الملف السياسي : رغم أن المواقف الأوروبية بالنسبة لقضايا منطقة الشرق الأوسط لم تكن فى يوم من الأيام مساندة أو مناصرة للحق العربى, فإن الموقف الأوروبى الأخير والخاص بانتفاضة الأقصى جاء بمثابة صدمة كبيرة للطرف ، العربى والذى فشل خلال اجتماعات مرسيليا الأخيرة فى أن ينتزع حتى مجرد إدانة (كلامية) من الاوروبيين للمجازر الوحشية التى ترتكبها الآلة العسكرية الصهيونية ضد الأطفال العزل فى الأراضى المحتلة, رغم تشدقها المستمر بالحديث عن حقوق الإنسان, وكأن الإنسان الفلسطينى خارج نطاق هذه الحقوق.. المواقف الاوروبية كانت دوما إما منحازة للطرف الاسرائيلى, أو مائعة تقف على الحياد رغم وضوح الحق ومعرفة من هو الجانى, ومن المجنى عليه, فهى دائما لديها من التوازنات ما يجعلها تتمسك بهذا الخط, وتكتفى بمجرد ارسال مبعوثها للسلام فى الشرق الاوسط الذى لم يستطع حتى الآن أن يقدم أية اضافة للعملية السلمية, والغريب فى الامر هو هذا الاصرار الأوروبى على القيام بدور التابع للولايات المتحدة الذى يجد رفضا من جانب الطرف العربى, فى حين أن حجم المصالح الاوروبية مع العرب لا يستهان به ويفوق كثيرا حجم مصالحها مع الطرف الاسرائيلى.. (الملف) التقى بالخبيرين الاستراتيجيين اللواء طلعت مسلم ود.جمال الدين مظلوم للحديث حول السر فى اصرار الاتحاد الأوروبى على اتخاذ المواقف السلبية تجاه الحق العربى فى قضية الشرق الاوسط, واصراره فى الوقت نفسه على أن يكون مجرد تابع وذيل للولايات المتحدة, وإمكانية أن تخرج أوروبا وتقف الى جانب الحق العربى والفلسطينى وأخيرا حجم المصالح الأوروبية مع العالم العربى مقارنة بالدولة الصهيونية. استمرار العجز الأوروبى بداية يرى الخبير الاستراتيجى اللواء طلعت مسلم أن تراجع وتخاذل الدور الاوروبى لا يشمل فقط القضايا العربية ولكنه يمتد الى كل القضايا وبما فيها القضايا المتعلقة بأوروبا نفسها, ونحن هنا نذكر أن الولايات المتحدة هى التى استطاعت ان تنهى مشكلة البوسنة والهرسك من خلال التدخل العسكرى فى حين أن اوروبا ورغم أن المشكلة تخصها بالمقام الاول لكنها فشلت في اتخاذ المواقف التى تتيح لها التعاطى مع المشكلة, لقد توقع البعض أن ينشط الدور الاوروبى على الصعيد العالمى فى أعقاب انهيار وسقوط الاتحاد السوفييتى ولكن الذى حدث هو استمرار العجز الأوروبى والقبول بدور التابع للولايات المتحدة فهناك اصرار أوروبى غير مفهوم على الاستمرار فى القيام بهذا الدور. ويعتقد اللواء طلعت مسلم أن هذا الاصرار الأوروبى على القيام بدور التابع أو الذيل للولايات المتحدة هو عدم رغبتها فى المشاركة فى التكاليف المادية, فمعروف ان هى أرادت القيام بأدوار ايجابية على الساحة الاقليمية والدولية فعليها ان تتحمل بعض الاعباء المالية التى يتطلبها ذلك, وهى مازالت ترضى بأن تتولى الولايات المتحدة القيادة وأخذ المبادرات فى مختلف القضايا على الصعيد العالمى بما فيها القضايا الأوروبية نفسها, على أن تظل أوروبا بعيدة عن الفاتورة التى تنشأ نتيجة التدخل لحل هذه القضايا وتكتفى بالمشاركة الرمزية فيها حتى ان الولايات المتحدة نفسها طالبت أوروبا فى مرات عديدة أن تتقدم وتتولى مسئولياتها تجاه بعض القضايا ولكنها كانت ترفض خوفا من التورط فى التكاليف, وهذا يعكس القيم الاوروبية التى صارت قيما مادية بالأساس فهى تقوم بعمل توازنات عديدة قبل أن تقدم على أية خطوة, ولذلك يجب أن نتفهم موقفها بالنسبة للقضايا العربية فهي تركت الأمور كلها للولايات المتحدة واكتفت بأن ترسل مبعوثها للسلام فى الشرق الأوسط ليقوم بالجولة وراء الجولة دون أن تكون هناك أية خطوات جادة وفعلية أو مشاركة حقيقية منهم فى حل القضايا الخلافية فى المنطقة, بل أن مسئوليها يؤكدون دوما أن الولايات المتحدة هى المنوطة بحل الصراع العربى الاسرائيلى, وانهم قد يشاركون بالرأى أحيانا بمساعدات بسيطة للغاية, أما مطالبتهم باتخاذ مواقف أكثر من هذا فهو أمر غير وارد بالنسبة للأوروبيين. مواقف اكثر ايجابية ولكن هناك حجم مصالح أوروبية كبير مع الجانب العربى الا يتطلب هذا من الجانب الأوروبى أن يتخذ مواقف أكثر ايجابية بالنسبة للقضايا وخاصة بالنسبة لصراعنا مع العدو الصهيونى؟. يجيب اللواء طلعت مسلم: لا شك أن حجم المصالح الأوروبية مع الجانب العربى كبير للغاية سواء تبادل تجارى أو باعتبار أن الدول العربية تعد سوقا رائجة للمعدات العسكرية الأوروبية وهناك العمالة العربية الموجودة في أوروبا وغيرها من الامور, وكذلك النفط العربى, ولكن المشكلة هنا تكمن فى أن الجانب العربى لا يستطيع توظيف المصالح الأوروبية لديه بحيث يجبر الأوروبيون على اتخاذ المواقف التى تتمشى مع المصالح العربية, فحتى الآن لم ينسق العرب فيما بينهم من أجل توظيف هذه المصالح والامكانات العربية من أجل خدمة قضاياهم فمازالوا يذهبون الى الاجتماعات المتوسطية الأوروبية فرادى كل طرف يتحدث عن نفسه, هذا يوقع, والآخر يفكر وهكذا دون تنسيق للمواقف العربية, لابد أن يكون هناك تنسيق فى المواقف العربية وبحيث تكون لدينا القدرة على اشعار الجانب الاوروبى أن مصالحه معنا فى خطر وسوف تتأثر فى حالة استمرارهم فى اتخاذ المواقف التى لا تدعم الحقوق العربية, لابد أن تكون هناك يقظة عربية والا تترك أى موقف للدول الأوروبية دون أن يكون هناك موقف عربى مواز له, إذا ساندوا قضايا تستمر مصالحهم معنا, اذا تخلوا عنا واستمروا فى اتخاذهم المواقف المساندة للدولة الصهيونية نتخذ من الاجراءات مايشعرهم أن مصالحهم بالتأكيد سوف تتأثر نتيجة مواقفهم هذه. وحول إمكانية ان تخرج أوروبا من صمتها ومواقفها المتخاذلة وتقف الى جانب الحق والعدل وحقوق الإنسان فى فلسطين والحق العربى عموما يقول اللواء طلعت مسلم: هذا ممكن ولكنه يظل مرهونا بقدرة العرب على توحيد صفوفهم واستغلال امكانياتهم الاقتصادية والسياسية وغيرها واتخاذ المواقف التى من شأنها أن تجبر الآخرين سواء كانت اوروبا أو غيرها على الوقوف الى جانب الحقوق العربية, وطالما أنه وفى ضوء المعطيات الحالية على الساحة العربية هناك صعوبة فى وجود مثل هذه المواقف العربية, فأوروبا لن تتخلى عن سياستها ومواقفها الحالية المنحازة الى حد ما إلى الطرف الاسرائيلى, أى أنه اذا أردنا تغيير مواقف الآخرين فعلينا نحن فى البداية أن نغير من استراتيجيتنا وبحيث نستثمر امكاناتنا لاجبار الاخرين على اتخاذ المواقف الايجابية لابد أن نشعرهم أن لكل موقف ثمنه, فليس معقولا ألا يقف أى طرف مع قضايانا ونحن نمد له يد العون والمساعدة ونحمى مصالحه, فلاشك أنه اذا شعرت اوروبا أن مصالحها سوف تتأثر وانها فى خطر فسوف تسارع باعادة حساباتها وتوازناتها بالنسبة لمواقفها المختلفة فيما يتعلق بالقضايا العربية. ضبط النفس وعن السر فى اتخاذ أوروبا مواقف داعمة للجانب الصهيونى رغم أن مصالحها معه ليست بنفس حجم مصالحها مع الطرف العربى يرى اللواء طلعت مسلم أن هذا يعود بالدرجة الأولى الى ان اسرائيل لديها القدرة على أن توظف المصالح الأوروبية البسيطة لديها لخدمة قضاياها فهى تجيد المساومة وكيفية الاستفادة بكل صغيرة وكبيرة لتستفيد ويكفى انها من آن لآخر تدفع بموضوع المحارق النازية لليهود على السطح من أجل الحصول على المساعدات الأوروبية بشكل عام والألمانية بشكل خاص, كما أنه يجب ألا ننسى أن الأوروبيين ينظرون الى اسرائيل على أساس انها بوابة الوصول الى الولايات المتحدة, فأوروبا لاتضع استراتيجيتها فى التعامل مع اسرائيل على أساس مصالحها معها فقط, ولكنها تأخذ فى الاعتبار ان اسرائيل والولايات المتحدة كيان واحد ومن هنا فهى تخطب ود اسرائيل وتحرص دوما على أن تكون مواقفها فى غالبها مائعة لا تقف مع الحق رغم وضوحه وحتى لا تغضب الولايات المتحدة منها, ويكفى الاشارة هنا الى موقفها من الانتفاضة الفلسطينية لقد اكتفى الاتحاد الاوروبى بالمطالبة بضبط النفس ووقف العنف وهو فى ذلك يساوى بين الجاني والمجنى عليه, الجانب الأوروبى لم يستطع أن يقر بالحقوق الفلسطينية وان ما يفعله الأطفال الفلسطينيون من حملهم للحجارة فى وجه الآلة العسكرية الصهيونية هو ممارسة لحق المقاومة والكفاح المسلح ضد قوة الاحتلال. الأوروبيون لم تواتيهم الجرأة ليقولوا ذلك بل اكتفوا بالمطالبة بوقف العنف وكان موقفهم فى اجتماعات مرسيليا الأخيرة متخاذلا ومخيبا للآمال العربية وهذا كله يعود الى الجانب العربى الذى مازال حتى وقتنا هذا لا يجيد الاستفادة من الاوراق والامكانات العديدة المتاحة له. مصالح خاصة ويتفق د. جمال الدين مظلوم الخبير الاستراتيجى مع اللواء طلعت مسلم فى أن الجانب العربى هو المسئول الرئيسى عن المواقف الأوروبية المتخاذلة تجاه قضاياه وذلك بسبب اصرار الدول العربية على التعامل مع الأوروبيين فرادى فكل دولة تسير فى علاقاتها سواء مع الطرف الاوروبى أو أى من الأطراف الدولية الأخرى بصورة فردية ولخدمة مصالح خاصة دون أن يكون هناك أى تنسيق عربى شامل وموحد بين الدول العربية وتوظيف للامكانات, هذه الفردية فى التعامل تجعل الاطراف الأخرى ومنها الطرف الأوروبى لا يخشون جانبنا لأنه لا توجد استراتيجية ثابتة للتعامل مع الآخرين, فمثلا اذا اتخذ الاتحاد الاوروبى مواقف تضر بالمصالح العربية ومنها تلك التى لا تدعم الحق العربى فى صراعه من اسرائيل نجد أن رد الفعل العربى لا يخرج عن بعض البيانات الحماسية الغاضبة أحيانا ثم ما تلبث أن تهدأ ودون اتخاذ أي اجراءات تشعر الأوروبيين بأنهم اخطأوا, ولذلك فهم يتمادون فى سياساتهم المنحازة لاسرائيل, وهذا يعود الى عدم وجود استراتيجية عربية ثابتة فلو عرف الأوروبيون أن العرب لديهم خطوات واجراءات اتفقوا عليها مسبقا للتعامل مع الدول التى تحيد عن الحق عند الحديث عن الصراع العربى الاسرائيلى لفكروا وراجعوا انفسهم كثيرا قبل أن يقدموا على اتخاذ المواقف التى تغضب الجانب العربى. ويشير د. جمال الدين مظلوم الى أنه فى هذا الاطار قد آن الاوان لكى يتفق العرب على اقامة السوق العربية المشتركة بحيث يتم التعامل معهم على أساس انهم قوة اقتصادية لا يستهان بها, وبالتالى تجبر الدول الأوروبية على أن تتعامل مع الجانب العربى كوحدة واحدة لها ثقلها وقوتها الاقتصادية والسياسية وفى هذه الحالة من المؤكد أن الأوروبيين سيعيدون حساباتهم فى التعامل مع القضايا العربية, وليس هم فحسب ولكن كل الأطراف الدولية الأخرى, وهذه السوق العربية المشتركة من حسن حظ العرب أن كل مقوماتها موجودة سواء من ناحية الموارد الطبيعية والبشرية والامكانات الاقتصادية الكبيرة ولم يعد هناك الا أن تكون هناك رغبة وجدية واحساس عربى بأهمية هذه السوق لوجودهم ولتقدمهم فلم يعد هناك فى هذا العصر اي مجال لدول فرادى فهو عصر التكتلات واذا لم نتعامل مع الآخرين من خلال تكتل اقتصادى قوى فسوف لا يعمل لنا أى حساب وعندها لا ننتظر منهم أن يتخذوا تأييدا لنا ولقضايانا. نفوذ كبير ويعتقد د. جمال الدين مظلوم أنه لا أمل فى أن تغير الدول الأوروبية من مواقفها الداعمة والمنحازة لاسرائيل فى الوقت الراهن فهناك على حد قوله مصالح أوروبية مع اسرائيل فهى تعتبرها بوابة الى الولايات المتحدة, كما تخشى الدول الأوروبية جانب الجاليات اليهودية الموجودة لديها وهى جاليات تتمتع بنفوذ كبير وامكانات مالية ضخمة, فاليهود معروف أنهم ملوك المال فى أوروبا والولايات المتحدة وهؤلاء اليهود يضغطون على حكوماتهم الأوروبية لاتخاذ المواقف المؤيدة والمنحازة للجانب الصهيونى, ولذلك فليس متوقعا وخاصة فى ظل استمرار الوضع العربى على ما هو عليه, حدوث أى تغير فى السياسات الأوروبية تجاه قضايا الشرق الأوسط, فأوروبا تربطها حاليا علاقات اقتصادية قوية مع اسرائيل فهناك اتفاقات تفصيلية بينهما فى مجال التبادل التجارى وكذلك بالنسبة للبحوث العلمية فأوروبا حريصة على استمرار التفوق العلمى والتكنولوجى الاسرائيلى وتقوم بامدادهم بالمواد الخام وتساعدهم بالأبحاث حتى يستمر ذلك, بل أنهم يشجعونهم على استيراد بعض المعدات العسكرية الاسرائيلية. ولكن مع ذلك يرى د. جمال الدين مظلوم انه وبرغم هذه العلاقات الأوروبية الاسرائيلية المتميزة, فإن المصالح الاوروبية لدى الجانب العربى كبيرة وخاصة المصالح الاقتصادية, فالأرقام تشير الى أن هناك زيادة كبيرة فى حجم الصادرات الأوروبية الى الدول العربية فى حين ان وارداتها تتوقف عند بعض المشتقات البترولية, أيضا الدول العربية وخاصة المتوسطية تعتبر الحزام الجنوبى لأوروبا وأية مشكلات قد تحدث فى هذه الدول فلا شك أنها سوف تصدر اليها ولدينا المثال على ما تعانيه أوروبا من طوفان الهجرة التى يقوم بها مواطنون من دول المغرب العربى, فضلا عن الواردات العربية من الصناعات الحربية الاوروبية والتى يرى بعض المحللين الاقتصاديين انها لا تقل بحال من الأحوال عن 20 مليار دولار سنويا, وهذا رقم يعمل له ألف حساب, فلو أحسن العرب الاستفادة من حجم المصالح هذه فمن المؤكد أنهم يستطيعون دفع الأوروبيين لاتخاذ المواقف التى تساند وتناصر قضاياهم. ويعتقد د. جمال الدين مظلوم أن اتفاق العرب على دورية انعقاد القمة فى اجتماعهم الأخير يعد خطوة مهمة على الطريق الصحيح لأنه ستكون هناك فرصة من خلال دورية الاجتماعات لاتخاذ المواقف المناسبة تجاه الاطراف الأخرى, ودون انتظار وكما كان يحدث فى السابق أن ننتظر عقد القمة العربية لاتخاذ المواقف وغالبا كانت هذه القمة يتأخر عقدها لسنوات وهو ما كان يعرقل العمل العربى المشترك أما الآن وفى ظل دورية انعقاد القمة فهناك فرصة لتفعيل العمل العربى المشترك من خلال الاتفاق على آليات جديدة وخاصة أن القمم العربية ستكون فرصة لتجاوز الخلافات العربية ــ العربية والاتفاق على الكيفية التى يتم بها التعامل مع الأطراف الأخرى وخاصة تلك التى لا تساند قضايانا.