الملف السياسي : حينما دخلت دنيا الفنون أدركت منذ الوهلة الأولى العلاقة الوطيدة بين الفن والسياسة, وآمنت أن الفن لايمكن أن يحقق وظيفته الاجتماعية إلا إذا كان سياسيا بمعنى أن الفنان لابد أن تكون لديه عقيدة سياسية ، ويجب أيضا أن يكون على يسار الحركة الاجتماعية, فوظيفة الفن البحث عن مجتمع أفضل فهو ينقد الواقع ويدعو المجتمع إلى معالجة سلبياته والسعي إلى المزيد من التحرر والوحدة والعدالة الاجتماعية. هذا ما استوعبته منذ عملت في مجال المسرح, وهذا أيضا ما شكل أهم المحطات الرئيسية في حياتي المسرحية وعلى هذا الأساس أنشأت المسرح الحر مع مجموعة من المسرحيين في أكتوبر عام 1952 بعد أن ذهبنا إلى الأستاذ زكي طليمات والذي كان مديرا لفرقة المسرح الحديث وهي الفرقة التي أسسها لتستوعب خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية و طلبنا منه أن يجد لنا مكانا في الفرقة فقال: (ياريت, أنا ميزانيتي كلها 6000 جنيه في السنة ولا أستطيع التحرك إلا في حدودها), ورغم أن هذا المبلغ كان خطيرا عام ,52 إلا أنه إعتذر فمشينا وذهبنا لنجلس في نقابة (العوالم) والتي كان موقعها أمام قهوة أم كلثوم بشارع عرابي وبدأنا نبحث عن أفضل صيغة نطرح من خلالها أنفسنا بعد أن أغلقت في وجهنا أبواب فرقة المسرح الحديث وأيضا المسرح القومي الذي كان يديره (يوسف وهبي) وانتهينا إلى أننا يجب أن نؤسس فرقة جديدة ولم نكن نتكسب من أعمالنا مايكفي لتكوين فرقة مسرحية ولكننا وفرنا بعض القروش من عملنا بالاذاعة حيث كنا نحصل على أجر 2 جنيه في النصف ساعة فكونا صندوقا وضع فيه كل عضو منا 10 جنيهات كنواة لإنشاء فرقة المسرح الحر التي أردنا من خلالها أن نقدم الجديد للمسرح المصري وأن نربط المسرح بالوطن.. بالسياسة.. بالمجتمع, وكان هذا الجديد الذي حلمنا به هو أن نفتح باب المجتمع أي أن نقدم مسرحا إجتماعيا مهموما بالناس والبسطاء. مهموما بالشعب, واكتشفنا أثناء العمل (نعمان عاشور) فقدمنا له مسرحيته الأولى(المغناطيس) ثم (الناس اللي تحت), وكنا نقدم بعض الحفلات على مسرح الأزبكية ومسرح سيد درويش وكذلك مسرح كبير في بورسعيد, ثم في رأس البر أي أننا تجولنا بمسرحياتنا في مختلف المحافظات, وبعد نعمان عاشور أردنا تقديم الكاتب العالمي (أبسن) من خلال واحدة من أهم مسرحياته وهي (بيت الدمية) ولهذه المسرحية قصة لا أنساها فقد تطلعت فرقتنا الجديدة إلى أن نقدم مسرحياتها على خشبة دار الأوبرا القديمة والتي كان يديرها الفنان سليمان نجيب وذهبنا لمقابلته فلقينا بعنف شديد واستهجن أن تأتي مجموعة من الشارع لتعرض على الأوبرا وكنا نقدم وقتها مسرحية (الناس اللي تحت) على مسرح الأزبكية فطلبنا منه أن يشاهدنا وكان الرجل على درجة عالية من الوعي والحب, ففوجئنا به في اليوم التالي مباشرة واقفا في المسرح ثم فوجئنا به أيضا أمامنا بعد انتهاء الفصل الأول وطلب منا تكرار زيارته وفي المرة الثانية استقبلنا بحب وترحاب شديدين وبحث معنا المشروع الذي نريد تقديمه فقلنا (بيت الدمية) فرد مندهشا( أبسن مرة واحدة) ولكنه وافق ومنحنا فرصتنا كاملة لتقديم عمل يحمل كما كبيرا من الجرأة, وقد أخرجت للمسرح الحر مسرحية (بهية مراتي) واثناء قيامي بالإخراج اكتشفت أن دراسة المسرح والحقوق غير كاملتين لمهمة المخرج فسعيت إلى بعثة استكمل بها دراساتي, وبالفعل رشحت أنا ومجموعة من زملائي لبعثة دراسية في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية, ولكنها لم تحدث بسبب العدوان الثلاثي على مصر والذي بسببه منعت البعثات لأمريكا وفرنسا وإنجلترا, ثم خيرونا بعد ذلك بين عدة دول أخرى فاخترت إيطاليا وبذلت جهدا كبيرا حتى أصل إلى هدفي فعندما وصلت إلى روما نزلت ضيفا على الأكاديمية المصرية هناك وكان يرأسها صلاح كامل فقال لي إن مكاني محجوز, فاصطحبت أحد الطلاب لمقابلة (القوميسير) وتحدثت معه باللغة الإنجليزية بينما تحدث صديقي بالإيطالية وكان هو يجيب علينا باللغتين معا ثم نظر نحوى وقال (أنت ستدرس باللغة الإيطالية وتتعامل في حياتك بها لهذا لديك عام كامل قبل التحاقك بالدراسة لتدرسها جيدا, فبذلت جهدا جبارا لمدة 8 شهور كنت أدرس فيها 18 ساعة يوميا, ثم دخلت امتحان القبول بالأكاديمية في العام التالي وقابلني نفس (القوميسير) الذي كنت قد إلتقيت به منذ عام مضى وإندهش جدا وقال : (هل أنت الطالب المصري الذي حضرت العام الماضي) فأجبته مبتسما: (نعم أنا هو) , فاستدار سائرا وهو يردد (فراعنة). المهم أن فترة الخمسينيات والستينيات وفي ظل ثورة يوليو التي رعت الفن والفنانين وكل المجالات الإبداعية, وكانت فترة ثرية وكنا كاننا نعيش في الجنة. وفي ربوع هذه الجنة استكملت مسيرتي المسرحية وأسست مسرح الجيب, وللحقيقة والتاريخ هذا المسرح لم يكن ممكنا تأسيسه لولا وجود وزير الثقافة مثل ثروت عكاشة وهو كان على درجة عالية من الثقافة برغم الخلافات التي حدثت بينه وبين جيلنا فيما بعد وعندما قرأ الوزير تقريري عن مسرح الجيب وضع (تأشيرة) مازالت موجودة حتى اليوم تقول : (يؤسس هذا المسرح فورا, ويعين سعد أردش مخرجا له) . وبالفعل تم تنفيذ المشروع في أقل من سنة حيث افتتحته في الدور الثاني بنادي السيارات عام 1962 بأول مسرحية عبثية تعرض في مصر والعالم العربي كله وهي مسرحية (لعبة النهاية) لصمويل بيكيت وأتذكر أن الكاتب الكبير (أنيس منصور) قال عنها آنذاك, إن هذا أول عرض مسرحي يلوي الأعناق من شدة الدهشة, وفي نفس هذه المرحلة عينت أستاذا في المعهد العالي للفنون المسرحية الذي كان مقره في الزمالك وكان عميده الأستاذ سعيد خطاب. أما الآن فالوضع اختلف وفقدنا جنتنا القديمة وأصبح المسرح في مصر يعاني سكرات الموت, بعكس المشهد المسرحي في الستينيات والذي كان يتميز بالحب والود وروح الفريق والدليل على هذا أنني وثلاثة من جيلي هم جلال الشرقاوي وكرم مطاوع وأحمد عبد الحليم كتبنا استقالة رباعية لوزير الثقافة آنذاك د. ثروت عكاشة وكنا جميعا في مناصب قيادية احتجاجا على السياسة الثقافية وكنت وقتها أقوم بإخراج مسرحية النار والزيتون لألفريد فرج في المسرح القومي فأصدر د.ثروت عكاشة قرارا بمنعنا من دخول كل المؤسسات الثقافية وتصادف أنه في اليوم التالي لصدور القرار كان موعد البروفة النهائية للمسرحية فرفض الممثلون إجراء البروفة في غياب المخرج مما اضطر المسئولون للاستعانة بسيارة من أمن الدولة لتصطحبني للمسرح, أما المشهد المسرحي اليوم فهو يفتقد إيجابيات كثيرة جدا أهمها تلك الروح الجماعية التي كانت تربط أبناء الجيل الواحد, إلى جانب أن مسرح القطاع العام يقتل نفسه أو مديروه يريدون قتله لأنه كان يهدف في بداية تكوينه إلى تقديم الفن الجاد إلا أنه وصل إلى حالة من العجز لا يستطيع معها أن يقدم عرضا جميلا بسبب عدم وجود خطة للمسرح بشكل عام, وبرغم أن كل مسرح له وظيفة مختلفة عن المسارح الأخرى إلا أنه يجب وجود خطة عامة تجمعهم كلهم في إتجاه هدف واحد.