بيان الاربعاء : بانهيار نظام الرئيس اليوغسلافي المخلوع سلوبودان ميلوسيفيتش اوائل اكتوبر الماضي وتولي فويسلاف كوستونيتشا الحكم في التاسع من الشهر نفسه تكون يوغسلافيا الثالثة قد لحقت بسابقتها: الاولى التي تأسست عام 1918 بقيام امبراطورية يوغسلافيا من صربيا التي كانت قد ضمت اليها كوسوفو في 1912 وكرواتيا وسلوفينيا والتي انهارت على يد الجيش الالماني بقيادة هتلر في 1941 قبل ان يعاود الجنرال تيتو في 1945 تأسيس يوغسلافيا الثانية التي استمرت حتى وفاته في 1980. وفي 1992 اسس ميلوسيفيتش يوغسلافيا الفيدرالية من صربيا والجبل الاسود على مبدأ القومية الصربية الفاشية, ونجح في فرض قبضته القوية على البلاد لنحو عقد من الزمان شهدت فيه الوانا من الاستبداد والفساد قبل ان تنجح الجماهير الغاضبة في الاطاحة بالديكتاتور وتولية زعيم المعارضة الذي حظي به عن 18 حزبا فضلا عن دعم القوى الغربية وفي الصدارة منها الولايات المتحدة التي اعتبرت استمرار بقاء دولة اوروبية ترفع لواء الاشتراكية بعد انهيار النظم الاشتراكية في اوروبا الشرقية بمثابة تحد للنظام العالمي الجديد يتعين مواجهته واعلنت القوى الغربية دعمها للمعارضة اليوغسلافية علنا رغم ان كوستونيتشا اظهر عداوة لعدد من دول حلف شمال الاطلسي خاصة الولايات المتحدة بعد قصف الحلف ليوغسلافيا العام الماضي بسبب الصراع في كوسوفو. ورغم ادراك الغرب انهم ربما لن يجدوا في كوستونيتشا شريكا مطبعا على طول الخط, الا انهم يدركون ايضا انه لم يكن يوما عضوا في الحزب الشيوعي, كما انه ذو توجه قومي يمكن التعامل معه, كما انه اعلن التزامه بالديمقراطية وحقوق الانسان ومن المستبعد ان يلجأ لاستخدام الطرق التي استخدمها ميلوسيفيتش في التحريض لاثارة الاضطرابات في الدول المجاورة. عضوية الامم المتحدة ومن هذا المنطلق سارعت القوى الغربية الى احتضان النظام الجديد وبذل الجهود لاعادة يوغسلافيا الى حظيرة المجتمع الدولي مرة اخرى, ففي اول نوفمبر من هذا العام وافقت الجمعية العامة للامم المتحدة على الاقتراح الذي قدمه الاتحاد الاوروبي بقبول عضوية يوغسلافيا الجديدة التي تتكون من صربيا والجبل الاسود باعتبارها دولة جديدة. وكانت المنظمة الدولية اعلنت في 1992 ان مقعد يوغسلافيا اصبح شاغرا بعد ان حاولت بلجراد ان تحول بالقوة دون استقلال الجمهوريات الاعضاء في جمهورية يوغسلافيا الائتلافية الاشتراكية السابقة. ثم اعلنت الولايات في الشهر ذاته اعادة علاقاتها الدبلوماسية مع جمهورية يوغسلافيا الاتحادية وكانت العلاقات بين الدولتين قد قطعت مع بداية الغارات الجوية لحلف شمال الاطلسي على صربيا وكوسوفو في مارس 1999. وكان وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين اول مسئول غربي كبير من اول الاعضاء في حلف الناتو يزور يوغسلافيا عقب تنحية ميلوسيفيتش وتولي كوستونيتشا, وخلال هذه الزيارة اعلن عن بدء ضخ المعونات الاوروبية ليوغسلافيا بهدف اصلاح الدمار الناجم عن عمليات القصف التي تولاها حلف الناتو قبل اكثر من عام, وقال فيدرين ان الاولوية ستمنح لاعادة بناء البنية التحتية واصلاح الجسور التي تهدمت على نهر الدانوب وتنظيف النهر نفسه لاعادة تأهيله للملاحة مرة اخرى. اكبر مبلغ وكانت مفوضية الاتحاد الاوروبي قد اقترحت في بداية العام الحالي تخصيص 3.2 مليار يورو في صورة معونات ليوغسلافيا على مدى السنوات الست المقبلة في حالة الاطاحة بميلوسيفيتش وفي نوفمبر الفائت اعلنت المفوضية العليا للاجئين التابعة للامم المتحدة انها طلبت من الدول المانحة 8.71 مليون دولار (2.68 مليون يورو) لتمويل انشطتها الانسانية خلال العام الحالي في مناطق يوغسلافيا السابقة باستثناء كوسوفو, وفي مؤتمر صحفي قالت ماكي شينوهارا ان هذا المبلغ يعد اكبر مبلغ تطلبه المفوضية لتغطية احتياجات هذه المنطقة واشارت شينوهارا الى ان المفوضية طلبت ايضا 3.15 مليون دولار (8.47 مليون يورو) لاقيلم كوسوفو الذي يظل رسميا جزءا من يوغسلافيا ولكنه يشهد انشطة منفصلة عن باقي مناطق البلاد. واوضحت المفوضية العليا للاجئين ان صربيا والجبل الاسود تأويان 240 الف من اللاجئين الصرب من البانيا فضلا عن 500 الف لاجىء صربي من البوسنة وكرواتيا. وفي خضم السعادة الغامرة التي رافقت سقوط سلوبودان ميلوسيفيتش وعودة صربيا الى المجتمع الدولي التقى مسئولون من الدول الغربية وبلجراد في الثاني عشر من ديسمبر الحالي في بروكسل خلال مؤتمر خاص للدول المانحة نظمه البنك الدولي والمفوضية الاوروبية للتركيز على اولويات المساندة والاستثمار في يوغسلافيا. اقتصاد الخمسينيات ويرى العديد من المحللين ان الاقتصاد اليوغسلافي تراجع الى مستوياته الفقيرة في الخمسينيات فيما عزوه الى سلسلة من العوامل من ضمنها الاهمال والفساد والعقوبات الدولية وحملة حلف شمال الاطلسي العسكرية في العام الماضي, وتشير التقديرات الى هبوط الانتاج الصناعي بنسبة 0_% خلال السنوات العشر الماضية وارتفاع معدل البطالة بنسبة 50% خلال نفس الفترة, فضلا عن تردي الخدمات الاساسية كالتعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية للنقل وشبكة الطرق والمواصلات. كما تشير العديد من التقديرات الاولية الى ان اقتصاد البلاد سيحتاج الى فترة مابين 30 و 40 عاما للاصلاح وفي اطار الجهود اليوغسلافية لتنشيط اقتصادها ودفعه للانتعاش عمدت بلجراد الى تطبيع علاقاتها مع المجتمع الدولي فالى جانب اعادة علاقاتها مع كل من بريطانيا وفرنسا والمانيا والولايات المتحدة فان لدى يوغسلافيا حاليا علاقات رسمية متبادلة مع كافة الجمهوريات التي كانت تابعة لها في السابق فضلا عن اعادة قبول عضويتها في الامم المتحدة وانضمامها الى المجلس الاوروبي ومنظمة الامن والاقتصاد في اوروبا, كما اعرب الرئيس اليوغسلافي الجديد فويسلاف كوستونيتشا عن امله في انضمام بلاده الى عضوية الاتحاد الاوروبي مستقبلا. كما تأمل يوغسلافيا الانضمام إلى صندوق النقد الدولي في غضون الشهور القليلة المقبلة, وهو أمر حيوي لتأمين التمويل ليس من تلك المنظمة وحسب, بل من البنوك التجارية أيضا التي ترى أن العضوية في صندوق النقد الدولي هي الخطوة الأولى نحو التأهل للحصول على قروض مالية. وتأمل يوغسلافيا أيضاً الانضمام إلى البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية, مقره في لندن قد أنشئ عام 1992 لمساعدة البلدان التي كانت شيوعية في السابق على التحرك نحو اقتصاد السوق, وكذلك الانضمام إلى المصرف الأوروبي للاستثمار. مساعدات جماعية ومنفردة وتصدر الاتحاد الاوروبي الجهود الدولية لمساعدة يوغسلافيا في الخروج من ازمتها الاقتصادية, وسمح منذ بداية ديسمبر الحالي للشركات اليوغسلافية بتصدير 95% من منتجاتها الصناعية والزراعية دون رسوم جمركية بينما تعهد الاتحاد بمنح يوغسلافيا اكثر من 200 مليون دولار ضمن حزمة مساعدات غربية لدول البلقان تبلغ قيمتها 705 ملايين دولار لعام 2001. وتقدم دول الاتحاد الاوروبي مساعداتها على نحو منفرد ايضا فعلى سبيل المثال تحركت السويد لتلبية حاجات البلاد من الطاقة وتعهدت بتقديم نحو 180 مليون دولار لتوليد الطاقة كما شكلت بريطانيا وهي الشريك التجاري الرئيسي ليوغسلافيا فريق عمل من الشركات البريطانية لمساعدة بلجراد خلال هذا الشتاء وما يليه ويتركز عمل هذا الفريق على قطاع الطاقة ايضا, حيث تحتاج صربيا مثلا الى 3000 ميجاواط جديدة من الطاقة الكهربائية بينما تحتاج مولداتها الحالية التي تبلغ طاقتها 3000 ميجاواط الى اصلاح شامل. مساعدات ملحة وفي الخامس من ديسمبر الحالي اصدر مكتب الامم المتحدة لتنسيق المساعدات الانسانية في بلجراد تقريرا عن المساعدات العاجلة المطلوبة خلال الشهور الستة المقبلة لجمهورية يوغسلافيا الفيدرالية باستثناء كوسوفو اكد فيه ان قطاع الكهرباء في صربيا يلبي نحو 75% فحسب من الاحتياجات المحلية الاساسية من الطاقة الكهربائية واشار التقرير الى ان هذا القطاع يواجه تدهورا سريعا بسبب الاستثمارات وسوء الادارة, واشار التقرير الى ضرورة تغطية النقص في احتياجات البلاد عن طريق الاستيراد. واشار التقرير الى ان الحصول على القدر الكافي من المواد الغذائية يمثل مشكلة بالنسبة الى قطاع كبير من السكان خاصة بالنسبة للمجتمعات الاكثر فقرا والتي يبلغ تعدادها نحو مليون شخص مابين اللاجئين والمشردين فضلا عمن يتقاضون اعانات اجتماعية واوضح التقرير ضرورية تدبير كميات اضافية من المواد الغذائية لتحقيق استقرار الاسعار . كما ذكر التقرير ان التدهور الحالي في القطاع الزراعي اسفر عن انخفاض ملموس في حجم الانتاج وامكانيات التصدير ما يتطلب تقديم المساعدات العاجلة لتدبير احتياجات القطاع الزراعي لمساعدة البلاد على العودة الى تحقيق الاكتفاء الذاتي في انتاج القمح والمنتجات الضرورية الاخرى وتشير التقديرات الى ان البلاد تحتاج الى نحو 33 مليون دولار لتمويل قطاع المنتجات الغذائية والزراعية خلال الشهور الستة المقبلة بالاضافة الى التعهدات التي فرضتها الدول الغربية بالفعل. كما توضح التقديرات تراجع الاستثمارات في قطاع الرعاية الصحية من 200 دولار للفرد في 1990 الى 35 دولارا حاليا كما يعاني صندوق التأمين الصحي من الافلاس وتقارب ديونه نحو مئة مليون دولار معظمها لقطاع الادوية واكد التقرير على ان بلجراد تحتاج الى مساعدات لقطاع الصحة تبلغ نحو 63 مليون دولار. وفي قطاع التعليم تطرق التقرير الى ضعف تمويل القطاع وسوء الصيانة التي تعانيها المرافق التعليمية وضعف اجور المعلمين وتخلف المناهج والمقررات التعليمية وقدر التقرير احتياجات القطاع خلال الشهور الستة المقبلة بنحو 35 مليون دولار تقريبا. واكد التقرير على ضعف برامج المعونات الاجتماعية التي تهدف لمساعدة الجماعات الاضعف في المجتمع (الفقراء وكبار السن والمعاقون والاطفال ذوو الاحتياجات الخاصة) فضلا عن رعاية الطفولة واعانات المتقاعدين مشيرا الى ان اعداد المحتاجين لهذه المساعدات بالفعل تزيد على عشرة امثال المدرجين بالفعل في قوائم الاعانات, واوضح ان المستحقات المتأخرة لاصحاب المعاشات تبلغ نحو 190 مليون دولار. غير ان القوى الغربية مازالت تنتظر من المعارضة الديمقراطية لصربيا بعد فوزها الساحق بالانتخابات الاخيرة الغوص بصورة اعمق في مهمة تطهير البلاد من ميراث الاستبداد والفساد الذي خلفه حكم ميلوسيفيتش , وعدم الاكتفاء بمجرد ازاحة مسئولي العهد السابق من مناصبهم, لان ازاحة كبار المسئولين لن يمحو الفساد العميق الجذور كما لن يغير من اوضاع الآلاف من رجال الاعمال الذين حققوا ثروات طائلة وقفزوا الى السطح ابان العقد الذي حكم فيه ميلوسيفيتش البلاد. ورغم توقع الاسراع بخطى العملية الديمقراطية في العهد الجديد, الا ان التغيير كما هو معروف لا يتم بين عشية وضحاها وربما يستغرق اصلاح ما خربه ميلوسيفيتش وقتا طويلا والمعروف ان الرئيس الجديد كوستونيتشا يدرس قانونا بمنح العفو عن السجناء السياسيين الذين اعتقلوا في عهد سابقه. ومن ناحية اخرى, فليس من المتوقع ان يكون تعامل الغرب مع الرئيس الجديد بالامر السهل وعلى سبيل المثال بيما يطالب المسئولون الاوروبيون باحالة ميلوسيفيتش الى محكمة جرائم الحرب يعارض كوستونيتشا محكمة جرائم الحرب التابعة للامم المتحدة ويعتبرها محكمة ذات دوافع سياسية, كما يتوقع محللون ان يتبنى كوستونيتشا موقعا متشددا ايضا فيما يتعين بالمطالب الصربية في اقليم كوسوفو الذي تطالب الاغلبية الالبانية فيه بالاستقلال. الا ان مايهم الشعب اليوغسلافي الآن هو المساعدات الانسانية خاصة بالنسبة لاهالي المناطق الريفية الذين هم في امس الحاجة للغذاء والطاقة خلال فصل الشتاء البارد وهو ما يتوقعون ان يقدمه لهم المجتمع الدولي وعلى حد قول مايا مازريفيتش تاجيتش التي تنتمي الى المعارضة الديمقراطية الصربية في حديثه لوكالة (وورلد نيوز لينك) بقلم: إكرام يوسف