الملف السياسي: تأخرت الدول العربية طويلا فى تعزيز نظامها الاقليمى المتمثل فى جامعة الدول العربية, وأبطأت كثيرا فى تطوير ميثاق الجامعة, واحياء ضمانات الأمن العربى, ومجلس الدفاع العربى المشترك, وصياغة بروتوكول واضح لضوابط العمل العربى المشترك, أو الاتفاق على آلية ديناميكية لحل الخلافات العربية فى الاطار العربى بالتوفيق والتحكيم, أو من خلال محكمة عدل عربية. كذلك أخفق نظام الأمن الجماعى العربى حتى الآن فى تحقيق أهدافه فى مجالى الدفاع المشترك, والتعاون الاقتصادى, وبخاصة لاقامة السوق العربية المشتركة, وفى حل بعض الخلافات العربية/ العربية التى تحبط جهود العمل العربى المشترك فى اطار الدول العربية. واذا كانت دول الجامعة العربية قد نجحت أخيرا فى اضافة نص لميثاق الجامعة العربية يحقق الانعقاد الدورى السنوى للقمة العربية اعتبارا من قمة مارس 2001م القادمة فى العاصمة الأردنية عمان فإن مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ انشائه عام 1981م استطاع الحفاظ على دورية انعقاد القمة الخليجية, كما اتفق قادة هذه الدول أن يضيفوا الى اجتماعهم الدورى السنوى قمة أخرى تشاورية وهو انجاز طيب ومنشود على المستوى العربى كله. ومع ايمان الغالبية العظمى من العرب بمستقبل التكامل أو الاتحاد العربيين, فإن الطريق اليهما شاق وطويل فى الحاضر والغد القريب, وقد يكون التطلع الى الاتحاد أو الوحدة على المستوى دون الاقليمى أقرب الى المنطق الصحيح للأمور, وهو مايمكن أن تتطلع اليه دول الخليج العربية اليوم وغدا. وبغير شك فإن دول الخليج العربية الست تملك أهم عوامل القوة الاقتصادية فى النظام الاقليمى العربى, وهنا نذكر أن دول الخليج العربى تملك وحدها من احتياطيات البترول المؤكدة نسبة تزيد على 63% من الاحتياطى العالمى, بينما تجاوزت الاحتياطيات المؤكدة للسعودية والامارات العربية المتحدة والكويت (458) مليار برميل فى منتصف عام 2000م. وتربط دول مجلس التعاون الخليجى عوامل تقارب سكنى واجتماعى وأسس تلاحم ومصالح مشتركة عديدة يمكن أن تؤدى الى قيام كيان خليجى عربى متكامل يستند الى القدرتين الاقتصادية والسياسية المطلوب تنميتها بإصرار فى عصر التكتلات الدولية. واذا كان جوهر الأمن هو التنمية, فإن تعاون دول الخليج العربية فى المجال الاقتصادى يمكن أن يخدم الوصول الى درجة محققة من تجاوز التخلف الحضارى والتكنولوجى فى جزء عزيز من عالمنا العربى الذى لم يدخل بعد عصر الثورة العلمية والتكنولوجية الثالثة. ومعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادى المبرمة فى اطار جامعة الدول العربية ذاتها تربط فى مادتها الثانية بين أهداف الأمن والتنمية والتكامل. ولا شك أن الضعف الحالى فى جامعة الدول العربية ينعكس على أمن الخليج العربى, وهو جزء عضوى من الأمن القومى العربى ككل, ولن يختفى هذا التأثير السلبى الا اذا أمكن علاج الخلل فى التوازن الاستراتيجى الشامل والعسكرى بين اسرائيل ودول الطوق العربية المحيطة بها من جهة, وبين ايران ودول الخليج العربية من جهة أخرى. ولن تستعيد جامعة الدول العربية فاعليتها كمنظمة اقليمية مالم يستطع العرب تحقيق المصالحة العربية على أساس من تقويم محنة حرب الخليج الثانية وادانة من صنعها واحدث ثغرة خطيرة فى صميم التماسك العربى وأوجد تهديدا داخليا عربيا لأمن دولة عربية بينما كان يجب حشد الجهود العربية لمواجهة التهديد الصهيونى وأطماع القوى العظمى والكبرى فى ثروات الأمة العربية الاقتصادية والتجارية والبشرية. نموذج النظام الاقليمى الفرعى ترقى الدول ذات المصالح المشتركة فى درجات تعاونها الاستراتيجى اذا امتلكت الارادة السياسية فى التكامل الأمنى والاقتصادى الى مستوى اقامة نظام اقليمى فرعى أو شامل يمثل تكتلا سياسيا يبنى القدرات الاقتصادية والدفاعية لدوله وفق تخطيط استراتيجى متتابع المراحل يحقق لها المضى قدما على طريق التكامل الاقتصادى والاجتماعى الذى يخدم الاستقرار الاقليمى, والتنمية المتواصلة, ومواجهة التهديدات الأمنية الاقليمية التى تشكلها بعض دول الجوار الجغرافى من خلال بناء قدرة الردع الدفاعى أو الدفاع النشط والايجابى. ويعتبر مجلس التعاون لدول الخليج العربية نموذجا فريدا للنظام الاقليمى الفرعى, الذى اعتمد على الأمن والاقتصاد والروابط الاجتماعية والسكانية بين دوله, ثم على الموقع الجغرافى المتميز فى حوض الخليج العربى, أحد أهم البحار الخمسة فى اقليم الشرق الأوسط الكبير, والممر الاستراتيجى البحرى المهم تجاريا وعسكريا منذ عصر الاسكندر الأكبر الى حرب الخليج الثانية. وتشكل دول الخليج العربية اقليما جيوبوليتيكيا واحدا, وكيانا سياسيا مترابطا, ومجتمعا متجانسا يحتاج الى تنظيم العلاقة بين الثورة والقوة الشاملة والمؤثرة لدوله تلك الدول التى تنبهت الى مخاطر انخفاض حالة الرخاء والازدهار الحالية, وخطورة استمرار نموذج الدولة (الريعية) أو الدولة التى تعطى حكوماتها الأسبقية الأولى لتوزيع الجانب الرئيسى من عائدات البترول فى شكل خدمات متنوعة, وبخاصة الاجتماعية منها, وانفاق على البنية الأساسية, وضرورة الاتجاه الى التصنيع, وتشجيع القطاعين الخاص والعام على الاستثمار الزراعى والصناعى والتفكير فى نظام ضريبى وجمركى عملى ومرن يشجع المستثمرين ويسهم فى تمويل الموارد السياسية للدولة. ولقد كانت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التى أبرمتها دول المجلس فى نوفمبر 1981 خطوة عملية لتحقيق (المواطنة الاقتصادية) لابناء دول المجلس وتشجيع الانتاج المشترك والتصدير, واطلاق حريات تملك المساكن, والتنقل وانتقال رؤوس الأموال, ومساواة دول المجلس فى المعاملة الضريبية والغاء الرسوم الجمركية بين هذه الدول على السلع ذات المنشأ الوطنى. ولقد بدأ فى السنوات الأخيرة تنفيذ خطط تنمية مشتركة فى بعض المجالات الزراعية والصناعية, واقرار نظام الاقراض البترولى, وتطبيق مبدأ الاعتماد المتبادل على شبكات المواصلات والاتصالات شاملة المطارات, والطرق البرية بين دول المجلس, وربطها بالكابلات المحورية. وفى الجانب الأمنى لم تبرم بعد اتفاقية تحالف عسكرى أو دفاع مشترك شاملة بين دول المجلس, وإن أقرت قمة البحرين عام 1982 تشكيل قوة ردع الجزيرة كقوة مشتركة تواجه العدوان الخارجى, وتستخدم فى اطار الدفاع وحده طبقا لقرار المجلس الأعلى وهو قمة الهيكل التنظيمى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية. لقد أدركت دول المجلس وحدة مصالحها الأمنية, وعرفت أن الخليج العربى يشكل مسرحا واحدا للعمليات الحربية, لكن حرب الخليج الثانية أثبتت حاجة دول الخليج العربية الى وضع استراتيجية أمنية متكاملة تخطط لامتلاك قدرات الدفاع الذاتى عن أمنها فى المدى القريب مع الاستعانة بالدول الشقيقة والصديقة فى دعم مطالب الدفاع وتأمين الخليج كحل مؤقت مرحلى قد يمتد بضعة أعوام مقبلة. وتسعى دول المجلس حاليا لتطوير قوة درع الجزيرة لتكون قوة تدخل سريع ولانشاء نظام مبكر اقليمى وتطوير امكانيات الدفاع الجوى على دول المجلس وبحارها الاقليمية. وإذا كانت دول الخليج العربية قد سعت الى ابرام اعلان دمشق مع مصر وسوريا غداة انتهاء حرب الخليج الثانية عام ,1991 فإن الرفض الأمريكى الصريح للاعلان, والمعارضة الايرانية له, والظروف الاقتصادية لمعظم دول مجلس التعاون الخليجى, وضعف الاقتناع حتى الآن بفاعلية أى نظام للأمن الجماعى العربى فى ضوء التوازنات الاستراتيجية الحالية فى المنطقة العربية وحولها قد أدى الى تجميد اعلان دمشق عمليا, وان كان الامل لايزال باقيا فى احيائه فى اطار الحركة النشطة الحالية للمصالحة العربية ولتفعيل بعض آليات العمل العربى. ويمكن أن تسهم دول الخليج العربية فى رأب بعض الصدوع فى النظام الاقليمى العربى اذا تم احياء اعلان دمشق بجانبيه الأمنى والاقتصادى. مقومات دعم كيان المجلس إن نقطة الانطلاق الأساسية هى توثيق العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجى سواء على مستوى دول المجلس أو فيما يتصل بإطلاق حريات التملك والعمل والانتقال والتجارة والاستثمار لمواطنى دوله. ان حجم ما أنجز فى مجال التعاون الاقتصادى منذ عام 1981م حتى الآن لا يرقى الى مستوى طموحات ابناء الخليج العربى فالهدف الكبير الذى صاحب قيام المجلس, ورعته أبوظبى والرياض, هو اقامة تكتل اقتصادى خليجى قوى له سوقه المشتركة واتحاده الجمركى الفعال ومناطقه الحرة المفتوحة للاستثمارات الأجنبية وللتبادل السلعى, ومنافذه على البحر المتوسط اضافة الى خليج العرب وعمان البحر الاحمر, ومناطق التجارة الحرة مع دول عربية أخرى فى مقدمتها مصر وسوريا والمغرب. ومن الضرورى تعظيم التعاون المشترك فى مجال تنويع مصادر الدخل القومى لدول المجلس. ولاشك أن التكامل الاقتصادى فيما بين هذه الدول سوف يقوم موقفها فى مفاوضات المشاركة مع الاتحاد الأوروبى ودول النافتا (أمريكا الشمالية) وفى مسألة الانضمام الى منظمة التجارة العالمية الى جانب تقوية الموقف التفاوضى لدول المجلس فى متابعة وحل مشاكل اختلاف وجهات نظر الدول المتجة والمستهلكة للبترول حول معدلات انتاجه وأسعار تسويقه وهى أزمة متصلة منذ أواخر 1997 وحتى الآن. وفى المجال العسكرى والأمنى يمكن للمجلس بتطوير قوات درع الجزيرة ايجاد قوة تدخل سريع فى الأزمات بعناصرها البرية والبحرية والجوية, ممايعتبر خطوة عملية فى اطار بناء القوة العسكرية الذاتية لدول المجلس, كما يمكن لدوله أن تتدارس مايطرح عليها من مبادرات دفاعية تعاونية أو نظم أمنية سواء فى الخليج العربى أو على مستوى دول المنطقة, والاستفادة النوعية من بعض نظم الانذار المبكر أو الاعتراض الصاروخى أو مشروعات تطوير وتجهيز مسرح العمليات فى الخليج هندسيا واشاريا واداريا الى جانب تطوير منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات. كما أن ابرام معاهدة دفاع مشترك فى اطار دول المجلس يمثل تقنينا ضروريا لطبيعة التحالف العسكرى المنشودة بينها ووحدة مصالحها الأمنية. وتستطيع دول المجلس من خلال تعاونها الأمنى والعسكرى الوصول الى الصيغة التى ترضاها للعلاقات مع ايران فيما يتصل بأمن الملاحة والتجارة عبر مضيق هرمز, وتأمين الملاحة وأعمال الانقاذ البحري فى مياه الخليج. ويبقى أن تفكر دول المجلس عمليا فى التنازل الطوعى عن بعض جوانب السيادة القطرية لصالح الغايات العليا والأهداف والاستراتيجية فوق القطرية حتى يقوى وزن مجلس التعاون لدول الخليج العربية كتكتل سياسى فى ادارته للعلاقات الاقليمية والدولية مع القوى الكبرى والاقليمية صاحبة المصالح الحيوية فى المنطقة العربية بوجه عام, والخليج العربى بصفة خاصة, الى جانب حل مابقى من خلافات حدودية بين دول المجلس وبخاصة بين البحرين وقطر. إن مجلس التعاون لدول الخليج العربية هو أنجح صيغ التعاون الاستراتيجى والتكامل العربى فى النصف الثانى من القرن العشرين, وهو يملك بالقطع فرصة تاريخية لايجاد كيان سياسى وجيوبوليتيكى عربى قوى فى منطقة الخليج العربى فى مرحلة التحول الحالية لنظام دولى جديد. * الأستاذ الزائر بأكاديمية ناصر العسكرية العليا.