من قراءة معطيات تقرير اصدرته الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن يتضح بجلاء عدم جاهزية المؤسسات الصحية بل وعجزها لمواجهة حالات الطوارىء التي تعيشها الاراضي الفلسطينية حاليا في ظل انتفاضة الاقصى, وجاء في الاستنتاجات التي خلص اليها: (اولا) ان عدم الجاهزية هذا تجلى في عدم كفاية الأسرة في المستشفيات, عدم توفر أو كفاية التجهيزات الحديثة, عدم كفاية اعداد الاطباء والطواقم الطبية الاخرى, عدم التوزيع المنصف للخدمات والمرافقة الطبية, عدم توفر أو كفاية الاقسام المتخصصة بمعالجة بعض الامراض, عدم كفاية التنسيق والتكامل بين القطاع الحكومي والقطاعين الاهلي والخاص, (ثانيا) كشف الاحداث الاخيرة النتائج السلبية للتوزيع الحالي وغير المنصف لمركز الرعاية الصحية والمستشفيات ومن هنا تقع المسئولية على عاتق جميع القطاعات الصحية وعلى رأسها وزارة الصحة للعمل على انصاف المناطق البعيدة عن المركز والتي هي بحاجة اكثر من غيرها لمثل هذه الخدمات الصحية. (ثانيا) ان سوء التوزيع الحالي يؤثر سلبا على حق المواطن في تلقي الرعاية الصحية والخدمات الطبية اللازمة بصورة مرضية ومنصفة, (ثالثا) وفقا للارقام التي ذكرها التقرير بالنسبة لعدد الأسرة في المستشفيات المختلفة هناك عجز في عدد أسرة المستشفيات يفوق الـ 1600 سرير ومع نهاية عام 2003م من المتوقع ان تحتاج المستشفيات الفلسطينية إلى ما يزيد على 6000 سرير اضافي, واكدت الهيئة ان على الوزارة ان تضع الخطط المقنعة لتطوير القدرة الاستيعابية للمستشفيات أو لانشاء مستشفيات جديدة, (رابعا) ابرزت المعطيات المتوفرة ضرورة اعطاء الاولوية اللازمة للرعاية الصحية الاولية والوقائية اذ ان البعد العلاجي لا يكفي لوحده ولا يستطيع اي نظام صحي ان يلبي الاحتياجات الصحية للمواطنين خلال السنوات المقبلة الا اذا ركز على الوقاية خاصة وان المجتمع الفلسطيني مجتمع فتي اكثر من ثلث سكانه دون سن 35 عاما, (خامسا) اظهرت الظروف الاستثنائية الاخيرة ضرورة توفير وتخصيص الاموال الكافية من الميزانية العامة لصالح القطاع الصحي, فالقطاع الصحي يعاني من نقص واضح في الميزانيات لغرض تطوير المجالات الاساسية والحيوية. وقد اورد التقرير جوانب الخدمات الصحية على النحو التالي: أولا وزارة الصحة: ورثت السلطة الفلسطينية منذ منتصف العام 1994 تركة ثقيلة من حيث تدني مستوى الخدمات الطبية والصحية ورغم الجهود التي بذلتها وزارة الصحة الا ان الوضع الصحي في الاراضي الفلسطينية مازال يواجه الكثير من المشاكل والعقبات التي تعترض سبيل تطويره وبالتالي تحد من قدراته على سد احتياجات المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة, وقد تأثرت الاوضاع الصحية بعمليات الاغلاق التي فرضتها قوات الاحتلال من عدة نواح مثل رفض اصدار تصاريح لمرضى احتاجوا العلاج في مستشفيات خارجية واعاقة عمل سيارات الاسعاف واعاقة تحويل المرضى الذين يعانون من امراض صعبة وخطرة مثل السرطان: (أ) الرعاية الصحية الاولية: بلغ عدد المراكز للرعاية الصحية الاولية في قطاع غزة 142 مركزا حتى العام 1999 بعد ان كان عددها حتى بداية العام 1994 (82) مركزا فقط فيما وصل العدد في الضفة الغربية 489 مركزا في العام 1999 بعد ان كان عددها 399 مركزا في العام 1994. (ب) المستشفيات والأسرة: بلغ عدد المستشفيات الحكومية في الضفة الغربية وقطاع غزة 17 مستشفى واحد منها لم يتم تشغيله بعد, وفي هذا المجال يشار إلى سوء التوزيع الجغرافي لهذه المستشفيات وخاصة في قطاع غزة حيث تتركز معظم المستشفيات في مدينة غزة الامر الذي يعكس عدم الانصاف في تقديم خدمات الرعاية الصحية ويظهر مدى النقص الذي تعانيه بعض المناطق البعيدة عن المدن الرئيسية وخاصة في قطاع غزة, فالمعسكرات الوسطى شهدت الكثير من الاصابات الخطيرة, وكان لبعد المسافة عن المستشفيات سواء الجنوبية منها أو الشمالية اثار سلبية على حالة المصابين. (ج) العلاج في الخارج: تتركز التحويلات للعلاج خارج البلاد على المستشفيات الاردنية والمصرية والاسرائيلية وتستهدف المرضى بأمراض يستعصى علاجها في المستشفيات المحلية نظرا لندرة الكفاءات الطبية المتخصصة أو قلة الخبرات والمختبرات والتجهيزات الفنية اللازمة أو العيادات التخصصية, وقد بلغ عدد التحويلات خلال السنوات الخمس الماضية 45659 حالة بتكلفة 61.5 مليون دولار وفي ظل هذا الاهدار للاموال تبرز الحاجة لايجاد بدائل لتقليص عدد التحويلات إلى الخارج. (د) الكادر البشري: بلغت نسبة الاطباء العاملين في الاراضي الفلسطينية إلى عدد السكان طبيب واحد لكل 1914 نسمة وتشير الاحصائيات إلى ان عدد الاطباء لمختلف التخصصات في جميع القطاعات الصحية بلغ حتى نهاية العام 1998 حوالي 1971 طبيبا في الضفة والقطاع والقدس, ولتفادي النقص في اعداد الاطباء والممرضين فقد اعلنت وزارة الصحة في منتصف شهر نوفمبر الماضي عن خطة لاستيعاب الاطباء العاطلين عن العمل والاستفادة من خبراتهم وخدماتهم في ظل الظروف الحالية. (هـ) الادوية وخدمات الصيدلة, بلغ عدد الصيدليات في مراكز ودوائر الرعاية الاولية التابعة لوزارة الصحة (42 ) صيدلية فيما وصل عدد الاطباء الصيادلة إلى 53 في حين وصل عدد الصيادلة المساعدين إلى 70, هذا وتستهلك الادوية حوالي 30% من موازنة الوزارة السنوية وتعاني صيدليات وزارة الصحة بين الفترة والاخرى من نقص في اصناف مختلفة من الادوية مما يتسبب احيانا في تعريض حياة المرضى للخطر خاصة حين يتعلق الامر بأدوية مكلفة لامراض مزمنة. ووفقا لتأكيدات وزارة الصحة هناك كميات كبيرة من الادوية متوفرة في مستودعاتها تكفي لتلبية الاحتياجات لمدة 6 اشهر مقبلة كحد ادنى ومع ذلك فقد خلقت الظروف الحالية عددا من المشاكل بدأ يعانيها قطاع الادوية وذلك بفعل الممارسات الاسرائيلية التي بسببها لم يتمكن عدد من العاملين في قطاع صناعة الادوية من الوصول إلى اماكن عملهم في المصانع اضافة إلى مشكلة التسويق وانعدام السيولة جراء التأخر في تسديد الالتزامات المالية. ثانيا: وكالة الغوث: تقتصر خدمات وكالة الغوث (الاونروا) على الرعاية الصحية الاولية المقدمة من خلال المراكز الموزعة على مخيمات اللاجئين في الضفة وغزة, وقد وصل عدد هذه المراكز حتى نهاية العام الماضي إلى 51 مركزا في الضفة الغربية وقطاع غزة وتعمل عيادات الوكالة بنظام الفترتين الصباحية والمسائية نظرا للضغط المتواصل عليها كما تشرف الوكالة على مشفى مدينة قلقيلية الذي يتسع لـ 38 سريرا لكن الوكالة ايضا تواجه مشاكل مالية كبيرة بسبب تقليص الميزانية المخصصة لها. (ثالثا) المنظمات الاهلية العاملة, وقد بلغ عددها 61 منظمة وتقوم بحملة من خدمات الرعاية الصحية الاولية والخدمات الصحية الثانوية وغيرها وتشير المعطيات إلى ان تكاليف العلاج في عيادات القطاع الاهلي رمزية اذا ما قورنت بتكاليف الخدمات الصحية المماثلة المقدمة سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص كما يصرف الدواء من الصيدليات التابعة لها بسعر التكلفة. رابعاً: الخدمات الطبية العسكرية, وتشمل خدمات الرعاية الاولية حيث تشرف الخدمات الطبية العسكرية على 28 وحدة للرعاية الاولية تغطي كافة انحاء قطاع غزة وتقدم خدمات بتكلفة رمزية وانشأت الخدمات الطبية العسكرية خلال الانتفاضة 18 مستشفى ميدانيا 9 في غزة و9 في الضفة, ويعمل في كل منها عدد من الاطباء العاملين والمتخصصين اضافة إلى فنيي الاشعة والتخدير والمسعفين وقد عالجت المستشفيات الميدانية والمراكز الصحية التابعة للخدمات الطبية العسكرية حوالي 2626 اصابة الا ان الخدمات الطبية العسكرية تعاني بشدة من النقص الفادح في عدد سيارات الاسعاف اذ لا تملك سوى 8 سيارات اسعاف في جميع مراكزها العاملة في الضفة والقطاع, وشدد تقرير الهيئة على وجوب عدم التقليل من حجم المعوقات التي وضعتها قوات الاحتلال الاسرائيلي في سبيل تقديم الاسعاف للمصابين والتي تمثلت بمنع أو اعاقة سيارات الاسعاف من الوصول إلى بعض مناطق الاحتكاك الساخنة. كما استهدفت نيران الاحتلال الاطقم الطبية وسيارات الاسعاف هذا اضافة إلى العراقيل التي تضعها سلطات الاحتلال امام وصول الامدادات الطبية من الدول الشقيقة والصديقة وذلك عبر تحكمها في المعابر خاصة مطار غزة الدولي وهناك من المعونات مازال ينتظر تصريح المرور الاسرائيلي. واضاف التقرير: حسب المتابعة اليومية للمستشفيات الحكومية في قطاع غزة تبين ان اقسام الاستقبال والطوارىء كانت مجهزة بفرق طبية تتكون من اخصائيين من مختلف التخصصات وخاصة في الجراحة العامة وجراحة الاعصاب والعظام والعناية المركزة والتخدير تساعدهم في ذلك فرق التمريض المؤهلة في العناية المركزة والتمريض وقد اثبتت الاطقم الطبية المحلية كفاءة عالية في استقبال وعلاج الحالات الخطرة على كثرتها. على صعيد اخر بذلت جمعية الهلال الاحمر جهودا مضاعفة لمواكبة التطورات الاستثنائية الجارية فعملت على زيادة عدد سيارات الاسعاف التابعة لها إلى 57 سيارة اسعاف منها 37 في الضفة الغربية و20 في قطاع غزة الا ان هناك اوجه نقص وخلل عانى ولايزال يعاني منها الجهاز الطبي تتلخص في التالي: 1ـ تفتقر اطقم الاسعاف والصحة العامة إلى بعض الاجهزة الطبية الضرورية في مثل هذه الحالات كجهاز اشعة الرنين المغناطيسي مما استدعى تحويل عدد من الحالات إلى المستشفيات المجاورة. 2ـ بينت الجهود المضنية التي بذلتها الاطقم الطبية في اسعاف المصابين مدى النقص في اعداد المسعفين مما دعا عددا من المؤسسات الصحية ومنها الهلال الاحمر إلى زيادة عدد العاملين في صفوفها من المسعفين. 3ـ اظهر حجم الاصابات المتلاحقة والمتزايدة خلال الانتفاضة مدى النقص الفادح الذي تعاني منه المرافق الصحية الحكومية في مجال الكوادر البشرية فقد دلت المعطيات الاولية بشأن المصابين ان ما نسبته 25% منهم اصيبوا باعاقات دائمة, وتتفق المصادر الطبية على ان المريض الواحد من هذه الفئة قد يحتاج إلى 4 من اعضاء الطاقم الطبي بالمعدل للعناية به لمدة 24 ساعة يوميا. 4ــ تلقت وزارة الصحة المساعدات الطبية من الدول العربية والاجنبية من العديد من المؤسسات الدولية ومع ذلك خلافا لادعاءات وزارة الصحة فقد بدأ جرس الانذار يدق فيما يتعلق بالنقص الواضح في كميات الدواء المتوفرة في مخازن ومستودعات الوزارة خاصة وان اعداد الجرحى تتزايد يوميا. 5ـ كادت الكميات المخصصة لعدد من المستشفيات من احتياطي الدم ان تصل إلى نفادها نظرا لكثرة عدد الاصابات وخطورتها واكبر مثال على ذلك مستشفيات مدينة القدس التي تعاني من الحصار المحكم وانها تجد صعوبة فائقة في وصول وحدات الدم, يذكر ان يوجد 11 بنكا للدم في الاراضي الفلسطينية, ثلاثة منها في قطاع غزة وسبعة في الضفة الغربية وواحد فقط في القدس.