الملف السياسي : منذ مطلع القرن والوحدة العربية هي السؤال الأخطر الذي تطرحه مسيرة الحياة في الأمة كلها. وفي كل قطر على حدة. فالثورة العربية الكبرى لم تكن بعيدة عن محاولات الاجابة عن السؤال, وكفاح المغاربة ضد الفرنسيين والايطاليين في ليبيا جزء أصيل للاجابة الصائبة, الثورة المهدية في السودان, وحركة عرابي في مصر, وكفاح اليمن والجزيرة العربية ضد الأتراك والبريطانيين كلها كانت تصب في اتجاه الوحدة التي لن تتحقق إلا بالسيادة والاستقلال. بعد الثورات القومية في مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن برز خلاف بين الزعيم العربي جمال عبدالناصر وحزب البعث العربي الاشتراكي, فقد رأى ناصر يرحمه الله ان الوحدة العربية هي الهم الاول والأكبر بينما رأى (البعث) ان الحرية والاشتراكية هما الحرف الاول في أبجدية بناء الوحدة, وسفك مداد كثير, وتلال من الورق لدعم هذا الرأي أو ذاك. وكانت تجربة الوحدة المصرية السورية 1959 البداية القومية الأولى للاجابة عن التحدي الكبير. ورغم فشل التجربة إلا ان معانيها ودلالاتها ظلت حية, وقابلة لإعادة التجربة بصيغ مختلفة وفي أزمنة وأماكن اخرى من الأرض العربية. لا شك ان فشل تجربة الوحدة المصرية السورية 1961 أحدث تعديلا عميقا في تفكير ناصر, الا ان حزب البعث العربي الاشتراكي هو الآخر قد تراجع عن التصدي للاجابة القومية عن السؤال الكبير والمؤرق. وبعد عدة محاولات فاشلة شهدتها السبعينيات: مصر وسوريا وليبيا, وليبيا وتونس, الا ان اواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات قد طرحت صيغة أخرى مختلفة عن سابقاتها, وهي تجربة المجالس العربية المتعددة: مجلس التعاون الخليجي, والمغاربي, والعربي. وكان التبرير النظري ان هناك تفاوتاً في المناطق العربية المختلفة وقيام تعاون اقليمي بين هذه المناطق المختلفة والمتباينة سوف يؤدي على المدى البعيد الى خلق ارضية مشتركة منسجمة ومتجانسة لقيام الوحدة العربية. وتكون هذه المجالس الاقليمية نواة للوحدة الكبرى. ولنقف ازاء تجربة مجلس التعاون الخليجي بعد ان تفكك مجلس التعاون العربي بعد حرب الخليج الثانية, وهمود نشاط مجلس التعاون المغاربي نشأ مجلس التعاون الخليجي في الاسبوع الاول من فبراير 1981. أي بعد الثورة الايرانية وفي اتون الحرب العراقية الايرانية التي خلفت عدم استقرار في المنطقة. وبمقدار ما كان التكتل الخليجي ضرورة أملتها المخاطر الجدية المحدقة, فقد مثل خطوة متقدمة في تجميع وحدات صغيرة في تنظيم أكبر لدول متجانسة وتواجه تحديا مشتركاً. لقد لقي قيام المجلس ترحيباً عربياً ودولياً. وبالأخص من قبل جامعة الدول العربية, ومراكز صنع القرار. ورغم تفاوت ردود الفعل حينها فإن الأهم هو اعتبار المجلس (لبنة في الصرح العربي) وانه ليس تحالفا أو محورا موجها لأحد, وانه تنظيم اقليمي يعمل في اطار اهداف جامعة الدول العربية, وقفت امريكا وأوروبا موقف المؤيد لقيام المجلس بينما نظر الاتحاد السوفييتي بعين الريبة والحذر ازاء المجلس الذي قرأ فيه رسالة للرد على وجوده في افغانستان, وتعزيزا للنفوذ الامريكي في الخليج, ومهما تكن ردود الفعل فإن الأهم ان المجلس قد مثل خطوة وحدوية متقدمة, كما عبر عن اهمية التكامل الاقتصادي أو الاندماج الاقتصادي بين مجموعة دول الخليج العربي, فإنشاء سوق خليجية مشتركة وسوق مالية تحقق التكامل الاقتصادي, وبحيث يكون ذلك هدفا أو جزءا لا يتجزأ من التعاون والتكامل الاقتصادي العربي الشامل. ويرى الدكتور محمد الرميحي: ان الاتجاه الغالب بين اقطار الخليج العربي هو الاعلان عن النيات الحسنة والاقتناع بضرورة التعاون والتنسيق وحتى التكامل, الا ان المسافة لا تزال شاسعة بين النيات والاقناع الذاتي من جهة, وبين التطبيق والاخراج الى الحيز العلمي من جهة ثانية. ويؤكد التقرير الاستراتيجي الخليجي للعامين ,1999 2000 ما ذهب اليه الدكتور الرميحي. فالتقرير يرى ان التحول الى كتلة خليجية ظل حلما يراود قطاعات واسعة من النخب الخليجية لكنه لم يتراجع ابدا الى واقع تسعد به الشعوب. كما ان المجلس كمنظمة اقليمية لم يصل الى المستوى المؤسساتي الذي يؤهله لاكتساب الفاعلية اللازمة التي تمكنه من الوصول بالعلاقات بين الدول الاعضاء الى هذا المستوى المأمول من التكتل أو الاندماج أو حتى التكامل الذي كان هدفا اساسيا من اهداف المجلس عند تأسيسه. ويرجع التقرير الاستراتيجي المنوه به اسباب القصور في التجربة الى محاكاة تجربة التكامل الاوروبية التي اخذت بمقولات المدرسة الوظيفية في التكامل, ولا تعطي أولوية للعامل السياسي الذي يوفر الارادة السياسية للتكامل كما يوفر الاطار المؤسسي اللازم للنهوض بأعباء هذه العملية, ويوفر النخب السياسية وجماعة المصالح الضرورية لإنجاز العملية التكاملية. وباستقراء مسيرة المجلس خلال الواحد والعشرين عاما التي مضت فإن تزايد الاهتمام لدى القادة الخليجيين بقضية التكامل والتنسيق وحتى الاندماج تزداد بروزا, فقد انطلقت دعوات لتحويل المجلس الى اتحاد كونفيدرالي. وإن كانت هذه الدعوات لا تمثل الاجماع الخليجي وتلاقي اعتراضات من بعض دول المجلس الا انها ارهاصات, ومؤشر مهم لما يعتمل داخل اعضاء المجلس, وسيكون لها الأثر العميق في مستقبل التعاون. ولا شك ان رياح العولمة التي تهب على اصقاع الارض وتغمر الكون بمنجزاتها التكنولوجية والثقافية والاعلامية تفرض على العرب اعادة النظر في اساليب عملهم وبناء قوتهم القومية ليتمكنوا من التعامل الواعي والمستقل مع الرياح العاتية للعولمة القادمة من الغرب. ولا شك ان الاجابات العربية بعامة والخليجية بخاصة لا تزال دون المستوى المطلوب, أو هي بالأحرى لا تقدم الاجابة الصائبة, فرغم الاحساس النظري عبر البيانات والتصريحات بأهمية التضامن العربي والتكامل الاقتصادي والتقارب السياسي الا ان ما يعتمل في الواقع شيء مختلف تماما. فالاحساس بالحقائق وإدراكها شيء والقدرة على تجسيدها في الواقع العملي شيء مختلف تماماً. وإذا كان التكامل الاقتصادي من خلال خلق سوق واحدة والتسريع بوضع التعرفة الجمركية موضع التنفيذ وحسن التشريعات اللازمة للتكامل لا تزال قيد المراجعة والبحث فإن المجال السياسي قد شهد تقدما ملحوظا منذ البداية. فقد اختارت المجموعة الحياد, والقيام بدور دبلوماسي لاحتواء الحرب, أو على الاقل تجنب نتائجها الكارثية. وعندما تقدمت السعودية بمبادرتها الشهيرة في 1981 والمعروفة بمبادرة فهد لحل النزاع العربي الاسرائيلي تبنى مجلس التعاون المبادرة التي قدمت في قمة فاس بالمغرب في 9 سبتمبر ,1982 وقد اثارت المبادرة جدلاً ساخناً في الصف العربي, ورفضتها اسرائيل التي استمرت في احتلال لبنان, ولعب المجلس دورا محمودا في تنقية الاجواء العربية سواء بين الدول العربية وبين الفلسطينيين, وغالبا بين الدول الاعضاء في المجلس, الامارات والسعودية, والسعودية والكويت, وقطر والسعودية, والبحرين وقطر. وكانت المبادرة الاكثر نجاحا هي الوساطة بين عمان وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية, وهي المبادرة التي انهت عقدين من النزاع المسلح, وتوجت بترسيم الحدود بين اليمن وعمان عام ,1993 أي بعد قيام الجمهورية اليمنية بعامين. لقد تركت حرب الخليج الثانية آثاراً كارثية على المنطقة ما زالت آثارها ماثلة في ظل استنزاف ثروات المنطقة والابقاء على الوجود الامريكي والبريطاني, وابقاء جذوة الصراع مشتعلة لخدمة الوجود الاجنبي. لقد استطاعت القمتان: العربية والاسلامية كسر بعض الحواجز في العلاقة بين العراق والكويت, ولكن حل القضايا العالقة بين البلدين وعدم الاضرار بالبلدين الجارين والشقيقيين لا تزال مهمة راهنة امام دول المجلس والأمة العربية كلها, فقضايا الاسرى بالنسبة للكويتيين, وقضايا العدوان شبه اليومي من الطائرات الامريكية والبريطانية واستمرار الحصار تلحق أكبر الأذى بالاخوة العربية والاسلامية, وبالسلام والاستقرار في المنطقة كلها, كما يوهن التضامن العربي ويعمق الصراعات بين دول الجزيرة والخليج. وواضح حتى الآن, وبعد مرور اكثر من عقدين من الزمان ان جوانب كثيرة تتعلق بالتكامل, والبناء الاقتصادي والعسكري والأمني وحتى الاعلامي والثقافي لا تزال بحاجة لجهود كبيرة. صحيح ان مجلس التعاون الخليجي هو الأوفر حظاً من المجالس العربية الاخرى الا ان العصر بأحداثه ومنجزاته المتسارعة تفرض على دول الخليج فتح النوافذ والأبواب أمام القضايا العربية والاسهام بجدية في تنقية الاجواء العربية داخل المجلس وخارجه وبالأخص فيما يتعلق بالعلاقات الكويتية العراقية. إن مجلس التعاون يعتبر نواة للعمل القومي العربي. ولا شك ان انجاز مهام وبرامج المجلس مرتبطة اشد الارتباط بانفتاح الأفق الديمقراطي والى ابعد مدى. ومشاركة المرأة ــ نصف المجتمع ــ هو الضمان الأكيد لنجاح التجربة الخليجية الرائدة وصولا الى آفاق الحرية والعدل والمساواة والوحدة العربية عبر التطور العام السلمي والديمقراطي. إن مستقبل مجلس التعاون الخليجي مرهون بالاستجابة والانتفاح على حقائق الواقع ومعطيات العصر, ومواجهة التحديات التي تواجه الخليج والأمة العربية كلها.