الملف السياسي : قبل الحديث عن الدور الاوروبي في عملية التسوية والذي يراهن عليه البعض لكي يكون عامل ضغط على الكيان الصهيوني لاجباره على دفع المستحقات التي تلزمه بها هذه العملية, لابد لنا ، اولا من فهم العلاقة الاسرائيلية الاوروبية التي تتأرجح الآن بين الشراكة النووية ومحاولات الكيان الصهيوني الاندماج في الاتحاد الاوروبي خاصة وأن للعلاقة القائمة بين اسرائيل والاسرة الاوروبية تأثيرا قويا وكبيرا في الاوضاع في الشرق الاوسط. ولكن لفهم هذه العلاقة بين (اسرائيل) والدول الاوروبية الفاعلة يجدر بنا اولا ان نلقي بعض الضوء على تاريخ العلاقة بين الحركة الصهيونية والقوى الاستعمارية الغربية والتي حددت فيما بعد نمط وشكل العلاقة الاسرائيلية الاوروبية. فكما هو معلوم شكلت اوروبا قبل انطلاق الحركة الصهيونية ساحة خصبة ومناسبة لظهور الحركة الصهيونية لا بل ان هذه الحركة انما جاءت تجسيدا للافكار الاستعمارية الغربية اي ان العلاقة بين الدول الغربية و(اسرائيل) علاقة قديمة تحددها في الواقع مصالح مشتركة بين الطرفين وعلى الرغم من ان العمل الاستعماري المباشر في سبيل المشروع الصهيوني استمر حقبة طويلة من الزمن تعادل نحو اربعة اضعاف عمر الحركة الصهيونية منذ انشائها وحتى الآن وتمت خلالها بلورة المقولات والمزاعم التي اصبحت تشكل فيما بعد ايديولوجية الحركة الصهيونية فإن الكتابات والادبيات الصهيونية الاستعمارية حاولت وما زالت تحاول تزييف حقائق التاريخ بهدف طمس وتغطية دور الامبريالية الغربية في خلق الحركة الصهيونية, واصنطاعها وتتعمد ان تطلق على النشاط الاستعماري المنظم الذي استمر زهاء ثلاثة قرون من اجل توطين اليهود في فلسطين اسم (صهيونية الاغيار) للايحاء بأن الحركة الصهيونية هي حركة يهودية بحتة وامتداد طبيعي للتاريخ اليهودي المزعوم في حين ان الحركة الصهيونية ليست في الحقيقة سوى واجهة يهودية للمخططات الاستعمارية الغربية. وإذا كنا لا نريد الخوض كثيرا في التفاصيل التاريخية الا انه لابد من الاشارة الى ان الدول الاوروبية الغربية ولا سيما تلك التي تشكل نواة الاتحاد الاوروبي وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا تناوبتا على تقديم الدعم والمساندة للكيان الصهيوني قبل وبعد انشائه ولا ننسى هنا بالتأكيد الدور الذي لعبته ايضا ألمانيا النازية في دعم الحركة الصهيونية وتوفير اسباب الحياة لها وكذلك مواقف الحكومات الالمانية المتلاحقة في دعم الكيان الصهيوني بحجة تقديم التعويضات عما يسمونه الجرائم النازية بحق اليهود والتي اثبت التاريخ انها ليست سوى محاولة لتضخيم وتهويل بعض الاحداث التي جرت في الحرب العالمية الثانية لاستخدامها فيما بعد وسيلة حفظ وابتزاز على نطاق عالمي. ويمهد السبيل امام دخول (اسرائيل) الى الساحة الاوروبية بقوة ويشجع الاوروبيين على تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية للكيان الصهيوني بحجة ما تسميه الحركة الصهيونية سياسة التكفير عن الذنب. وفي الملف الذي منحته جامعة الدول العربية حول العلاقات الاسرائيلية الاوروبية في شهر مايو الماضي والذي واكب انعقاد القمة الاوروبية الافريقية في القاهرة يظهر بوضوح مدى التعاون الاسرائيلي الاوروبي حيث بين هذا الملف ان (اسرائيل) وقعت مع مجموعة الدول الاوروبية على اول اتفاق تجاري عام 1964 حصلت بموجبه على مساعدة جمركية تفضي بإجراء تخفيضات تصل الى 20% على المنتجات الزراعية والصناعية المصدرة الى تلك الدول. وهي مساعدات قدمت فائدة كبيرة للاقتصاد الاسرائيلي الذي كان بأمس الحاجة اليها لا سيما وانه كان في بداية تشكله. وتطورت العلاقات الاوروبية الاسرائيلية فيما بعد بشكل متسارع حيث وقع الطرفان في عام 1970 اتفاقية تتعلق باعتبار (اسرائيل) طرفا ذا افضلية في التجارة مع السوق الاوروبية كما وقعا اتفاقية اخرى في عام 1975 تعتبر الابرز في تاريخ العلاقات بين الجانبين وتنص على اقامة منطقة للتجارة الحرة واعفاء كل الصادرات الصناعية الاسرائيلية من الرسوم بدءا من منتصف عام 1977 وفيما يتعلق بجانب المعونات المالية للكيان الصهيوني اشار الملف الى ان حجم هذه المساعدات بلغ 1.680 مليار دولار للاعوام من 1992 ــ 1996 اما اهمية هذه الهبات فتأتي من كونها على شكل هبات غير مستردة تقدمها الجماعة الاوروبية (لاسرائيل) او قروض ميسرة طويلة الاجل. وكانت اسرائيل قد حققت كما يؤكد ملف الجامعة العربية تطورات مهمة في مجال العلاقات العلمية مع الاتحاد الاوروبي اهمها دعوتها للانضمام الى المركز الاوروبي للابحاث النووية بصفة مراقب وهو المركز الذي يتعاون مع الكيان الصهيوني منذ اوائل الثمانينيات حيث يسهم العديد من الدول الاوروبية وخاصة المانيا في تطوير صواريخ وبناء طائرات وسفن متطورة في (اسرائيل). وفيما يتعلق بالتعاون العسكري بين الكيان الصهيوني والدول الاوروبية اظهر الملف الذي تناولته الجامعة العربية ان اولى مراحل التعاون العسكري الاسرائيلي الاوروبي تجسدت في مساعدة فرنسا للكيان الصهيوني على بناء ترسانته النووية التي تعد من اخطر انواع الاسلحة الاسرائيلية اضافة الى مساعدة المانيا والعديد من الدول الاوروبية في بناء قوة الجيش الاسرائيلي وتعزيزها. زد على ذلك ان هذه المساعدات الاوروبية تزايدت وتعززت بشكل ملحوظ بعد حرب الخليج الثانية حيث منحت المانيا سلاح البحرية الاسرائيلي ثلاث غواصات من نوع دلفين بعد ان اقرت الحكومة الالمانية بدعم 75% من تكلفة الغواصة الواحدة التي تصل الى 350 مليون دولار يضاف الى ذلك شراء فرنسا من (اسرائيل) خمس طائرات تجسس من دون طيار من نوع هنتر قيمتها 15 مليون فرنك فرنسي وكذلك اتفاق الكيان الاسرائيلي وبريطانيا على صفقة قذائف صاروخية الى بريطانيا قيمتها نحو 60 مليون دولار. واضافة لهذه الصفقات يؤكد ملف الجامعة العربية ان هناك العديد من الاتفاقيات العسكرية وصفقات شراء الاسلحة التي تتم بين الكيان الصهيوني ودول الاتحاد الاوروبي بشكل مستمر.. ومن دون توقف, اما في المجال السياسي فانه يلاحظ ان موقف الاتحاد الاوروبي من الكيان الصهيوني لم يختلف كثيرا عن موقف الولايات المتحدة الحليف الاول والرئيسي لهذا الكيان رغم محاولة الاوروبيين اظهار انفسهم وكأنهم يمارسون سياسة اوروبية مستقلة وخاصة بهم. ولعل ما يمكن رؤيته بوضوح بالنسبة للدور الاوروبي في المنطقة العربية هو ان هذا الدور لم يستطع حتى الآن ان يقدم دليلا واحدا على حياديته تجاه الصراع العربي الاسرائيلي. وانما كانت المواقف الاوروبية على الاغلب مواقف مؤيدة للكيان الاسرائيلي ووجهة نظره. ويتضح ذلك بوضوح من موقف الاوروبيين من الكثير من القضايا التي تثير عملية التسوية العربية الاسرائيلية اذ انهم عبروا بوضوح عن معارضتهم لاقامة الدولة واعلانها من جانب واحد متجاهلين عشرات القرارات احادية الجانب التي اتخذها الكيان الصهيوني من جانب واحد مثل قرارات اقامة المستوطنات او توسيع القائم منها بالاضافة الى تنكر الكيان الاسرائيلي لكل الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية مما قاد عملية التسوية الى متاهة حقيقية وأوصل الامور في المنطقة الى حافة الهاوية ناهيك عن الممارسات التعسفية البغيضة التي تمارسها سلطات الاحتلال ضد المواطنين الفلسطينيين وامعانها المستمر في الاستخدام المفرط في القوة ضد المواطنين الفلسطينيين العزل امام سمع وبصر العالم. ولعل ما يلفت النظر في المواقف الاوروبية ايضا هو مجافاتها للمنطق احيانا حيث دانت فرنسا على سبيل المثال وباعتبارها رئيسة الاتحاد الاوروبي ما اسمته بالاعتداء الذي وقع في الشهر الماضي في بلدة الخضيرة وأودى بحياة اثنين من الاسرائيليين في الوقت الذي امتنع فيه الاتحاد الاوروبي عن توجيه الادانة لاسرائيل على مجازر يومية ترتكب بحق الشعب الفلسطيني. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو الى متى يبقى العرب في حالة من العجز تسمح للقوى الاخرى في العالم بتجاهلهم وتجاهل مصالحهم والى متى تبقى علاقات اوروبا مع العرب ناجحة اقتصاديا من دون ان يكون للاوروبيين دور ايجابي على الصعيد السياسي في المنطقة؟