الملف السياسي: في مشروعي السينمائي حاولت أن أصنع لنفسي شخصية واضحة وقررت أن أسلك طرقات سينمائية غير مسبوقة أهملها الآخرون ونأووا بأنفسهم عن السير فيها وخوض غمارها. قررت أن ألجأ إلى التوغل في حياة المهمشين فكان فيلمي (ثلاثة على الطريق), وعشقت رواية الأديب البرازيلي جورج أمادو (كنان العوام الذي مات مرتين) فكان فيلمي (البحر بيضحك ليه), وقلت لابد من التعبير عن رفض التطبيع مع إسرائيل فكان فيلمي (إتفرج يا سلام). وقد حرصت عبر فيلمي الأولين (ثلاثة على الطريق) و(البحر بيضحك ليه) ألا تخرج شخصياتي عن صورة الهامشيين والشطار وأهل النهب والعابرين من باعة الأسواق الفقراء وأرباب الملاعيب والأوباش والعياق, وأيضا جماعة الخيالين من مبتدعي الملاهي الشعبية المرتجلة التي تحتل مكانة متميزة في مشاهدتي السينمائية والتي تبرز عشقي وهوسي الشخصي بفنون الفرجة والأداء وفضاءات الموالد الشعبية وجماليات الازدحام والتلاصق ومأثورات عابري السبيل من الرواة الشعبيين الذين يحملون عبر ذاكرتي السحرية كنزا حقيقيا. وأنا أعتبر أن فيلمي (ثلاثة على الطريق) و(البحر بيضحك ليه) يشكلان نموذجا لفن الفرجة وتراث المخايلة وخلال العقد الأخير من القرن المضطرب بأحداثه ولوثة تغيراته الهزلية والمفاجئة وأيضا موضاته الأدبية والسينمائية. ففي فيلم (ثلاثة على الطريق) تعبير عن آليات عمل في علاقتها بواقع ما وبظرف تاريخي معاش قابل للفرجة والتلاعب بمكوناته وعناصره التي تأخذ في الذوبان والإنحلال شيئا فشيئا, مفسحة المجال لعالم الشاشة الذي يصبح أكثر إنسانية وإنسجاما في خليطة الإنسان العجيب.. عن عالم الواقع الذي يلفظ نفسه بنفسه ويشحب وجوده الإنساني, لم ألجأ في أول أفلامي إلى الحديث عن ماض - بعيد وقريب- وثرثرات الحنين هناك, لكني قررت الوقوف هنا والآن: أن أتحدث عن واقع معاش في زمن إنتاج الفيلم (1993) ومن هنا تكمن صعوبة فيلم (ثلاثة على الطريق) من حيث أن نص الواقع نفسه لم يكتمل بعد, فنحن وشخصيات الفيلم نحيا في التسعينيات بكل عنفها الضاري وأزماتها الطائفية وأفول الصراع بين اليمين واليسار, وواقع لم ينفض عنه بعد غبار حرب الخليج التي لاتزال صورها تبث من وقت لآخر, وظلال التغيرات العالمية تشارك شخصيات الفيلم رحلتها عبر طريق زراعي يصل الخريطة من أقصاها إلى أقصاها ونرى أحداثها عبر شاشات التلفزيون المنتشرة في مقاهي الطرق السريعة الحرب اللبنانية سقوط جدار برلين- أحداث البوسنة اجتماعات البابا شنودة في نقابة المحامين- عنف الشرطة في مواجهة الأفراد- الحصار المضروب من قبل قوات الأمن المركزي حول قرى الصعيد- بزوغ العنصرية من جديد واستعراضات التمجيد اللاعقلاني- المشروع العالمي الجديد للتفتيت الإنحياز الـ(ما بعد حداثي) المستند إلى تكنولوجيا البث الرقمي وتحويل الإنسان إلى مجرد صورة مؤطرة عبر شاشة الكترونية قابلة للفرجة والاستعادة والاستمتاع بها وقت العطلات الرسمية- المجاعات والمذابح البشرية الجماعية..) وقد إتخذت الرحلة كتيمة رئيسية وعمودا فقريا ينتظم جسد الفيلم عبرها.. إنها الرحلة الطريق (الحياة: الوطن) وطال الفيلم مناحي متعددة من العرض الإنساني وتضافرت خلالها الخيوط من الحكي إلى السرد إلى التضمين (مشاهد السيرك / خيال الظل / مقاطع تسجيلية / نشرات أخبار), والرحلة تستدعي في التو فكرة التلاقي.. الفراق والمصادفة العابرة التي تجمع بشكل قدري أناسا من كل فج عميق: سائق عربة نقل يعمل على خط (الصعيد/ الدلتا) عفوي لا يوفر جهدا ولا حيلة في تغذية حواسه النهمة والاستمتاع بمطالب وملذات الحياة. صبي يهجر بيته فرارا من قسوة زوجة أبيه ليلحق بأمه التي تعمل راقصة في طنطا.. راقصة تعمل في فرقة متجولة تطوف بين الموالد في إقليم الصعيد, يطاردها السائق ثم تنعقد صداقة بينهما فتقرر الرحيل معه. شاب يتهرب من الزواج بفتاة كان قد غرر بها يقابلان السائق على الطريق فيحملهما معه.. مهرب أثار يوصي السائق بتوصيل قطعة آثار مقابل بعض المال.. بائعو مخدرات يلتقي بهم السائق داخل احدى الغرز على الطريق.. (حاوي) يعمل في سيرك شعبي متنقل, يوزع تعليقاته الساخرة وتفشل ألعابه دائما في اقناع جمهور المتفرجين بمهارته كساحر. ابنة حاو يلتقي بها الصبي (خليل) فتنعقد بينهما أواصر الصداقة العابرة يحيطهما خلالها طقس من ظلال سحرية لخيال الظل. شابان أحدهما يساري والآخر يميني يهربان معا, وأحدهما مشدود إلى الآخر بقيد حديدي. خليط غريب من البشر من مختلف الإنتماءات ويقودهم حظهم العاثر إلى الإلتقاء داخل زنزانة أحد أقسام الشرطة, حيث يجلس الشيخ إلى جوار القس والحاوي مع السائق والشيوعي مع المخبر الذي أرشد عنهم جميعا. فعالم (ثلاثة على الطريق) هو ساحة عرض (مولد) يتلاقى فيها مصادفة خليط عجيب دون معرفة سابقة وهم أنفسهم جزء من العرض الارتجالي. وقد حرصت منذ الوهلة الأولى على السعي للأصالة الفنية, وهو ما راعيته في فيلمي الثاني (البحر بيضحك ليه) الذي راعيت فيه العناصر الفنية والشخصيات الدرامية والتعبير عن شغف بعالم فني بعينه. في (البحر بيضحك ليه) هناك تلك اللحظة الحاسمة للاختيار والانحياز والبحر, هجرت المتن إلى الهامش نهائيا, حيث يترك البطل حياته المريحة النظامية إلى رفاق التشرد والتساند الإنساني, حيث يجتمع عالم الشطار والعيارين الذي لا يستمد قيمة من المنظومة التقليدية المحكمة, وإنما تنبع مباشرة من اليومي والحياة الحارة بكل تقلباتها وأهوائها المرتبطة بالحاجة الغريزية المباشرة في الرضوخ التلقائي- دون مناقشة لمتطلبات الفرد (المادية الجنسية), حيث ينضم إلى الحواة والسحرة والمهرجين والمشعوذين وبنات الهوى, حيث يرتبط العرض ببدن العارض ذاته هو الأداة والقيمة في ذات الوقت- فالوجود الإنساني عندي هو سيرك وساحة يتعارك فيها البشر بكرامة, وتتصارع فيها الأفكار والحواس. أما فيلم (إتفرج يا سلام) فقد حاولت فيه أن أفضح فكرة التطبيع مع إسرائيل واكشف عن مدى رفض الشارع المصري لمجرد التعامل مع العدوالصهيوني.. فالمصريون لم ينسوا أبدا الأرض العربية المحتلة والشعب العربي الصامد والمقاوم تحت نيران الغزاة والمغتصبين والدماء العربية المهدرة والمسفوكة كل يوم وكل لحظة بغدر الصهاينة, ولذا فمن المستحيل أن يحدث تطبيع مع هؤلاء الغدارين.. المحتالين والمحتلين, لأن أيا منا لن يتنازل أبدا عن الدماء العربية, وهو ما قررت أن أتناوله وأعبر عنه في (اتفرج يا سلام) من خلال قصة شاب يعيش في حالة ضياع وبطالة مع اثنين من أصدقائة تأثرا بالوضع الاقتصادي المتدهور, لدرجة أن هذا الشاب الذي يعيش في حارة مصرية يفقد حبه لأنه لا يستطيع أن يصنع لنفسه حياة آدمية أو يجهز شقة زوجية, فالحالة عنده جيم كما يقولون باللغة الدارجة, وفي أثناء ذلك يسافر إلى منطقة سياحية بمصر سعيا وراء أي عمل فينقذ بالصدفة سيدة عجوزا ضمن وفد سياحي من الموت ويرفض أن يأخذ منها أي مقابل مادي عن شهامته, وإزاء هذا الموقف تكتب السيدة العجوز في وصيتها نصف ثروتها لهذا الشاب الذي يجد نفسه مليارديرا في غمضة عين, وتفسد سعادته فجأة عندما يعرف أن عليه أن يقتسم الثروة التي هبطت عليه دون مقدمات مع إسرائيل لأن السيدة يهودية أمريكية, ويقع هذا الشاب في حيرة فإما أن يتنازل ويبيع وطنه وأهله ويحصل على الثروة الهائلة أو يختار الوطن والأهل والكرامة ويخسر الثروة. وتأتي لحظة الاختيار الحاسمة فلا يعبأ هذا الشاب بالأموال والملايين فيدوس عليها ويعود مسرعا إلى أهله ليقولها صريحة (لا لكل أموال ملوثة بدمائنا العربية وأهلا بكل ذرة تراب داخل بلدي).