الملف السياسي : مما لا شك فيه ان اوروبا المجتمعة الآن تحت راية الاتحاد الاوروبي, تشكل قوة عالمية لا يستهان بها, خاصة وأنها نجحت في اصدار عملة موحدة هي اليورو, وبالتالي فقد اصبحت قوة اقتصادية عالمية كبيرة, تستطيع اذا ما أرادت لعب اي دور في العالم وتتمكن من خلاله اثبات وجودها. الا ان الملاحظ اذا ما اخذنا منطقة الشرق الاوسط نموذجا فإننا نجد ان اوروبا لا تكاد تكون موجودة حيث ارتضت لنفسها السير خلف امريكا المنحازة كليا للكيان الصهيوني ضد المصالح العربية. كما انها ارتضت لنفسها ان تلعب دور دافع الشيكات فقط, بمعنى انها هي المعتمدة ماليا لتمويل العملية السياسية في المنطقة فيما تركت امريكا هي التي ترسم حدود هذه العملية, كسيد مطاع في العالم, لا يأبه لرأي او موقف احد, لكنه يطلب منهم تمويل خطته فقط. وهذا هو النجاح الذي حققته اوروبا والذي تمثل في اقامة مشاريع البنية التحتية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية وتمويلها, دون التدخل في مسار العملية السلمية, سوى دور المبعوث الاوروبي الخاص بهذه العملية في الشرق الاوسط وهو (انجيل موراتينوس) الذي سجل اعلى رقم قياسي في زيارات المسئولين العالميين في الشرق الاوسط, وذلك من اجل التهدئة وحث الاطراف المعنية بالعودة الى طاولة المفاوضات عند تعثر العملية السلمية, متسلحا بالوعود الاوروبية المتمثلة بانعاش المنطقة اقتصاديا وماديا عند حلول السلام. لكنه لم يأت ولو مرة واحدة متسلحا ببرنامج عمل سياسي, لأن هذا ليس من اختصاص اوروبا, بل هو حكر على الولايات المتحدة الامريكية التي اثبتت في كل مرة انها ليست وسيطا نزيها, في العملية السلمية ولا يجوز بالتالي ان تكون الراعي الوحيد لها بعد اختفاء الدور الروسي الذي انشغل منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق بالبحث عن القروض لدفع رواتب القوات المسلحة!؟ في كل مرة كان موراتينوس او غيره من مسئولي الاتحاد الاوروبي يزورون دول المنطقة للتوسط بين المعنيين من العرب والصهاينة من اجل استئناف المفاوضات كأن يوجه اليهم السؤال الوحيد * لماذا ارتضيتم بدور دافع الشيكات ولا تستطيعون لعب اي دور سياسي في العملية السياسية؟ كان الجواب يأتي موحدا اننا لا نتدخل في العملية السلمية الا من خلال التمويل وهذا اعتراف واضح وصريح يضعهم امام الولايات المتحدة الامريكية, الا ان الملاحظ ان هذا الجواب بدأ يتغير قليلا, حين قال موراتينوس في الاردن خلال زيارته الاخيرة للمنطقة, ان اوروبا تتمنى ان تلعب دورا سياسيا في العملية السلمية الامر الذي اثلج صدور المعنيين من المسئولين العرب لكن ذلك لم يدم طويلا, حيث لوحظ ان هناك تراجعا في الموقف الاوروبي تجاه القضية الفلسطينية وبالتحديد فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية. وخلال جولته الاخيرة لأوروبا لمس الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات هذا التراجع حين استمع الى نصائح من رؤساء ومسئولي الدول الاوروبية تتعلق بضرورة تأجيل اعلان الدولة الفلسطينية والعمل على الاتفاق مع الصهاينة حول ذلك الامر الذي خلق عدم الارتياح لدى الرئيس الفلسطيني. وردا على هذه الخطوة, فإن رئيس المجلس الوطني الفلسطيني سليم الزعنون الذي زار الجزائر مؤخرا وتباحث مع رئيس الاتحاد البرلماني العربي عبدالقادر بن صالح, حول هذه النقطة سيعود الى الجزائر قريبا من اجل التنسيق مع رئاسة الاتحاد البرلماني العربي, للتحرك المشترك من اجل عقد مباحثات مع البرلمان الاوروبي حول هذه النقطة تحديدا, وحث الاوروبيين على التمسك بمواقفهم السابقة حيال القضية الفلسطينية ودعم قيام الدولة المستقلة. لقد كانت المواقف الاوروبية سباقة لدعم القضية الفلسطينية وذلك منذ مؤتمر البندقية, مرورا بإعلان برلين لكن ذلك بدأ بالتلاشي الامر الذي جعل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يكثف نداءاته للأوروبيين ان يتحركوا جديا لاحتلال مقعد في قطار العملية السلمية وكذلك دعوة روسيا والصين واليابان, للعمل على الحد من الانحياز الامريكي للصهاينة. وبالتالي تقوية الموقفين العربي والفلسطيني وجعل امريكا تشعر بأن امامها قوى اقليمية اخرى. ولو رجعنا الى عمق التاريخ قليلا, لوجدنا ان اوروبا هي الاقرب الى منطقة الشرق الاوسط, بحكم علاقاتها التاريخية الاحتلالية لهذا الاقليم الملتهب وبالتالي فإن التعاون الاقتصادي والارتباط الثقافي هو المفروض ان يكون غالبا على نظرة اوروبا لهذه المنطقة لكن الضعف الاوروبي حيال الموقف الامريكي جعل اوروبا قوة هلالية سياسية ليس الا. ولاخفاء ضعفها, عمدت اوروبا الى تأسيس الشراكة الاوروبية المتوسطية ذات الطابع التنموي الاقتصادي وذلك باشراك الكيان الصهيوني في هذه الشبكة وشموله شيكات التمويل لاقامة المشاريع الاقتصادي مع ان حاجة المنطقة لاوروبا تكمن في اكثر من مشروع اقتصادي بل ترنو الى دور سياسي اساسي يرفع عنها النير الامريكي الذي لايرحم. وازاء كل هذا وذاك يحاول الاوروبيون تبرير عجزهم عن القيام بدور اساسي في الشرق الاوسط, بأن السبب في ذلك يعود الى العرب انفسهم, وعند سؤال كيف ذلك يقولون بأننا بحاجة لموقف عربي قوي نؤسس عليه لبناء موقف اوروبي نحمله الى الولايات المتحدة الامريكية نتسلح به امامها) ومع ان هذه الاجوبة تحمل بعضا من الحقيقة المرة فإن هذا ليس تبريرا منطقيا, من قبل قوة عالمية كبرى مثل اوروبا ذات الارتباط التاريخي بمنطقة الشرق الاوسط والتي ستتضرر مباشرة اذا ما اتسعت دائرة الصراع في المنطقة عكس امريكا التي سينالها بعض الضرر الذي سيصيب بعض مصالحها مثل تفجير سفارة هنا او هناك, او ضرب هدف عسكري كما حدث للمدمرة كول في اليمن مؤخرا, اما اوروبا وبحكم قربها من المنطقة فإنها لن تكون بعيدة عن هذا الصراع. الحقيقة المرة الكامنة في الموقف العربي, هو الارتهان الكلي لامريكا وتسويق فكرة انها تمتلك 99.99% من اوراق اللعبة في المنطقة وبالتالي لا يستطيع العرب الخروج من تحت عباءتها والتمرد عليها حتى لو كان يعود ذلك بالفائدة عليهم, وهذا صحيح ولا ننكره حيث ان الجميع يرون في امريكا بعبعا مخيفا, يهدد وجودهم وكراسيهم ودليل ذلك هذا الهدوء القاتل الذي يلف الشوارع العربية والاسلامية تجاه انتفاضة الاقصى المباركة التي يخوضها الشعب الفلسطيني دفاعا عن الاقصى ونيابة عن الامتين العربية والاسلامية, وبالتالي اصبح الامر لا يعني احدا من العرب والمسلمين, وعليه فرض على الفلسطينيين كما هي العادة ان يكونوا وحدهم في المعركة. ومع هذا فإن اوروبا غير معفاة من المسئولية ان تلعب دورا ايجابيا تجاه الشعب الفلسطيني. ومن ضمن التبريرات الاوروبية الاخرى لضعفهم ولعبهم دورا هامشيا في الشرق الاوسط, تذرعهم بالضغط الصهيوني المتمثل باللوبيات اليهودية الصهيونية في دولهم, وسيطرتها على صناع القرار, الامر الذي يؤدي الى ارتهان البعض للموقف الصهيوني طمعا في دعم مادي وانتخابي, وتمثل ذلك في زيارات العديد من المسئولين الاوروبيين مثل رئيس وزراء فرنسا الذي وصف حزب الله اللبناني بالارهاب, مما اضطر الفلسطينيين برجمه بالحجارة عند انتقاله الى فلسطين, وكذلك وزير خارجية ايطاليا الذي يتحدث بلغة الصهاينة ويصف المسجد الاقصى. بجبل الهيكل. وغيرهما كثيرين بالطبع. ولقد واجه الرئيس الفرنسي جاك شيراك مؤخرا مشكلة نجمت عن اتهام باراك له بدعم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات اثناء قمة باريس الاخيرة, حيث اتهمه بأنه حرض الرئيس الفلسطيني على عدم التجاوب مع اطروحاته وخلق له مشكلة في الشارع الفرنسي, حين نظم اليهود ومؤيدوهم من الفرنسيين مظاهرات ضد الرئيس شيراك, الامر الذي يشكل اختراقا للسيادة الفرنسية وتعديا على كرامة فرنسا وتدخلا سافرا في عملية صنع القرار فيها. كما ان هناك زاوية قوية في خارطة الضعف الاوروبي تتمثل في استمرار هلع الاوروبيين مما يسمى الهولوكوست اليهودي. وهذا الهلع الذي لا معنى له كلف اوروبا كثيرا, من الناحية المادية حيث بلغ حجم الابتزاز الصهيوني لألمانيا على سبيل المثال حتى عام 1994 ما يقارب 14 مليار دولار, اما بقية دول اوروبا مثل فرنسا على وجه التحديد, فإن اللوبي اليهودي هناك يصول ويجول, وما حدث للمفكر الفرنسي المسلم روجيه جارودي وناشر بحثه بييرغيوم, له دليل حي على ذلك, حيث يساق المحددون الى المحاكم ويحاكمون ويبحثون ويغرمون ليس لذنب اقترفوه الا لانهم دعوا الى التخفيف مما يسمى بالهولوكوست اليهودي, مع ان هناك مؤرخين يهودا جددا يعيشون داخل الكيان الصهيوني يدعون الى النظر في هذا الملف, لتبيان الحقيقة, واثبات ان ما جرى وما قيل عنه, مبالغ فيه. كل ذلك بالطبع نابع عن الضعف الاوروبي, ولو ان اوروبا اظهرت بعضا من قوتها, لشكلت جانب ردع للصهاينة والامريكان ان يتدخلوا في شئونها الخاصة ويتوقفوا عن ابتزازها. لا ننكر ان اوروبا تعاني من بعض نقاط الضعف فإضافة الى ما سبق, نجد ان بريطانيا تشكل كعب اخيل لاوروبا فهذه المملكة العجوز الضعيفة اقتصاديا وعسكريا ارتهنت للموقف الامريكي وشكلت خطرا كبيرا على اوروبا التي تنتمي اليها, وزاد من ضعفها السياسي, واربكتها في كثير من الاحيان. ومن المعروف ان اوروبا من اكبر دعاة حقوق الانسان في العالم, ولكنها وبسبب هشاشة موقفها السياسي تقف عاجزة عن القيام بدور تجاه المجازر الوحشية التي يرتكبها الجنود الصهاينة الموجهين بأوامر قادتهم العسكريين والسياسيين ضد الشعب الفلسطيني, وحتى الاطفال العزل لا يسلمون من الارهاب الصهيوني, اضافة الى المسيحيين الفلسطينيين في بيت لحم والقدس وبيت ساحور وبيت جالا, حيث يتعرضون للقصف الهمجي الذي يدمر بيوتهم ويقتل اطفالهم, كل ذلك ولا تحرك اوروبا ساكنا من اجل لجم هذا الغول الصهيوني المسعور والمتعطش لسفك الدماء وقتل الابرياء. وما حدث مع ممثلة حقوق الانسان الاوروبية (ماري روبنسون) في الكيان الصهيوني مؤخرا, له دليل بين على هذا الشعار الصهيوني فهي شخصيا لم تسلم من الارهاب الصهيوني, عندما اعتدى عليها المستوطنون الصهاينة ورجموها بالحجارة ولكنها لم تفعل شيئا سوى التوصية لأمين عام الامم المتحدة بإرسال قوة دولية لحماية الفلسطينيين.