(لو لم يكن جورج ولكر بوش ابن أبيه لجاء ريجانيا), هذا ما قاله ذات يوم جيم بيكرتون, مستشار جورج بوش الأب. خلال شهر يوليو الماضي, وقبل مؤتمري الحزبين الجمهوري والديمقراطي بفترة وجيزة أبرزت مجلة (جورج) التي أسسها جون كيندي الابن في غلافها عنوانا جاء فيه (من يعيد لنا عزتنا؟), كما اختارت المجلة غلافين يتصدر احدهما الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي وهو يلقي خطابا أثناء احتفال انتخابي خلال عام 1960, ويظهر على الثاني وجها تعلوه الابتسامة كراعي البقر (الكاوبوي) رونالد ريجان, وإذا كان الأول ـ أي كيندي ـ قد أصبح في ذاكرة التاريخ ولم يبق من (أسطورته) سوى (لغز) اغتياله الذي أصبح موضوع أكثر من فيلم سينمائي وكتاب وسوى نصبه التذكاري في واشنطن فإن الثاني ـ أي ريجان ـ لا يزال و جها سياسيا مألوفاً ربما ان قسما من الساسة الأمريكيين وخاصة بين صفوف الجمهوريين يحبون تقمّص شخصيته. عندما ترك رونالد ريجان البيت الأبيض في عام 1989 كانت استطلاعات الرأي العام تدل على ان نسبة 63% من الأمريكيين كانوا راضين عن ادارته, وهذه أعلى نسبة يحصل عليها أي رئيس أمريكي سابق عند نهاية رئاسته منذ روزفلت, الذي توفي عام 1945 أثناء ممارسة مهام منصبه. لقد بقي الممثل الكاليفورني السابق بالنسبة لمجمل الأمريكيين رمزاً على التفاؤل إذ انه عرف كيف يرد لهم عزتهم بعد المعارك الضارية لسنوات الستينيات ـ حرب فيتنام ـ والعار الذي مثلته فضحية (ووتر جيت) والخواء خلال فترتي رئاسة (فورد) و (كارتر) وأهم من هذا كله يتم النظر إلى رونالد ريجان على انه (قاهر الشيوعية). (وبالطبع نسي الأمريكيون بسرعة ان ريجان كان هو المسئول عن زيادة لا سابق لها في العجز بالميزانية, إذ تفاقم هذا العجز من 79 مليار دولار عام 1981 إلى 221 مليار دولار عام 1986, مما ساهم في دفع أمريكا إلى أسوأ انحسار اقتصادي منذ الأزمنة الكبرى لمطلع عند الثلاثينات من هذا القرن. بالنسبة للجمهوريين, ولكن ليست بالنسبة لهم وحدهم, تبدو فترة رئاسة ريجان بمثابة الفترة الذهبية التي لم تجد لها شبيهاً فيما بعدها, إذ أصبح الحزب مثيرا للسخرية بوجود نائب رئيس شبه أمي (كوايل) وبوعود لم يتم الوفاء بها في ميدان خفض الضرائب (بوش) ومع مقدار من الخلل بنيته تحت وقع ضربات اليمين الديني والمحافظين المتشددين, توجت هزيمة الحزب الجمهوري على يد رجل يمثل النقيض تماما للقيم التي كان يدافع عنها, أي بيل كلينتون, ومن الواضح انه لو كان رونالد ريجان لا يزال يمتلك القدرات الجسدية والذهنية المطلوبة, فلا شك ان الحزب كان سيطلب منه ان يجوب البلاد من أجل مساندة مرشحيه. اليد اليمنى المتطرفة مع نهاية رئاسة رونالد ريجان أصبح اليمين الديني يتمتع بدرجة من الاستقلال الذاتي, بعد ان كان ريجان قد عرف كيف يجتذبه عبر اشراكه بحكومته, ومن المعروف انه كان يردد دائماً دعابة حول التحالف الذي توصل إلى اقامته بالقول: (ان يدنا اليمنى لن تعرف دائما ما تفعله يدنا اليمنى المتطرفة), ولكن أيضا عبر شجبه المستمر للشيوعية ما يرضي اليمين الديني. وعندما سقط جدار برلين لم يعد جورج بوش الأب قادراً على استخدام تلك البلاغة القديمة, ولم يكن قريبا من (الأغلبية الأخلاقية) التي كان يفرضها عليه شعار (القيم العائلية في مطلع سنوات التسعينيات, وبعد الهزيمة أمام بيل كلينتون في عام 1992 وجد الجمهوريون انفسهم في حالة من الضياع بعد ان كانوا قد حكموا عشرين سنة من أصل الأربعة وعشرين سنة الماضية. هكذا أصبح (التحالف المسيحي) بقيادة سياسيين دهاة من أمثال (نيوت جينجريتش) هو المحرك الحقيقي للحزب, وفي عام 1994, استطاع هذا الأخير السيطرة على الكونجرس باسم (الثورة الجمهورية) ووعد باجراءات جذرية ـ راديكالية ـ خلال الأيام المئة التالية, مثل خفض الضرائب وتقليص نفقات الميزانية وتحديد مخصصات البطالة والصحة ومكافحة الجريمة واعادة النظر بحق الاجهاض.. إلخ, لكن مرت الأيام المئة ولم يتحقق شيء من هذا وانزلقت (الثورة) إلى حيث لا تدري. وفي مطلع عام 1995, وعبر العرقلة والتشويش على ميزانية الرئيس أرغم النواب الجمهوريون كلينتون على اغلاق الادارات ومؤسسات الحكومة لعدة أيام, لكن أغلبية المواطنين لم يؤيدوا ذلك التصرف, وأعلنوا دعمهم للبيت الأبيض. وفي عام 1996 خسر الجمهوريون الانتخابات, ومع انفجار فضحية كلينتون ـ لوينسكي استخدم الجمهوريون كل ما لديهم من سلطات من أجل اسقاط الرئيس الأمريكي إلى درجة ان الأمر انتهى إلى ان يشبههم أغلبية الأمريكيين الذين لم يكونوا يؤيدون محاولة عزل الرئيس بـ (كلاب مسعورة ترفض أن تترك طريدتها). وفي عام 1997 وجه (جون موران) المسئول المالي السابق في الحزب الجمهوري رسالة إلى المساهمين الماليين الرئيسيين كي يحذرهم من ان (الحزب الجمهوري يواجه خطراً بسبب نفوذ التحالف المسيحي واليمين المتطرف). وأضاف شارحاً: (إذا لم نتوصل إلى اعادة النساء والمعتدلين إلى صفوف الحزب فهذا يعني اننا لن نرى رئيسا جمهوريا قبل فترة طويلة من الزمن). كان ذلك هو الشعور نفسه الذي تحس به أوساط رجال الأعمال وبعض قيادات الحزب في واشنطن الذين بدأوا يحسون بالقلق فضلا عن تنامي دور الجناح المتطرف في الحزب, وفي هذه اللحظة بالتحديد برز وجه جورج ولكر بوش على (شاشة رادار) مؤتمرات الحزب, إذ بعد التحسن القليل أثناء الانتخابات التشريعية لعام 1998, وبعد ان نجح بيل كلينتون في النجاة من العزل لم يعد أمام الحزب الجمهوري كله سوى قاطرة وحيدة تتمثل في الوصول إلى البيت الأبيض بكل الوسائل. وقد كانت مهمة جورج ولكر بوش واضحة تماما وقد حددها أحد مستشاريه, كما نقلت عنه صحيفة (نيويورك تايمز) بالقول: (ينبغي تجميع التحالف الظافر نفسه الذي انشأه رونالد ريجان والذي يضم التحالف المسيحي وأوساط رجال الأعمال والقسم الأكبر من الطبقات الوسطى بما في ذلك ديمقراطيون ومستقلون. رجل الموقف لقد أظهر جورج ولكر بوش بسرعة انه الرجل المطلوب (رجل الموقف) انه يعرف قسما من ممثلي اليمين المسيحي حيث كان قد خدم كوسيط بين هذا اليمين وبين والده أثناء الانتخابات الرئاسية لعام 1988, وقد سمح له هذا بأن يضم إلى فريقه (رالف ريد) المدير السابق لليمين المسيحي, والذي قال ان ما جذبه هو (النموذج الريجاني لاستراتيجية جورج ولكر بوش التي تستهدف الناخبين المحافظين ثم الجمهوريين الأصليين والمستقلين وأخيراً الديمقراطيين المحافظين. أضف إلى هذا ان التحالف المسيحي بدا وكأنه يفقد من قوته خلال السنوات الأخيرة بعد ان أصبح يثير قلقا متناميا لدى الرأي العام بسبب انحرافاته المتطرفة, وقد شرح محللون محافظون نقلت عنهم وكالة رويترز قولهم: لقد أدرك الجمهوريون منذ عام 1994, ومع عدم نجاح اصلاحاتهم في الوقت الذي كانوا يسيطرون على أغلبية الكونجرس أن عليهم العذر بالبيت الأبيض من أجل وضع أفكارهم موضع التنفيذ, وهذا ما لخصه نائب سابق محافظ متطرف عبر المعادلة التالية: (لا يهم كثيرا برنامج بوش, فلنكسب الانتخابات. لقد استفاد جورج بوش كثيرا في منتصف شهر مايو عام 1999 عندما قرر (بوكانان) الالتحاق بحزب الاصلاح بعد ان كان بمثابة رأس الحربة التي يستخدمها التحالف المسيحي داخل الحزب الجمهوري لكن قواعد الحزب الجمهوري ظلت متعلقة بقرارات مؤتمراته ولم تتبعه في مغامرته بل تحولت نحو حاكم تكساس. ان جورج ولكر بوش, وبعد أن سوّى المسائل على يمينه, جهد بعد ذلك كي يعطي ضمانات للتيار المحافظ في حزبه, وفي وقت مبكر من حملته الانتخابية الرئاسية وردًا على سؤال تم توجيهه إليه حول (الفيلسوف السياسي الذي كان له أكبر تأثير عليه, أجاب من دون ان يرف له جفن (انه المسيح), وبالطبع لابد وان تجد مثل هذه الاشارة أصداءها في حملة انتخابية على الطريقة الأمريكية, حيث لكل جملة وزنها وسرعان ما تطرق المرشحون الآخرون إلى أهمية الاعتقاد الديني في حياتهم, بينما ذكر العلمانيون بمسألة فصل الكنيسة عن الدولة وتساءل المتزمتون عن صلاحة مثل هذه الصفة بالنسبة للسيد المسيح, بكل الأحوال حقق جورج ولكر بوش هدفه عبر التأكيد على المرجعية الدينية بالنسبة لشرائح من الناخبين يؤثر بهم هذا الأمر. ومن جهة أخرى لم يتردد جورج ولكر بوش في الذهاب إلى جامعة (بوب جونس) المحافظة المتطرفة أو في ان يساهم بندوة إلى جانب (بوب جرانت) المذيع العنصري المعتاد على كيل الهجوم علانية أمام (الميكرو) ضد السود مثل قوله: (انني لا أحتمل هؤلاء المتوحشين النابحين اينما كانوا, في الكنيسة كنيستهم (...) أو في الشارع وهم بصدد اشعال الحرائق أو السرقة أو السلب). الطريق إلى الوسط عندما ضمن جورج ولكر بوش دعم اليمين المحافظ وحتى من اليمين المتطرف, شرع بالتوجه نحو الوسط, وقد عرّف نفسه بأنه (صنف جمهوري جديد) لا يتردد في ان يمد يده إلى أولئك الذين لم يكن الحزب الجمهوري يأخذهم أبدا في حساباته, مثل النساء والأقليات والعاطلين عن العمل, ان هذا كله يندرج ضمن اطار برنامجه المحافظ ذي النزعة الانسانية, كذلك لم يتردد أيضا طيلة الحملة الانتخابية في اقتراح اجراءات اجتماعية تتضمنها عادة برامج المرشحين الديمقراطيين, لكنه لم ينسب في الوقت نفسه الفشل الذي واجهه مشروع بيل وهيلاري كلينتون عام 1994, عندما حاولا توسيع اطار نظام التأمين الاجتماعي كي يطال شرائح اجتماعية جديدة, وقد علق صحفي في افتتاحية له في (الايكونومست) بالقول: (لقد أعلن جورج ولكر بوش قبل فترة عن عدد من المستودعات السياسية والخطط الخمسية على أساس مفهوم لم يعد يثير حماسة أحد منذ العم جوزيف ستالين. ان بوش الابن انحاز بوعي أو بدون وعي لصالح عدة أفكار يدافع عنها (المجلس الديمقراطي الأعلى) وهو هيئة تضم مجموعة للتأمل والتفكير حول السياسة الاقتصادية القريبة من (اليسار الجديد) أو حول مشروعات القوانين التي يدافع عنها الديمقراطيون في الكونجرس فيما يخص التأمين الصحي وتأمين الشيخوخة واصلاح الضمان الاجتماعي إلخ. ان كل فكرة من الأفكار التي تقدم بها جورج ولكر بوش كانت تتطلب نفقات اضافية وتقديم أرقام دقيقة إلى هذا الحد أو ذاك, وقد صرّح أحد مستشاريه لصحيفة (لوس أنجلوس تايمز) قوله: (اننا مستعدون لتجاوز أحد الحواجز الايديولوجية القائل ان السوق ليس كافيا لحل جميع المشكلات الاجتماعية, لا شك في ان هذا يشكل خطوة عملاقة من قبل حزب لا يهمه سوى (وول ستريت) وتخفيض نفقات الميزانية. لكن (الوعود الانتخابية لا تلزم سوى أولئك الذين يصدقونها) كما يقول (شارك باسكوا) وزير الداخلية الفرنسي الأسبق وبالتالي ينبغي وضع جميع البرامج التي طرحها جورج ولكر بوش أثناء حملته الانتخابية, على محك الواقع لمعرفة عما إذا كانت ستؤدي بالفعل إلى تغيير أم لا بالنسبة للبلاغة الجمهورية القديمة القائلة بـ (ضرائب أقل وبضغط حكومي أقل) لكن يمكن القول ان مصلحة عمل جورج ولكر بوش كحاكم لولاية تكساس لا تسمح بتوقع انه سيكون رجل اصلاحات عميقة, بل انه قد يسعى إلى تجميع أكبر شرائح اجتماعية حوله, وهذا ما نجح فيه اثناء الحملة الانتخابية. ان الاصلاحي الحقيقي يتمثل في (جون ماكين), أكبر خصم له أثناء الانتخابات الأولية للفوز بترشيح الحزب الجمهوري, فمع بقاء ماكيف جمهوريا محافظا بعمق كان قد اقترح تغيير نظام تمويل الأحزاب السياسية حيث لا تساهم فيه المؤسسات والشركات, كما اقترح فرض ضرائب على صناعة التبغ وأيضا زيادة الضرائب من أجل تمويل نظام الضمان الاجتماعي.. إلخ. لقد خسر (جون ماكين) أمام جورج ولكر بوش في الانتخابات الأولية ـ الحزبية ـ وتمت تسمية حاكم تكساس كمرشح للحزب الجمهوري الأمريكي للانتخابات الرئاسية, لقد لاقى ماكين تعاطفا جماهيرياً وإعلاميا كبيراً, لكنه لم يستطع ان يكسب اقتناع حزبه بترشيحه, الأمر الذي نجح فيه جورج ولكر بوش الذي لم يكن يشكل (تهديداً) بالنسبة لأحد وخاصة لممولي الحزب الرئيسيين, بل وحتى ان وجهات نظره الأكثر تقدمية لم تثر أي قلق لدى زملائه الذين كانوا يعرفون بأنها بأفضل الحالات لم يتم تطبيقها وبأسوأ الحالات فلن تثمر أمام الكونجرس ذي الأغلبية المحافظة, وفي المحصلة نجح جورج ولكر بوش عندما أقصى جون ماكين في المحافظة على الحزب الجمهوري من الانفجار, كما انقذ النظام التقليدي المتمثل بوجود ثنائية حزبية, جمهورية وديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية ان هذا النجاح لا يستهان به ولكن هل يكفي كي يجعل منه (صف جمهوري جديد)؟ تشيني على المسرح وفي 25 يوليو 2000 أعلن جورج ولكر بوش اسم من سيشاركه القائمة الجمهورية للانتخابات الرئاسية, ترددت أسماء كثيرة منها الجنرال كولن باول, وجون ماكين وغيرهما, لكنه كان (ديك تشيني) البالغ من العمر 59 عاما, ورئيس ومدير شركة نفطية في تكساس والرئيس السابق لمكتب الرئيس (جيرالد فورد) ووزير الدفاع في ظل إدارة جورج بوش الأب, باختصار بمثابة النموذج المثالي المحافظ للحرس الجمهوري القديم, وهو (ريجاني) صرف صوّت ـ كنائب ـ باستمرار ضد توسيع اطار الغطاء الطبي وضد منح اعانات لمن يفقدون عملهم, وضد منع بيع الأسلحة النارية. وقد لخص (نيوت جينجريتش) زعيم (الثورة المحافظة) لعام 1994 الموقف العام لديك تشيني بالقول: (لقد اقترع ديك تشيني باستمرار على اليمين أكثر مني) انه باختصار لا يتماثل كثيراً أو قليلاً مع مفهوم (النزعة المحافظة ذات الوجه الانساني). ان جورج ولكر بوش أراد ان يضمن أولاً دعم الأكثر محافظة, ثم يقوم فيما بعد بـ (توسيع الدائرة).