الملف السياسي : بعيداً عن الإطراء وبعيداً عن التملق وكيل المدائح المدلس بالكلمات المعسولة, لابد لنا من الاعتراف أن مجلس التعاون الخليجي رغم كل المتغيرات والمنعطفات السياسية الكبرى, بقي يحمل بين ظهرانيه الإصرار على الديمومة والاستمرار رغم المنغصات الجانبية التي تظهر بين الفينة والأخرى بين أبناء الصف, أو قل العائلة الواحدة, وهذه الخلافات تبقى محكومة بالسمات الإنسانية بكل تأكيد, لان من لا يعمل لا يخطئ بالأساس. خلافاً للكثير من التجمعات الاقليمية التي لم تعش طويلا لجملة من الاسباب. لكن وبعيداً أيضاً عن الدخول في متاهات الماضي وتقييم التجارب هنا وهناك, يجب الاعتراف أننا بتنا نفتقد إلى ما يسمى بالعمل العربي المشترك, وبقيت تجربة مجلس التعاون الخليجي, هذه التجربة الفريدة والرائدة في عالمنا العربي, إحدى طاقات النور والأمل, التي نتوسم, نحن العرب, بها الكثير من الخير, باعتبارها مثلاً حياً ومعاشاً, وما يزال يحمل روح الديمومة والاستمرار باتجاه الأفضل والأحسن. خاصة وأنه ارتبط هذا المجلس بأواصر من العلاقات الوطيدة, التي افتقرت إليها باقي التجمعات الإقليمية, إذ أضفى عليه تماثل الهياكل السياسية والاقتصادية قدراً من الخصوصية وغلفه بحصانة لا يمكننا تجاهلها, حالت إلى حد كبير دون تفككه أو زعزعة أطره التنظيمية السياسية, رغم كل الأزمات والفواجع, التي حدثت في بداية التسعينيات وما نزال نعيش قسطاً لا يستهان به من فصولها والآثار السلبية التي عكستها على الواقع المعاش, إذا صح التعبير, والتي ما نزال أيضاً نعيش بعض فصولها المؤلمة, في ظل مناخ دولي مليء بالتحديات, التي تفرز الكثير من الصعاب والعوائق الكبيرة, إزاء أية خطوة عملية على الأرض. لكن رغم نجاح هذه التجربة, يجب ألا نستكين أمام تطوير هذه التجربة الرائدة كما أسلفنا القول, وأن قمة البحرين تأتى هذه الأيام في لحظة سياسة حرجة محفوفة بالكثير من المخاطر التي تتهدد العرب بشكل عام, ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص, لما تمثله من أهمية استراتيجية, ليست على المستوى الإقليمي وحسب, بل والدولي, لأنها تمتلك جزءاً كبيراً من مخزونات الطاقة دولياً, والتي لا يمكن للعالم الاستغناء عنها خاصة بعد فشله الذريع في خلق البدائل المجدية.. وهي انطلاقاً من هذه الأهمية التي لا يمكن تجاوزها تعتبر هدفاً إقليمياً ودولياً, وستبقى محط أنظار الطامعين بخيراتها إلى مدى غير منظور, وتضع على كاهل المؤتمرين الجدية في اقتراح الكثير من الخطط والبرامج التي ترفع من سوية أداء دور المجلس على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية, والتنظيمية الإدارية التي بدورها سترفع وتسرع من وتائر تنفيذ المقررات المتخذة, وتحافظ على الصيغ المقررة, باعتبارها الأساس الموضوعي لانجاحها, انطلاقاً من المصلحة العامة التي تعتبر السقف الذي يحكم هذا اللقاء وغيره من اللقاءات المقبلة. بالإضافة إلى أن انعقاد هذه القمة يأتي في ظل نظام عالمي يشهد في هذه الحقبة التاريخية بالذات خطوات, بل وقفزات نوعية عملاقة نحو ترسيخ أسس التلاحم السياسي والتكامل الاقتصادي, إلى جانب غياب أو تلاشى وانزواء الكثير من التكوينات الهزيلة في مواجهة, أو مسايرة التكتلات العملاقة التي بدأت تنشأ هذه الأيام, انطلاقاً من قيم ومفاهيم النظام العالمي الجديد, والذي بدأنا نشهد الكثير من شروط تحققه على الأرض على المستوى العالمي. وهنا تبرز الضرورة الماسة لاتخاذ بعض الخطوات والقرارات الهامة جداً في مؤتمر المنامة, من أجل تفعيل وتطوير أطر المجلس بما يتوافق مع متطلبات العصر والتي تتلخص بما يلي : أولاً :ضرورة الارتقاء بالتعاون الحاصل المرتكز على ميثاق المجلس, إلى صيغة المنظمة الإقليمية التي تعتمد على التنسيق السياسي والاقتصادي والدفاعي, بما يؤمن للدول الست حالة من الأمن والاستقرار الإقليمي, دون أن نقلل من النجاحات الكثيرة والكبيرة, في العديد من مجالات التعاون بشكل تدريجي مرن بعض الشيء. ثانياً :ضرورة خلق حالة من التوازن بين أجهزة مجلس التعاون الخليجي, الثلاث المجلس الأعلى والمجلس الوزاري والأمانة العامة, خاصة إذا ما علمنا أن المجلس الأعلى هو الذي يهيمن عادة على بقية السلطات كما أنه صاحب القرار النهائي في الأمور الحساسة والجوهرية كافة ودون استثناء, وأصبح مطلوباً اليوم خلق حالة من تناغم متوازن بين مجموع هذه الأطر, وأن لا يطغى واحد على الآخر, حتى تتوصل دول المجلس وشعوبه بما تمثله من فعاليات متنوعة إلى تأسيس حالة من التوافق المجتمعي العريض, والذي يصب في خدمة الاستراتيجيات المتوافق عليها ضمن هذا الإطار الإقليمي. ثالثاً :وكما أسلفنا القول لا بد من خلق هوية خاصة ومتوازنة, في ظل هذا التزاحم المحموم على المستوى الدولي, تعكس مصالح جميع دول المجلس بلا استثناء, وهذا يتأمن في خلق حلقة وصل ما بين الخاص والعام والمفهوم الوظيفي, للأدوار الملقاة على عاتق كل عضو من الأعضاء المنضوية في إطار المجلس وبالتساوي والتوازي, بعيداً عن مفهومي الجغرافيا والديموغرافيا, بالاستناد إلى عوامل التماثل الاقتصادي والثقافي التي سمحت وما زالت تتيح قدراً كبيراً من التفهم والتعاون الإيجابي جداً بين دول المجلس. دون أن نغفل ولو للحظة واحدة النجاحات التي حققها المجلس في توظيف جملة من القيم السامية العليا, في عدد لا يستهان به على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وما ترتب عليها من استخدام القائمين على المجلس الخصائص الجامعة بمهارة منقطعة النظير قياساً بالتجارب العربية الأخرى. رابعاً :ضرورة الانتقال وبشكل حثيث إلى توظيف كل الإمكانات المتاحة من أجل الارتقاء بالمجلس إلى المستوى الذي وصلت إليه السوق الأوروبية المشتركة, والتي تعتبر مثلاً وحيداً ناجحاً على المستوى الدولي راهناً, خاصة وأن كل الإمكانات متوفرة, ولا ينقصها إلا الجدية في تنفيذ القرارات التي اتخذت منذ اللحظة الأولى لتشكيل المجلس في 52 مايو 1981وحتى لحظة الإعلان عن قمة المنامة . خامساً: الإبقاء بل ووجوب التفكير المستمر من أجل إنجاز المنظومة الدفاعية الخليجية التي تعتمد تكامل كل من العنصرين البشري والعسكري بعيداً عن الحساسيات المفرطة, التي تؤمن لها الاستقرار بما يتوافق مع المحيط العربي, خاصة وأن دول مجلس التعاون الخليجي باتت مستهدفة من قبل المشاريع الإقليمية, مثل التحالف التركي الإسرائيلي وغيره مما سيستجد على خلفية المشاريع المطروحة, وأنها بنظر هذا التحالف ما تزال دول مجلس التعاون الخليجي, فريسة سهلة المنال. وهذا يتطلب بكل تأكيد, الإسراع في إنجاز المصالحة الخليجية ــ الخليجية, إزاء ترسيم الحدود وبعض المسائل العالقة, والمصالحة بذات المستوى مع دول الجوار العربي والإسلامي بما يضمن الحق الخليجي غير المنقوص, وبما ينزع فتائل الصراع في المنطقة بشكل عام, استناداً إلى أسس سياسية ملزمة للجميع وبدون استثناء وقائمة على الحق والعدل. سادساً: ضرورة العمل الجاد للانتقال من حالة الاستهلاك إلى حالة الإنتاج, أسوة بدول جنوب شرق آسيا, خاصة وأن دول المجلس أصبحت تمتلك بالإضافة إلى رؤوس الأموال المحلية الكثير من الخبرات الخليجية والعربية, وأنها بظل النظام العالمي الجديد أحوج ما تكون إلى سد مثل هذه الثغرات, باعتبار أنها تمتلك سوقا محلية وإقليمية واسعة ونشطة في آن معاً. وهذا يتطلب قوانين عصرية تسمح للقطاعات المشتركة والعامة والخاصة من التحرك في ما بين دول المجلس بكل سهولة ويسر, وبخلق مناخ استثماري يتخطى دول المجلس ذاتها إلى محيطها العربي, والذي سيخرجها بكل تأكيد من حالة الابتزاز التي تمارس من بعض الدول الكبرى والأمثلة أكثر من أن تحصى ولسنا بصدد تعدادها, حتى لا نثير الحساسية لدى البعض الخليجي والعربي على حد سواء. لكن كل هذه النقاط تبقى بكل تأكيد بلا معنى إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ضرورة إلزامية القرارات واحترامها من كل دول المجلس, وأن تكون هذه القرارات الأساس الموضوعي الذي يجب الارتكاز عليها في أية صيغة ثنائية أو ثلاثية أو جماعية, سياسية كانت أم اجتماعية أو اقتصادية, وما قد يقع بين ظهرانيها. مع الإدراك أن عامل الزمن بات ملحاً أكثر من ذي قبل, وأن العالم لا ينتظر أحداً, ولهذا السبب بالذات انطلقنا من الأهمية القصوى لقمة المنامة التي ستجمع تحت سقوف قاعاتها الدول الخليجية الست, وطالبنا بضرورة اتخاذ مواقف واضحة وثابتة تأخذ بالحسبان المصالح البينية بين دول المجلس وتطوير الآليات المتبعة لجهة العلاقات البينية, والتي بكل تأكيد ستنعكس بنتائجها الإيجابية على المحيط العربي بشكل عام, وستؤسس نواة عربية فاعلة تعتبر بكل تأكيد حجر الزاوية في الإطار العربي العام, ومركز استقطاب إقليمي ودولي فاعل على كل الصعد, وبعدها سننطلق إلى مقولة العملاق الاقتصادي وهو الأهم في المرحلة المقبلة. وأخيراً وكما العادة يبرز السؤال الذي لا بد منه, هل وعى مجلس التعاون بدوله المكونة الست, مدى أهميته الكبرى على المستوى الإقليمي والدولي ؟ أم أنه لا يزال يرى في نفسه بعدما يقارب العشرين عاماً بأنه لا يزال مخلوقاً جنينياً بحاجة إلى الرعاية ؟ هذه الأسئلة وغيرها ستجيب عنها هذه المرة قمة البحرين بكل تأكيد لأنها جاءت في ظرف استثنائي يحتاج إلى الإجابة على كل التساؤلات والاحتياجات الملحة ليرتقي إلى مستوى الطموح الخليجي والعربي بكل ما يحمله من متطلبات راهناً ومستقبلاً .