الملف السياسي : يواجه مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ قيامه جملة من التحديات السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية وتتنوع مصادر هذه التحديات ويزداد ضغطها مع تنامي الاهمية الاستراتيجية لمنطقة ، الخليج في سياسات دول المنطقة وتنافس الدول الكبرى على الصعيد العالمي واذا كان تأسيس المجلس مطلع الثمانينيات قد جاء وسط تحد خطير واجهته المنطقة تمثل بحرب الخليج الاولى بين العراق وايران فإنه لم يكن بالحدث الطارئ او الاجراء المؤقت الذي يتم الغاؤه مع تبدل الظروف المحيطة باتخاذه ذلك ان سياق الاحداث فضلاً عن المنطلقات التي اكدها مؤسسو المجلس منذ القمة الاولى التي عقدت في أبوظبي في 25 مايو عام 1981 وصولاً الى تحديات العصر الموسوم بالعولمة كل ذلك يؤكد الحاجة الى تعزيز هذه التجربة والسعي الحثيث لتحقيق الاهداف التي رسمت منذ مرحلة التأسيس ومواجهة التحديات المستجدة والمتوالدة. وتؤكد ادبيات المجلس ولا سيما من خلال البيانات الصادرة عن اجتماعات القمة لقادة دوله الست ان انشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية ليس رهين لعبة التوازن في الحرب الباردة او حرب الخليج انما وليد حاجة وطنية وقومية وتجسيد ادراك دوله لما يربط بينها من علاقات خاصة وسمات مشتركة وانظمة متشابهة اساسها العقيدة الاسلامية وخطوة كبرى في ارساء بناء وحدة الامة العربية الشاملة ودفعة قوية في سعيها لتحقيق اهدافها واسترداد حقوقها المغتصبة ووليد حرص قادة وشعوب المنطقة على التعاون والتنسيق فيما بين دولها للعمل على ابعادها عن الصراعات الدولية والتفرغ لشئون التنمية والتحديث والتطوير وفي مؤتمرهم الثاني في مدينة الرياض (نوفمبر سنة 1981) اكد قادة دول المجلس على ان امن الخليج واستقراره مسئولية دوله واعربوا عن معارضتهم لمحاولات الدول الكبرى التدخل في شئون المنطقة لما يترتب على ذلك من ادخالها في صراع لا يتفق مع مصالح دولها واكدوا على ضرورة ابعاد المنطقة بأكملها عن الصراعات الدولية خاصة تواجد الاساطيل العسكرية والقواعد الاجنبية لما فيه مصلحتها ومصلحة الامن والسلام في العالم كما اكدوا تأييد نضال الشعب الفلسطيني وانشاء دولته المستقلة وانهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية المحتلة والحرص على التضامن العربي وتحقيق وحدة الصف العربي انطلاقاً من المبادئ التي جاءت في النظام الاساسي بأن مجلس التعاون جزء لا يتجزأ من الأمة العربية. وابرم قادة دول المجلس الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي ابرزت في مقدمتها الحرص على توثيق الروابط وتوطيدها بين دول المجلس ونصت على ان حكومات الدول الاعضاء في المجلس تمشياً مع النظام الاساسي الداعي الى تقارب اوثق واقامة روابط اقوى, ورغبة منها في تنمية وتوسيع وتدعيم الروابط الاقتصادية فيما بينها على اسس متينة لما فيه خير شعوبها ومن اجل العمل على تنسيق وتوحيد سياستها الاقتصادية والمالية والنقدية والتشريعات الصناعية والتجارية والنظم الجمركية المطبقة فيها فقد اتفقوا على هذه الاتفاقية الاقتصادية وقد اكد المسئولون في مؤسسات المجلس اولوية السعي الى التقريب الاجتماعي والتعليمي والثقافي بين الدول الاعضاء والتطلع الى قيام اتحاد كونفدرالي بين هذه الدول بدءا بالتكامل الاقتصادي للوصول الى سوق خليجية مشتركة وكانوا يأملون تحقيق هذه الخطوة بحدود العام 1990. واذا كانت المنجزات العملية لم تصل الى مستوى الآمال الا انها تمهد لانطلاقة جديدة ووسط تحديات جديدة ايضاً تراكمت طيلة السنوات العشر الماضية وتجدر الاشارة الى اقرار قمة الرياض السنة الماضية اقامة اتحاد جمركي خليجي اعتباراً من العام 2005 والاتجاه للاسراع بتحقيق التكامل الاقتصادي وصولاً الى السوق الخليجية المشتركة التي تشكل نقلة نوعية تعزز القوة التفاوضية لدول الخليج وعقدت اجتماعات بين المسئولين المعنيين لتفعيل الاتفاقية الاقتصادية ومراجعتها في ضوء المتغيرات الدولية ومواجهة العقبات والضغوط خصوصاً من منظمة التجارة العالمية حسبما بين الامين العام المساعد للشئون الاقتصادية في مجلس التعاون عجلان الكواري الذي اكد على اهمية تكوين كيان اقتصادي خليجي ليستفيد من اتفاقية الجات والتي تعتمد على التعامل مع الكيانات الاقتصادية الموحدة واشار الى ان من الضغوط ايضاً المفاوضات الجارية مع التجمعات الدولية سواء مع الاتحاد الاوروبي او الولايات المتحدة واليابان والصين وغيرها, هذه الضغوط تدعو الى السعي الحثيث لايجاد كيان اقتصادي خليجي يقوم على قاعدة المواطنة الخليجية التي تعني حسب الكواري المساواة في الحقوق والواجبات بين مواطني دول المجلس كافة العاملين في القطاع العام والخاص وفقا لضوابط بهذا الشأن وافق عليها المجلس الأعلى. ومفهوم المواطنة الاقتصادية تعني اكتساب المواطن الخليجي في حال عمله وانتقاله لدولة خليجية اخرى على نفس الامتيازات والمعاملة التي يحصل عليها مواطنو الدولة المضيفة له دون تمييز. وتواجه دول مجلس التعاون الخليجي ما تواجهه البلدان النامية من ضغوط تمارسها الدول المتقدمة للحيلولة دون اكتساب الدول النامية قدرات تفاوضية وتنافسية قد تؤثر على اقتصادات الدول المتقدمة ولا سيما الغربية وهيمنتها على الاقتصاد العالمي وتستخدم البلدان الصناعية المتقدمة بقيادة الولايات المتحدة مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان سلاحاً لاغراض اقتصادية عبر فرض معايير على البلدان النامية كشرط لقبولها في المنظمة التجارية العالمية وكانت هذه القضية احد نقاط الخلاف في مؤتمر سياتل لمنظمة التجارة العالمية الذي عقد عام 99 وانتهى الى الفشل. غير ان مجابهة ضغوط الدول المتقدمة في هذا المضمار لا يجب ان تنفي حيزاً آخر من المسألة هو المتعلق بمطالب مواطني العديد من دول مجلس التعاون بتخفيف القيود على الحياة السياسية واعطاء دور اكبر للمواطنين في العملية السياسية وقد ازدادت هذه المطالب في العقد الاخير وكان من شأن التوسع الهائل في الانفاق على التعليم تخريج كوادر من المتعلمين تطالب بأن يكون لها رأي فيما يحدث في بلدانها تماشياً مع دورها كنخب مثقفة الامر الذي يفرض تحدي استمرار عملية الاصلاح السياسي وتوسيعها للتمكن من مواجهة ضرورات العصر لان التحديث الاقتصادي الجاري يستدعي تحديثاً سياسياً موازياً حسبما يرى بعض الاكاديميين. وفي مجال التحديات الامنية تجدر الاشارة الى خطة تطوير قوات درع الجزيرة التي وافق عليها قادة دول مجلس التعاون وقد ناقش رؤساء الاركان نهاية الصيف الماضي في الرياض خطة تهدف الى زيادة عديد قوة درع الجزيرة من خمسة آلاف الى 22 ألف رجل تكون مسنودة بمختلف انواع الاسلحة البرية والجوية والبحرية. وقد اكد رئيس هيئة الاركان في الجيش السعودي الفريق اول الركن صالح علي المحيا في بداية الاجتماع ان تعزيز التعاون العسكري الخليجي هو الخيار الوحيد للحفاظ على امن دول مجلس التعاون لحماية ثرواتها ومصالحها الحيوية واضاف ان المنطقة ستظل فترة طويلة مجالاً للصراع والتنافس بين الدول التي لها مصالح فيها والتي تعمل بكل ما تستطيع للحفاظ على مصالحها. وحقيقة الامر وحسب القول الشائع من يسيطر على النفط سوف يسيطر على العالم من هنا المنافسة الحادة بين الدول الكبرى للهيمنة على منطقة الخليج والوطن العربي عموماً والجميع منخرطون في هذه المنافسة بدءاً من الغرب الامريكي والاوروبي وصولاً الى الشرق الياباني والصيني فضلاً عن الروسي واشتدت هذه المنافسة بعدما فشلت معظم التجارب الغربية الحديثة في توفير مصادر بديلة من الطاقة فبقي النفط واستخداماته السياسية يحتل مركزاً متقدماً في توزيع معايير القوة العالمية ويجمع الخبراء على ان من يتحكم بهذا المورد الحيوي استراتيجياً واقتصادياً وسياسياً سوف يتمكن من ممارسة تأثيرات مهمة على المستوى العالمي ولا سيما فيما يتعلق بتحديد هيكلية النظام العالمي وتتعاظم مكانة النفط الخليجي لتميزه بأسعار تنافسية واحتياطات ضخمة يقدر لها ان تدوم عقودا وربما قرونا عدة في حين يتراجع المخزون النفطي في الدول الصناعية الكبرى المنتجة للنفط فالمخزون النفطي للخليج يمثل نحو ثلثي احتياطات العالم من النفط في مقابل 5% فقط من اجمالي مخزون امريكا الشمالية واوروبا الغربية مما يؤكد السيطرة الكاملة لدول الخليج ليس فقط على السوق النفطية بل على الاقتصاد العالمي برمته لذلك يعتبر الخبراء ان المرحلة الراهنة من تاريخ العلاقات الدولية هي الاعقد والاصعب على التنبؤ بمستقبلها ويميلون الى الاعتقاد ان السياسة الامريكية في المنطقة ستمضي في محاولة الهيمنة وازاحة التواجد الاوروبي والياباني من منطقة الخليج. والاطماع بثروات دول الخليج وطاقاتها الاقتصادية لا تقتصر على الدول الكبرى المتنافسة فبالاضافة الى هؤلاء تطمع اسرائيل بحصة وافرة من ثروات الخليج ومع انطلاقة عملية مدريد عام 91 طرحت اسرائيل وشاركتها دوائر غربية عدداً من المشاريع للتطبيع مع دول الخليج في مجالات التجارة والنفط والغاز والمياه والسياحة والمال والبنوك وقاعدة هذا التطبيع التي يعاد الترويج لها هي ما سمي الشرق اوسطية كنظام يربط القوة الاقتصادية العربية بالاقتصاد الاسرائيلي وطرحت من قبل الاسرائيليين وبعض الدوائر الامريكية والاوروبية سيناريوهات عدة لهذا النظام جوهرها تحقيق التداخل بين الاقتصاد الاسرائيلي والاقتصادات العربية بما في ذلك اقتصادات دول الخليج وبما يحقق لاسرائيل من هيمنة وما يجعلها قوة اقليمية محورية وتم الترويج لهذا النظام بتنظيرات ابهرت بعض الاوساط العربية وعنوان هذه التنظيرات يدور حول العولمة وما يترتب عليها من انفتاح وكسر للحدود وتذويب للهويات القومية في حين ان الدوافع الاسرائيلية الحقيقية وراء كل ذلك: التعويض عن المشروع التوسعي الصهيوني الذي اصطدم بجدار مسدود واستبدال اسرائيل الكبرى جغرافياً باسرائيل كبرى اقتصادياً من خلال هيمنتها في هذا النظام الاقليمي الشرق اوسطي. من هنا فإن المواقف الواضحة لمجلس التعاون منذ تأسيسه في تأييد نضال الشعب الفلسطيني في نضاله لاسترداد حقوقه واقامة دولته المستقلة وانسحاب اسرائيل من الاجزاء المحتلة في سوريا ولبنان هي في احد ابعادها دفاع عن النفس لا مجرد مؤازرة لقضية خاصة بشقيق ومناصرة له فالتهديد الاسرائيلي بأشكاله العسكرية والاقتصادية لا يطال فقط فلسطين ومقدساتها وحدود الدول المحيطة بها بل يستهدف كل المنطقة العربية ولا سيما الاماكن الاستراتيجية فيها وفي طليعتها ثروات دول الخليج وسيادة ابناء تلك الدول على مقدراتها وقرارها السياسي. ومن كل ما تقدم من تحديات يواجهها مجلس التعاون الخليجي يثبت من جديد ان مواجهة هذه التحديات تقوم على القواعد التي ارسيت منذ تأسيس المجلس والقائلة ان مجلس التعاون جزء لا يتجزأ من الامة العربية وانه خطوة كبرى في ارساء بناء وحدة هذه الامة والقائمة ايضاً على معارضة محاولات الدول الكبرى التدخل في شئون المنطقة. * كاتب لبناني