب الفلسطيني , وراهنت كثيرا على العامل الدولي والخارجي اكثر من العامل الداخلي وهذا كان خطأ في السياسة التي رسمتها منظمة التحرير بدليل إنها تجاوبت بشكل سريع جدا مع المبادرة الأمريكية التي قام بها جيمس بيكر وقبلت جميع الشروط التي طرحت بما في ذلك تغييب المنظمة كشخصية اعتبارية مستقلة, إضافة إلى التدخل الأمريكي والإسرائيلي في اختيار الشخصيات المفاوضة من اجل المشاركة في التسوية, رغم تناقض هذا القرار مع قرار المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر الذي أكد على ضرورة مشاركة منظمة التحرير بشكل مستمر . وبكلمات أخرى نلاحظ من مطالعاتنا لمسار عمل القيادة الفلسطينية التي هي منظمة التحرير آنذاك أن تطلعات الانتفاضة السابقة وأهدافها التي قامت عليها بالأساس عمدت قيادة المنظمة بصورة أو بأخرى على قلبها, ولم تتعامل هذه القيادة مع انتفاضة لـ87 بالطريقة التي يمكن أن تستفيد منها بحيث تخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية , ونحن نعلم أن الانتفاضة تلك فرضت على الإسرائيليين مأزقا, حيث كان زعماؤهم في ذلك الوقت أمثال اسحق رابين يبحثون عن حل لها, خاصة بعد أن عرف الإعلام الغربي أن هذا الحمل الوديع الكائن في الشرق الأوسط (إسرائيل) ليس كذلك وانه عدو ووحش كاسر, وهذا ما أكدته ممارساته العدوانية مع أطفال الحجارة, مما جعل أصدقاء إسرائيل في ذلك الوقت يتحركون مثل جورج بوش الرئيس الأمريكي السابق الذي عمل المبادرة الأولى في عام 1988 في بدء المفاوضات في جنيف وأيضا جاء جيمس بيكر وبدء بالمفاوضات في عام 1991 في مؤتمر مدريد الأمر الذي يشير إلى دور الانتفاضة الكبير في قيام مؤتمر التسوية في مدريد , وتجدر الإشارة إلى أن الانتفاضة ليست هي من سعى إلى هذا المؤتمر, وإنما أطراف أخرى من ضمنها بعض الجهات والشخصيات الفلسطينية التي لم تكن تقف إلى جانب الانتفاضة . إن انتفاضة الـ87 أثبتت قضية أساسية هي قضية وحدة الشعب الفلسطيني حيث كانت الفصائل الفلسطينية المختلفة تحت قيادة واحدة, إلا أن هذه لم تدم بعد ذلك بسبب توقف الانتفاضة , وبالرغم من عدم استخدام الأسلحة في الانتفاضة السابقة كما يحدث اليوم في انتفاضة الأقصى إلا إنها شكلت ضغطا هائلا حتى على الأفراد الإسرائيليين العاديين, حيث استطاعت الدخول إلى عقر كل بيت إسرائيلي من خلال ما يشاهدونه من أعمال عنف يقوم به أبناء جلدتهم, سواء من قبل شاشات التلفزيون أو من خلال العمليات الانتحارية التي كانت تحدث داخل دولة إسرائيل. أضف إلى ذلك نقطة مهمة تتعلق بالمخابرات الإسرائيلية التي كانت على علم بكل ما يحدث في العواصم العربية من مثل عمان والقاهرة لمعرفة ردود الأفعال ومدى الخطر المحتمل من قبلها , إلا أن مجيء الخطر من داخل الأراضي المحتلة, فهذا أمر لم تكن تتوقعه, وعجزت المخابرات الإسرائيلية في ذلك الوقت عن التنبؤ بالثورة والانتفاضة الفلسطينية. ــ د.سعيد ذياب: إن من أول الإفرازات ان جاز التعبير نقل مركز الفعل الفلسطيني من الخارج إلى الداخل, حيث أن القضية التي تلمسها الشعب الفلسطيني بشكل مباشر أن الصراع والمواجهة وحتى القرار يبدأ بأخذ شكل متدرج الانتقال من الخارج إلى الداخل. ومن إفرازات الانتفاضة السابقة أيضا أنها استطاعت أن تحسم بشكل نهائي مسألة تمثيل الشعب الفلسطيني الذي اقتصر على منظمة التحرير الفلسطينية , إضافة إلى أنها طرحت القضية الفلسطينية على المجتمع الدولي بصورة مختلفة عن السابق , حيث استطاعت ان تؤكد للإعلام الغربي والقوى المعادية أن نضالها وطني وسلمي للدفاع عن أراضيها المقدسة من خلال مواجهة الشباب والأطفال للجنود الإسرائيليين بالحجارة مقابل أسلحة ودبابات الجيش الإسرائيلي , وبالتالي إعلام العالم أن إسرائيل هي من تمارس القمع والإرهاب, وان الشعب الفلسطيني هو الشعب الوحيد في الكرة الأرضية الذي لم يحصل على استقلاله , وبالتالي طرحت القضية الفلسطينية من أوسع أبوابها على المستوى الدولي اكثر من أي مرحلة سابقة . إلا أن الخطأ السياسي الذي ارتكبته منظمة التحرير الفلسطينية أنها حاولت أن تقتنص ثمار الانتفاضة بشكل مبكر, وقبل أن ينضج جيدا المستوى الدولي, وتتعامل معها بصورة إستخدامية اكثر ما تتعامل معها بشكل نضالي , إضافة إلى أنها ركزت على العامل الخارجي حين أرادت أن تقطف ثمارها ولم تكترث كثيرا بالعامل الداخلي المتمثل بالانتفاضة نفسها. ـ هاني الدحلة: في البداية احب أن أؤكد بأنه ما من شك أن الفلسطينيين لم يتوقفوا أبدا عن مطالبتهم بحقوقهم المشروعة ومقاومة الاحتلال للوصول إلى إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة وتحرير أراضيهم المحتلة, لذلك فان الثورات التي قام بها الشعب الفلسطيني في السابق والانتفاضات التي تلتها كانت تصب في هذه الأهداف. إن ( طبخة ) الانتفاضة 87 جرى الإعداد لها بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982 , وابتعادها جغرافيا عن الساحة الفلسطينية التي كانت طوال الوقت قريبة منه وقد نجحت تلك الانتفاضة في إشراك الشارع الفلسطيني بأسره, رويدا رويدا, من خلال تفعيل دور المؤسسات المدنية, بالإضافة إلى خلق قيادة موحدة لها في مواجهة الجنود المنظمين, وعملت جاهدة على أن لا يدفع الشعب الفلسطيني الفاتورة بمفرده بل اشركت المحتل في هذه الفاتورة عبر سلسلة منظمة من العمليات النموذجية, وبذلك أقنعت العالم من جديد بوجود مشكلة أو قضية اسمها القضية الفلسطينية التي كادت في وقت من الاوقات أن ينساها العرب أنفسهم . وهي في الوقت ذاته لم تغفل دور الرأي العام العالمي, بالإضافة إلى مراكز القوى في العالم مطالبة الشرعية الدولية في وضع القضية الفلسطينية على سلم اولوياتها من جديد ونجحت في ذلك . مما أدى إلى تكبيد العدو خسائر نوعية وعلى كافة الصعد العسكرية والسياسية والاقتصادية, وحتى الاجتماعية . وكما الانتفاضة الراهنة فقد استطاعت الانتفاضة السابقة تكبيد قطاع السياحة الإسرائيلي خسائر غير متوقعة وكما تقول إحدى الدراسات فقد بلغ إجمالي الخسائر الإسرائيلية خلال 24 شهرا الأولى من الانتفاضة 13,192 مليون دولار, بالإضافة إلى الخسائر غير المباشرة التي بلغت 3840 مليون دولار, بمعدل 160 مليون دولار شهريًا . وادت جميع هذه الخسائر إلى علو أصوات تنادي بالتنازل عن الضفة الغربية وقطاع غزة . ومما لا شك فيه إنها دفعت الساسة العرب إلى الالتفات مجددا نحو القضية كقضية مركزية للعرب, حيث تأكد قبيل اندلاع الانتفاضة كما قيل سابقا وخصوصا بالنظر إلى توصيات وأجندة قمة عمان الطارئة في نوفمبر 1987 قبل أيام من تفجر الانتفاضة التي وضعت القضية الفلسطينية على الهامش. أما فيما يتعلق بالإجابة على السؤال المطروح فإنني اعتقد أن منظمة التحرير لم يكن لديها منذ الأساس سياسة واضحة تجاه الانتفاضة , حتى أنني أستطيع القول أن منظمة التحرير فوجئت بالانتفاضة, لذلك فهي تعاملت مع الانتفاضة الفلسطينية كما تتعامل مع أي جهة ذات علاقة بالقضية الفلسطينية, بحيث أنها لم تتعامل معها بالشكل الذي يمكن لها أن تستفيد منها أو أن تتلاحم معها , ومن هنا حدثت الاختلالات التي أدت إلى أن تذهب منظمة التحرير إلى مؤتمر مدريد ضمن وفد أردني , حيث أن المنظمة بالرغم من علاقاتها الدولية لم تستطيع ان تفرض على أمريكا وإسرائيل أن يوضع لها مقعد بجانب المقاعد الذي ذهبت إلى مدريد, وهذا ناتج عن أن منظمة التحرير لم تكن في المستوى الذي يليق بتمثيل المجتمع الفلسطيني. ــ د. احمد نوفل: لي تعليق إذا سمحتم لي, وهو أنني لست مع ما ذهب إليه الأستاذ هاني الدحلة عندما قال أن منظمة التحرير فوجئت بالانتفاضة ولم تستطع قيادتها فالشواهد التاريخية القريبة تقول عكس ذلك نعم هي لم تصبر على الثمار حتى تنضج جيدا ولكنها أثناء الفعل الانتفاضي كانت مشتركة بشكل مباشر وإلا كيف تفسر اغتيال إسرائيل لأبي جهاد على سبيل المثال لا الحصر. اسباب الانتفاضة * (البيان): يقال الكثير حول الأسباب الدافعة لانتفاضة الأقصى, ورغم انه لا يشك اثنين بأن السبب المباشر جاء ردا على زيارة شارون ولكن يرى المراقبون أن خلفية ما كانت قد تشكلت تؤكد أن في الشارع الفلسطيني ما ينذر بحدوث شيء, وهذا ما حذرت منه في السابق القيادة الفلسطينية إذا ما واصلت إسرائيل في أسلوبها التفاوضي, فما هي الأسباب الاخرى الداعية للانتفاضة الحالية (انتفاضة الأقصى) ؟ ـ د. احمد نوفل: اعتقد أن زيارة شارون للحرم القدسي الشريف بمثابة الشرارة التي أشعلت النار كما قلت, حيث كانت تحمل هذه الزيارة في طياتها عنصر الاستفزاز, إضافة إلى دلالة السيادة على القدس أي من يسود على القدس إسرائيل أم الفلسطينيون. لذلك كان هناك ربط شعبي عنيف بحجم الزيارة, إلا أننا إذا ما دققنا في ما كان يجري على الساحة الفلسطينية منذ مدة طويلة, نجد أن الأسباب الكامنة وراء ظهور الانتفاضة في الأساس هو الاحتلال, وهذا ما أكدت عليه كل من القيادة الفلسطينية والشارع الفلسطيني, لان وجود الاحتلال واستمراره, وما يرافقه من عمليات تهويد للأرض, وإنشاء المستوطنات ومصادرة الأراضي, هو السبب الرئيسي للانتفاضة الحالية. أما السبب الثاني للانتفاضة الحالية والذي يجب أن لا نغفله أيضا, وقد تطرقت إليه في السؤال, يرجع إلى أن التسوية السياسية وبعد عشر سنوات من المفاوضات التي لم توصل المواطن الفلسطيني إلى أي نتيجة حيث وجد أن قضيته على طريق الضياع والنسيان , وبالتالي فان وصول هذه المفاوضات إلى ما وصلت إليه من طريق مسدود ومحكوم عليه ليس بالفشل بل بالذوبان والموت, خصوصا في ظل وصول اتفاقية أوسلو رغم ضآلتها أمام التطلعات الفلسطينية إلى طريق مسدود هي أيضا كل ذلك وغيره دفع بالحالة الفلسطينية إلى انفجار وبروز الانتفاضة الحالية . أما السبب الآخر في رأيي فهو مفاوضات كامب دافيد الثانية التي كانت سببا من حيث أن الإسرائيليين حاولوا فيها بالقوة تحقيق ما لم يستطيعوا تحقيقه بالمفاوضات , كما أن الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه المواطن الفلسطيني , إضافة إلى الفساد الذي تعيشه السلطة من الأسباب الداعية للانتفاضة , لكن الأسباب الأساسية تكمن في الاحتلال وفشل التسوية وغياب الوعود التي كانت ترمي إلى الاستقلال الفلسطيني . ــ د. سعيد ذياب: الانتفاضة الحالية هي حالة شعبية نوعية جديدة, وأنا أرى إنها طوت صفحة وفتحت صفحة جديدة في التاريخ الفلسطيني , وان هذه الصفحة تتسم عن المرحلة السابقة بالصفات التالية: أولا وحدة ميدانية في الشارع الفلسطيني على الأرض من قبل القوى الوطنية والإسلامية مجتمعة لمواجهة الاحتلال , ونحن بدورنا نأمل أن ترتقي هذه الوحدة الميدانية لتصبح وحدة على المستوى الوطني تقود الشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافه الوطنية. كما انه اصبح من غير الممكن العودة إلى الوراء من حيث آلية المفاوضات والقرارات التي اتخذت في ذلك الوقت, وأشير هنا إلى أن هناك ضرورة اليوم عند الحديث مثلا عن قرار242 أن لا نتحدث عنه أو أن يجري النقاش عليه, بل نتحدث عن كيفية تنفيذ هذا القرار, بمعنى الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهنا فرق كبير حول آلية التفاوض التي كانت متبعة سابقا, وما هو مطروح اليوم حول مرجعية المفاوضات والهيمنة الأمريكية التي كانت راعية للمفاوضات , أما الآن فالمطلوب إشراف دولي تحت إشراف عدة جهات منها الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة من اجل تقليص الدور الأمريكي في عملية التحكم بالقرارات . حركة الشارع العربي ويضيف د. سعيد ذياب: النقطة المهمة اليوم التي دخلت في عملية الصراع هو ما جرى في الشارع العربي حيث أرعبت حركة هذه الشارع الإدارة الأمريكية, حيث بذلت هذه الإدارة قصارى جهدها من اجل وقف اندفاع الشارع العام , لذلك فان هناك مخاطر حقيقية تستهدف المصالح الأمريكية في المنطقة العربية. إضافة إلى توجه هذا الشارع إلى مقاطعة البضائع الأمريكية تلك العملية التي سيكون لها الأثر الأهم في دعم الانتفاضة الفلسطينية, فالمواطن العربي البعيد عن الساحة الفلسطينية والذي كان يرى انه لا يستطيع أن يقدم شيئا للقضية الفلسطينية اصبح الآن يرى أن بإمكانه فعل شيء عبر المقاطعة التي سيكون تأثيرها بالغ الإيجابية على دعم الانتفاضة, سواء من الناحية المعنوية السياسية أو المادية, أضف إلى ذلك أيضا مساهمة هذا المواطن بتوفير الدعم المادي للشعب الفلسطيني, وإبراز عامل المقاطعة ليس لإسرائيل وحدها بل وللولايات المتحدة الأمريكية أيضا, وهذا متطلب ضروري لاستمراريتها بقوة. واحب أن أشير هنا إلى ما بدأ العمل به بالفعل في كثير من دول الخليج من خلال مقاطعة البضائع الأمريكية, فالمرء لا يستهين بما يمكن أن يقدم هو وحده في هذا المجال, على أنني احب أن اثمن دور المواطن العربي وخصوصا الخليجي الذي بدأت أخباره تتدفق تلك التي تشير إلى أن دعوات مقاطعة المنتجات الأمريكية بدأت تكتسب لديه تأييدا كبيرا, وهذا بالتأكيد يؤكد حجم التضامن الكبير مع الإرهاب الذي يتعرض له الشعب العربي المسلم . وإن كانت هذه المقاطعة غير مؤثرة بشكل واضح حتى الآن غير أن احتمالات ارتفاع نسبة المقاطعين للمنتجات الأمريكية أمر وارد. إضافة إلى كل ذلك فقد كانت هناك مخاطر حقيقية تستهدف حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة لذلك تحركت الإدارة الأمريكية في وقت اندفاع الشارع العربي, ومن الأسباب أيضا الداعية إلى حركة الشارع العربي أن هناك إدراك من الشارع بقومية المعركة ودينيتها, وانه لا يقوم بحركته تضامنا مع الانتفاضة, وإنما من اجل درء أخطار العدو الإسرائيلي عن نفسه. أن المأزق الذي وصلت إليه التسوية وانفجار الانتفاضة أعاد القضية الفلسطينية إلى مربعها الأول الأساسي لعملية الصراع وهو مفهوم هذا الصراع , كيف ننظر نحن كعرب للصراع وكيف ينظر الإسرائيليون للصراع. إسرائيل منذ نشأتها كانت تنظر إليه على انه مشروع صهيوني قومي يقوم على أساس احتلال الأرض العربية , إضافة إلى المفهوم التوراتي للدولة بان تكون من النيل إلى الفرات وهي لن تتراجع عنه أبدا, وكان العرب في البداية ينظرون إلى انه مشروعهم كان مشروعا نهضويا عربيا, ولكن التراجع بدأ من الطرف العربي الذي اصبح يفكر بحل سياسي لمسألة الصراع وإنهاء التناقض ما بين المشروعين, وعندما وجد الطرف العربي والفلسطيني أن إسرائيل رغم كل عشر سنوات من المفاوضات لن تتراجع عن مشروعها حيث أن كل ما قدمته للفلسطينيين مجرد حكما ذاتيا أو دولة ناقصة السيادة, من هنا بدأ إدراك الشارع العربي لحقيقة ضرورة العودة إلى جذور ومفهوم الصراع بين المشروعين المشروع العربي النهضوي والمشروع الإسرائيلي الاستيطاني. إن المجتمع الإسرائيلي حتى هذه اللحظة لا يريد السلام وغير مهيأ لصناعة السلام بدليل ان انتخابات الكنيست في الدورتين التاليتين تعكس زيادة في نمو التيار الديني في المجتمع الصهيوني, وهو تيار متشدد يرى في العرب والمسلمين مجرد حيوانات أو كائنات غير قابلة للحياة. وفي مقابل نمو هذا التيار هناك تراجع في نمو حزب العمل والليكود هذان الحزبان الصهيونيان, هذا يشير إلى أن إسرائيل باتت تستعجل تحقيق أهدافها. وهذا الأمر ينطبق على جميع الإسرائيليين حتى لمن كانوا يدعون بضرورة المساومة التاريخية ما بين الشعب العربي والشعب الإسرائيلي, فدور هؤلاء تراجع واصبح المشهد الإسرائيلي غير مستعد حتى ضمن هذه المساومة أن تخسر مشروعها الصهيوني كونه ما زال يحكمها الرؤية التوراتية للدولة اليهودية في المنطقة العربية. اسباب كثيرة ـ هاني الدحلة: أما عن السبب المباشر فمن المعروف أن انتفاضة الأقصى اندلعت يوم 28 سبتمبر 2000 اثر زيارة إريل شارون لساحة المسجد الأقصى , ولكن لا شك أن أسبابا سياسية واجتماعية واقتصادية أخرى, إضافة إلى غياب الحريات العامة في الشارع الفلسطيني, وبعض الممارسات للمفاوض الفلسطيني أدى كل ذلك إلى بروز تراكمات مختلفة, إضافة إلى الاحتلال نفسه الذي هو سر كل هذه التناقضات, وعلى اثر هذه التناقضات مع وجود الشرارة وهي زيارة الإرهابي شارون للحرم القدسي اندلعت الانتفاضة المباركة, مما أدى إلى تراجع دور المفاوضين السابقين, في الوقت الذي ولدت فيه قيادات جديدة في فلسطين تختلف عن القيادات التي كانت تقود التفاوض. وهذا الأمر مهم حيث يعتبر ذلك ذكاء من قبل الفلسطينيين بان تكون هناك قيادة للمفاوضة وقيادة من اجل قيادة الانتفاضة , واقصد أن مرجعية المفاوض الفلسطيني السابق ستختلف عن مرجعية المفاوض الحالي, بحيث أن إسرائيل أو الولايات المتحدة الأمريكية لن تتعذر في ضرورة التنازل الفلسطيني بأنه لا رأيا عام لدى الفلسطينيين في إشارة إلى أن القيادة الفلسطينية لديها حرية حركة أوسع من حرية حركة المفاوض الإسرائيلي الذي يفرض عليه ضغط (الشارع الإسرائيلي) عدم التنازل. فالمفاوض الفلسطيني منذ الآن يدرك انه ان تنازل فان وراءه من يسأله, أضف إلى ذلك أن ما قدمه الشعب الفلسطيني من تضحيات خلال هذه الانتفاضة لن يكون سهلا على المفاوض الفلسطيني تناسيها. وهذا بالضبط ما أشار إليه أحد المفاوضين الفلسطينيين في السابق أن الشارع الفلسطيني والعربي لا يدعم أو يقف وراء المفاوض الفلسطيني, والأخير كان يعلم ذلك, وهذا الحديث كان قبل أن تتحول الساحة الفلسطينية إلى ساحة شهداء , فكيف اليوم وفلسطين تقدم المزيد من شهدائها وتضحياتها من اجل التراب الفلسطيني. أن الشارع الفلسطيني لن يرضى أو يوافق إذا ما تنازل مفاوضه عن أي حق فلسطيني, بمعنى إذا كان في السابق الضغط على المفاوض الفلسطيني من قبل الشارع العربي والدولي دون الرأي العام الفلسطيني, فانه اليوم من قبل الشارع الفلسطيني من الداخل. ومن هنا اعتقد انه ليس المطلوب تغيير مرجعية المفاوض الفلسطيني فقط, بل المطلوب تغيير المفاوض نفسه, لان ممارساته وأدائه ليس بمستوى النضال الفلسطيني. خصوصا وان الإسرائيليين بدأوا في الفترة الحالية يحسون بأنهم يدفعون فاتورة الانتفاضة, وليس الفلسطينيين وحدهم من يدفعها. وهذه ما يؤكده عجز الميزان التجاري الإسرائيلي الذي سجل أكبر ارتفاع له خلال اكتوبر وقد بلغ 486 مليون دولار, ويعد هذا الرقم مرتفعا . وتصف الإحصاءات المنشورة أن حجم الواردات بلغ في شهر أكتوبر 07.3 مليارات دولار في مقابل حجم صادرات بلغ 28.2 مليار دولار, أي أن هناك عجزا تجاريا يبلغ 790 مليون دولار . بل اكثر من ذلك فان الإسرائيليين بدأوا يشعرون أن آثار الانتفاضة على معدلات العجز التجاري ستظهر بوضوح أكبر خلال الشهور المقبلة وليس الآن . والجميع يدرك وأولهم الإسرائيليون أنفسهم أن قطع العلاقات الاقتصادية بين الكيان الصهيوني ومناطق السلطة الفلسطينية أمرا يهدد إسرائيل نفسها وهذه إحد أهم إنجازات الانتفاضة حتى الآن حيث أن العديد من الشركات الصناعية الإسرائيلية مهددة بالإغلاق وإعلان إفلاسها لا سيما الشركات العاملة في مجال الإلكترونيات . ولا يخفي المسئولون الاسرائيلون أنفسهم مثل هذا الأمر حيث يقولون أن قطع العلاقات الاقتصادية بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية أمر لا يمكن تحمله, وينظرون إلى أن تعزيز التعاون الاقتصادي مع السلطة الفلسطينية وغيرها من دول المنطقة يمكن أن يسهم في وقف المواجهات التي اندلعت في الآونة الأخيرة على حد ما يقولون . ومن هنا نفهم دعواتهم للمضي في إقامة وتوسيع المناطق الصناعية في الوسط العربي واستيعاب الشباب العرب . أن استمرار المواجهات كفيلة بان تلحق ضررا بالغا بالاقتصاد الإسرائيلي, حتى قطاع الزراعة لدى الكيان الصهيوني لم ينج من الضرر البالغ حيث لم يتمكن المزارعون هناك من استغلال حصص المياه المقلصة التي خصصت لهم . أقول ذلك مع علمي أن الشعب الفلسطيني قد دفع حصة كبيرة من تلك الفاتورة ولكن المطمئن هنا أنا الإسرائيليين لا يستطيعون الصمود أمام خسائرهم تلك رغم انه وخلال شهر من اندلاع انتفاضة الأقصى كانت الخسائر الفلسطينية أكثر من مئتي شهيد وسبعة آلاف جريح, الكثير منهم سيصبح معاقا إلى الأبد, بالإضافة إلى خسارة مالية بلغت 925 مليون دولار + 500 مليون دولار بسبب الحصار الإسرائيلي الخانق, ومنع العمال الفلسطينيين عن أعمالهم . مصير الانتفاضة * (البيان): ما هو مصير الانتفاضة وهل ستكون كسابقتها, بمعنى أن يتم الموافقة فلسطينيا على وعود أمريكية أو إسرائيلية لوقف أعمالها, وفي المقابل ما هو الأسلوب الذي على قيادة الانتفاضة القيام به من اجل إستمراريتها وصولا إلى وضع عربة (الحل) على سكتها؟ ـ د. احمد نوفل: أنا ارفض فكرة ضرورة العودة إلى ما كان عليه الأمر في السابق إذا كان المقصود بالسؤال هكذا, وللحقيقة من الاستحالة العودة إلى الماضي بكل تفاصيله بل أنني أدعو الفلسطينيين إلى تغيير المفاوضين أنفسهم. وهناك قضية أخرى مهمة واعتبرها مركزا رئيسيا في الصراع وهي قضية اللاجئين الفلسطينيين التي غيبت مع الأسف خلال العشر سنوات الماضية وأصبحت وكأنها قضية ثانوية في الصراع العربي الإسرائيلي وان قيام الدولة الفلسطينية هي الأساس وانسحابها من الأراضي هي كل شيء. بينما أثبتت انتفاضة الأقصى الأخيرة أن معظم الشهداء والذين يتحركون وهم كما يقال محرك الانتفاضة هم في معظمهم من المخيمات الفلسطينية في الداخل الذين وجدوا أن القيادة الفلسطينية والحل المفروض على القيادة الفلسطينية بعيد كل البعد عن قضية تحقيق أي مكسب لقضية حق العودة حسب قرار .194 وما دامت قضية اللاجئين لم تحل وإذا كانت المفاوضات لم تأخذ قضية اللاجئين بعين الاعتبار كقضية أساسية في الصراع العربي الإسرائيلي فسوف تستمر الانتفاضة إلى أن يتحقق حق العودة. من جانب آخر اعتقد إن الانتفاضة الحالية ستأخذ مسارا عسكريا لمواجهة قوات الاحتلال الصهيوني, ومن الممكن أن تتطور الانتفاضة إلى أعمال عسكرية نوعية, فإسرائيل بدأت تمارس أعمالا إرهابية نوعية ضد الشعب الفلسطيني, ولا بد أن يقوم المناضل الفلسطيني بالتعامل مع هذه الأعمال بفاعلية, وغني عن القول أن من حق شعبنا الفلسطيني استخدام شتى الوسائل القتالية المتاحة للرد على العنف الإسرائيلي لان هناك عدوانا شاملا على الشعب الفلسطيني من قبل إسرائيل, ومن حق هذا الشعب أن يدافع عن نفسه بغض النظر عن الطريقة التي يتبعها لتحقيق ذلك. ومن هنا تأتي المطالبة بالدعم العربي والإسلامي للشعب الفلسطيني عسكريا وماليا. وأشير هنا أن من اخطر ما يجري على الساحة الفلسطينية هو الحصار الاقتصادي المفروض من قبل العدو, كل ما أخشاه الالتفاف على الانتفاضة من الولايات المتحدة الأمريكية لإجهاضها وتفريغ محتواها كما حصل في الانتفاضة الأولى رغم كونها حققت الكثير من النتائج والإنجازات ولكن لولا الالتفاف عليها لحققت ما لم تستطع الدول العربية مجتمعة تحقيقه. ومن هنا فان على الدول العربية سواء حكومات أو شعوبا التدخل من اجل ضمان استمرار الانتفاضة. و يمكن الإشارة إلى المظاهرات العربية والإسلامية التي حدثت تضامنا مع الشعب الفلسطيني على الأخص أن هناك بعض الدول لم تكن شهدت مظاهرات من قبل , إلا أن الأمر الخطير يكمن في ما نتج بعدها على اعتبار أن هذه الهبة العربية لتأييد الشعب الفلسطيني في انتفاضة توقفت في الفترة الأخيرة وهذا شيء مؤلم , حيث انه من خلال متابعة الأحداث من الداخل بالنسبة لبعض المسئولين في الانتفاضة حيث كان عدد الشهداء الفلسطينيين في بداية الانتفاضة قليل إلى حد ما, في مقابل عنف إسرائيلي قليل بالنسبة لما يجري على الأرض حاليا, إلا أن الهبة العربية الرهيبة تضامنا مع الفلسطينيين, والتي رأينها في السابق غابت الآن, خاصة أن قضية الأقصى هي التي حركت ودعت الى هذه الحركة العربية التضامنية , إلا أن الغريب الآن أن الخسائر الفلسطينية تزداد يوميا والإرهاب الإسرائيلي يزداد والممارسات الإسرائيلية تزداد إرهابا وقوة, ومع ذلك منذ اكثر من شهر لا يوجد تحرك في الشارع العربي, علما انه كان من المفروض أن تستمر هذه الهبة العربية لدعم الفلسطينيين, ووجه الخطورة هنا أن الدول العربية استطاعت بطريقة أو بأخرى القضاء على تحرك الشارع العربي الذي لم يكن يأخذ مواقفه بعيدا عن الحكومات العربية بالرغم من القيود التي وضعت لتقييد حركتها , الآن الخطر في أن هذه الهبة انتهت فكأن العرب عملوا الواجب الذي يترتب عليهم وتحركوا مرة واحدة ثم انتهى كل شيء , وكأن الذي يحدث داخل الأراضي الفلسطينية لم يصبح يشد ويؤلم. والغريب هنا أن الأمر لا يتوقف على الشارع العربي بل أن عرب الـ 48 في الداخل أيضا الذين قاموا بمظاهرات كبيرة لدعم الانتفاضة, وسقط العديد منهم شهداء وجرحى, حيث هز هذا الأمر الكيان الصهيوني بأسره, في ذلك الوقت, إلا أن إسرائيل استطاعت أن تحجم هذه التظاهرات وتقضي على الثورات داخل الخط الأخضر, وعدنا اليوم إلى ما كان في السابق حيث المواجه بين الفلسطينيين في الداخل والإسرائيليين, وهذه القضية خطيرة يجب أن تعالج, خاصة وأننا أصبحنا نتابع أخبار الانتفاضة من خلال التلفاز ونلاحظ كيف أصبحت تأخذ الخبر رقم اثنين أو ثلاثة في بعض الأحيان, في مقابل إنها كانت تتصدر الأخبار ولساعات يوميا في السابق. فهل يمكن القول أن الضغوطات الأمريكية على المنطقة العربية هي التي فرضت ذلك, وهل هذه الضغوطات اكبر من الضغوطات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني, أنا لا اقصد هنا الحكومات العربية بل الشارع نفسه, اعتقد أن هناك خللا ما فيما يتعلق بالمنظمات العربية والأحزاب المعارضة التي كانت شعارها تأييد الانتفاضة, فلماذا هذا الحاجز بين ما يدور في الشارع الفلسطيني وبين ما يحدث في الشارع العربي . التراجع في الشارع العربي * (البيان): د. سعيد بصفتك رئيسا للدورة الحالية للجنة التنسيق العليا لأحزاب المعارضة الأردنية هل توافق على ما قاله د. نوفل وإذا كان كذلك, هل هو بالفعل جراء ضغط الحكومات والسلطات المعنية على الشارع العربي أم ترجع الأمور لأسباب أخرى؟ ــ د. سعيد ذياب: هناك من لا يريد للشعوب العربية أن تبادر بالعمل والتضامن الفاعل مع الشعب الفلسطيني الباسل وانتفاضته المباركة, ويعملون هؤلاء على كل ما يمكن حتى يبقى الشارع العربي نائما. أن الشارع العربي مغيب عن العمل السياسي, والكثير لا يرغبون بمشاركة الشارع العربي بالسياسة ولا يسمح بها , من مثل تزوير الانتخابات وعدم إيصال الجماهير إلى سلطة القرار , كل هذه الأمور توضح ما نراه من هدوء في الشارع العربي , حيث أن الشارع العربي بالرغم من قوته وإيمانه بحقه وقضيته, إلا انه لا يستطيع أن يقف أمام القمع الممارس عليه, ومن الأمثلة على ذلك انه عند حدوث اعتصامات يتم اعتقال العديد من الأشخاص ولا يتم الإفراج عنهم إلا بعد التحقيق الكامل والتعهد بعدم المشاركة بعد ذلك بأي مشاغبات, إضافة إلى الحكم بالسجن في بعض الأحيان , خاصة مع غياب القيادة الجماهيرية مثل التي كانت في الخمسينيات من خلال الأحزاب التي قامت الحكومات بتفتيتها والقضاء عليها . ــ د. احمد نوفل: فليسمح لي الدكتور أن أقاطعه واسأل, هل تريد من الأنظمة العربية أن تبحث لشعوبها عن قيادات جماهيرية, يادكتور القيادة الجماهيرية الشعبية تفرض نفسها بالقوة, ولم يسجل التاريخ أبدا أن سعت أي حكومة مهما كانت عادلة عن البحث عن قيادة جماهيرية للشعب, وليسمح لي الدكتور كونه حزبي أن أقول أن هناك خللا واضحا من قبل التنظيمات العربية والأحزاب التي لم تعد أحزابا جماهيرية, حيث إن الأنظمة العربية ليس من مصلحتها أن تقوم الأحزاب العربية أو أن تكون أحزابا جماهيرية, لان هذا مسئولية الأحزاب العربية. إن على الأحزاب العربية مسئولية كبيرة, وهذه المسئولية موجودة حاليا, فهناك قضية أساسية ومركزية, فماذا فعلت الأحزاب العربية في الشهرين الماضيين فيما يتعلق بالانتفاضة الفلسطينية ودعمها, سوى جمع التبرعات من هنا وهناك حيث كانت في البداية المظاهرات وأشكال الدعم المختلفة للفلسطينيين, ومن ثم رأينا جميعا أن الشعوب العربية وبالإضافة إلى احزابها وحكوماتها جلست معتبرة إنها قدمت اللازم منها تجاه القضية الفلسطينية أو تجاه انتفاضة الأقصى. الحكومات والاحزاب *(البيان): هناك تناقض كبير بين الأنظمة العربية والأحزاب السياسية العربية وانتم تعرفون هذا الأمر فماذا تتوقعون؟. ــ د.سعيد ذياب: هناك عوامل عديدة ساهمت في تهدئة الشارع العربي, ولم تكن الأحزاب والقوى العربية هي السبب في ذلك, وقد اشتركت في ذلك قوى دولية وقيادات محلية وعربية, وبالرغم من هذا اعتقد أن الشارع ما زال يمتلك القدرة على الحركة, وليس بالضرورة أن يسير بمنحى صاعد بشكل مستمر, وبتفاعل جدلي ما بين حركة الشارع وبين استمرارية الانتفاضة بحيث يكون كل منهما عاملا مساعدا للآخر . إن الكل يتحدث عن الوعي العربي في الخمسينيات, أنا اعتقد أن الوعي العربي في الوقت الراهن اكثر عمقا في قضاياه القومية اكثر من فترة الخمسينيات, حيث كان الشعار في الخمسينيات إلى حد ما يسيطر عليه الطابع العاطفي لمفهوم الوحدة, أما الآن فالإدراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي اكبر. ويعرف الجميع على سبيل المثال أن الوحدة العربية لها ضوابط تحكمها موضوعية اصبح يتكلم عنها الجميع بل ويعمل عليها الجميع سواء الحكومات أو الشعوب واحزابها وان بدرجة أعلى من عمل الحكومات. بمعنى انه كثيرا ما كان ينظر إلى حركة مظاهرة هنا وهناك على انه تضامن مع الشعب الفلسطيني, على أنني أرى أن تضامن الشارع العربي هو تضامن مع ذاته على اعتبار ان العرب اصبحوا يدركون أن الخطر الصهيوني لا يهدد ارض فلسطين فقط بل يهدد أمن الدول العربية الأخرى, ومن هنا رأينا بدء نضوح حالة المقاطعة العربية مثلا للبضائع الأمريكية, وفي الشارع الأردني على سبيل المثال عرف الإسرائيلي انه ليس في مأمن أبدا في عمان, وان تجارته كذلك محكوم عليها بالفشل, وحتى الذين نجحت إسرائيل في استقطابهم والعمل معهم في هذا الإطار أدركوا انهم أيضا يسيرون في الخط المغاير للذي تسير عليه الأمة بأسرها. والى حد كبير نجحت الانتفاضة في إقناع العرب مجددا بان الصراع مع الإسرائيليين ليس صراع الفلسطينيين وحدهم وإنما العرب كافة, وعندما يتحدث عمرو موسى وزير الخارجية المصري ان مصر معنية بالقضية الفلسطينية على اعتبار مصر لا تريد بينها وإسرائيل حدودا مشتركة, فهذا الكلام لوزير خارجية مصر نقلة نوعية في طريقة عرض الصراع العربي الإسرائيلي, نحن نتكلم هنا عن رؤية عربية أصبحت تدرك أن صراعها مع المحتل الإسرائيلي يعنيها وطنيا وليس فقط قوميا, وهذا أمر في غاية الأهمية, الامر الذي ينطبق على الأردن وسوريا وعلى كل الأمة العربية. فمثلا عقد مؤخر مؤتمر صحفيا لمقاطعة البضائع الأمريكية على مستوى الوطن العربي , من هنا يمكن القول أن أشكال التضامن مع الانتفاضة ستكون متنوعة مع الانتفاضة , وكل ذلك يعكس حالة الاحتقان الشعبي ضد السياسات الرسمية المرتبطة مع الغرب بعلائق سياسية لا تريد الخروج منها, إضافة إلى أن الوسائل الإعلامية و الفضائيات أثرت على الشارع العربي , إلا أنني اعتقد أن التحرك في الشارع والحكومات العربية إلى حد ما موجود من خلال ترحيل السفراء الإسرائيليين إلى بلادهم وإغلاق أماكن عملها. ــ هاني الدحلة: في البداية أريد أن أؤكد بان الانتفاضة قامت من اجل تغيير ما كان قائما, عبر أوسلو وما تلاها من اتفاقيات, وهذا ما اصبح تؤكد عليه القيادة الفلسطينية أخيرا من خلال تأكيدها استحالة العودة إلى الأسلوب ذاته التي كانت تقوم عليه المفاوضات السابقة, فالانتفاضة بالتأكيد فرضت منذ سقوط أول شهيد مرجعية جديدة على المفاوض الفلسطيني أن يأخذها بعين الاعتبار. أمر آخر غيرته الانتفاضة الحالية وهي أن الإسرائيليين اصبحوا الآن مقتنعين بان الأمور لا يمكن أن تسير على ما كانت عليه المفاوضات في السابق, لقد استطاعت الانتفاضة أن تفرض واقعا فلسطينيا جديدا على الإسرائيليين بحيث نرى أن العديد من المستوطنات الإسرائيلية أصبحت فارغة من سكانها, وهذا أمر ليس سهلا, فالعديد من المستوطنين تركوا مستوطناتهم واتجهوا إلى داخل الخط الاخضر, هروبا من تماسهم مع الفلسطينيين. وهي كما قلت انتفاضة للدفاع عن ثوابت الشعب الفلسطيني وعلى هذه الانتفاضة أن تستمر حتى تحقق للشعب الفلسطيني جميع حقوقه المشروعة من تحقيق المصير إلى السيادة . وجميع هذه الأمور يجب أن تكون منظورة في ذهن القيادة الفلسطينية وان أي انحراف من القيادة الفلسطينية عن الأهداف التي حددتها الانتفاضة في جميع فصائلها سيؤدي إلى عكس ما أرادت الانتفاضة. وبما إنها عمل شعبي ثوري وليس عملا سياسيا راهنا, أو أن يكون المقصود منها العودة إلى طاولة المفاوضات, فأي نظرة للانتفاضة باعتبارها جسرا للعودة إلى طاولة المفوضات ستكون هذه النظرة خيانة لدم الشهداء فيها. ــ سعيد ذياب: اسمح لي أن انهي بأننا كنا نسمع من البعض وهم يقولون أين البديل عن ما يجري من مفاوضات, وقد جاءت الانتفاضة لتقول أن البديل موجود وهو قرار الشعب بان يأخذ حقه دون النظر إلى الشروط الإسرائيلية والمفهوم الإسرائيلي المرتكز على استراتيجية الأمن الإسرائيلي.