الملف السياسي : إنعكس التخاذل الأوروبي إزاء قضية الانتفاضة الفلسطينية فيما جرى في مؤتمر الشراكة الأوروبية المتوسطية الذي عقد في مرسيليا يومي 16,15 نوفمبر الماضي, وضم دول الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة و12 دولة متوسطية بينها إسرائيل, حيث تحول هذا المؤتمر إلى محاكمة عربية لأوروبا على غياب دورها الفاعل في الشرق الأوسط, ونقد مرير لحيادها الحذر الذي وضعه الوزير الفلسطيني نبيل شعث بقوله: (إن أوروبا تريد أن تلعب دورا بدون موافقة إسرائيل, بينما إسرائيل لا تريدها أن تلعب أي دور). ولقد تمكنت الوفود العربية المشاركة في هذا المؤتمر من مخاطبة ممثلي الدول الأوروبية بصراحة متناهية, وتحذيرهم من مغبة سلبية الدور الأوروبي إزاء اشتعال الموقف في الأراضي المحتلة بسبب الممارسات الاجرامية لإسرائيل ضد الشعب الفلسطيني, وانعكاس ذلك على الأمن الأوروبي الذي سيتأثر بالضرورة بكل ما يجري جنوب البحر المتوسط. ولقد اتخذت الوفود العربية المشاركة في هذا المؤتمر أربعة مواقف سياسية مهمة وقوية لا سابق لها في أي مؤتمر عربي أوروبي, وذلك نتيجة الانتفاضة الفلسطينية وتداعياتها المختلفة: الموقف الأول: الانتقاد العلني الشديد للموقف الأوروبي, ووصفه بأنه غير مقبول وغير أخلاقي, وذلك بعدما رفضت الدول الأوروبية إدانة الممارسات العميقة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. وذهب نبيل شعث إلى حد القول: ليس ممكنا لأوروبا أن تقف على الحياد لأن ذلك موقف غير أخلاقي, إذ أن الحياد غير ممكن بين المحتل والخاضع للاحتلال, وبين المعتدي والمعتدى عليه, وبين المجرم والضحية. الموقف الثاني: هو أن الوفود العربية أثارت قضية ضرورة تأمين حماية دولية فعالة لأبناء الضفة الغربية وغزة في مواجهة الإسرائيليين, وإنتقدت الدول الأوروبية لأنها رفضت اقتراحا بارسال قوة حماية دولية إلى الضفة وغزة. الموقف الثالث: إلحاح الوفود العربية على الدول الأوروبية لكي تلعب دورا أكبر وأوضح وأقوى للتأثير على مجرى عملية السلام في اتجاه تطبيق قرارات الشرعية الدولية وتحقيق السلام الشامل والعادل يتخطى دورها القائم كممول فقط لهذه العملية. الموقف الرابع: رفض الدول العربية التوقيع على البيان الختامي لهذا المؤتمر رغم أنه تضمن دعوة لاقامة دولة فلسطينية مستقلة في فترة قصيرة عبر التفاوض, وهو ما يشكل تقدما في الموقف الأوروبي قياسا إلى مؤتمر برلين الأوروبي الذي عقد قبل أشهر. ولقد اعترف ممثلو الدول الأوروبية في هذا المؤتمر بمحدودية دورهم ومركزية الدور الأمريكي. إلا أن فرنسا التي ترأس الاتحاد الأوروبي حاليا حرصت على تحميل مسئولية ضعف الموقف الأوروبي الفاعل إلى صعوبة اقناع 15 دولة بموقف واحد يتجاوز الحد الأدنى. قد يرجع البعض السبب في الموقف المتخاذل الذي تتخذه أوروبا من القضية الفلسطينية إلى الضغوط الأمريكية التي ترفض التدخل الأوروبي في عملية السلام حتى لا تتدعم المصالح الاقتصادية والتجارية الأوروبية في المنطقة على حساب المصالح الأمريكية, ويرجعه آخرون إلى قوة اللوبيات الصهيونية في دوائر صنع القرار السياسي في الدول الأوروبية, حيث تمارس هذه اللوبيات ضغوطا لمنع اتخاذ أية مواقف أوروبية في غير صالح إسرائيل. كما تثار أسباب أخرى حول صعوبة بلورة موقف أوروبي موحد تجاه هذه القضية لاختلاف مواقف ومصالح الدول الأوروبية داخل الاتحاد, باختلاف حساسيتهم تجاه ما يسم( بـ (اضطهاد اليهود في أوروبا), إلى جانب عدم بلورة موقف عربي موحد يفرض مطالبه من أوروبا حيال الصراع العربي الإسرائيلي. ومن المؤكد أن كل هذه الأسباب وغيرها أيضا وراء ضعف وتخاذل الموقف الأوروبي من قضية الانتفاضة, وربما يدل على ذلك موقف فرنسا والتي تعتبر أكثر الدول الأوروبية تعاطفا مع القضية الفلسطينية حيث أمر الرئيس الفرنسي جاك شيراك بألا يعيد التلفزيون الفرنسي عرض الفيلم الذي أخذه مصور فرنسي لمقتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة على أيدي الجنود الإسرائيليين. إلا أنه من المهم علينا كعرب أن ندرك حقائق مهمة في الموقف الأوروبي تتمثل في الأتي: أن أوروبا لا تتحدث بصوت واحد سياسيا, فبريطانيا لا تختلف مع واشنطن مهما كانت الظروف, وألمانيا وهولندا عاجزتين عن تجاوز تبعات المرحلة النازية, وعلاقتهما مع إسرائيل تحسب بميزان الذهب. وفعالية فرنسا جاءت من حاجة دمشق إلى طرف يساندها بعد تفكك الاتحاد السوفييتي, وارتباطها العاطفي والتاريخي بلبنان. أما أسبانيا وإيطاليا فلا تطمحان إلى أكثر من نقل الرسائل بين الدول العربية وإسرائيل. ومن ثم لايمكن الحديث عن دور ضاغط للاتحاد الأوروبي رغم وزنه الاقتصادي, يتأكد ذلك من حقيقة قريبة تتمثل في استنجاد أوروبا بالولايات المتحدة لحل أزماتها الخاصة في البوسنة وكوسوفو, الأشد تهديدا للأمن الأوروبي من القضية الفلسطينية, لذلك اكتفت أوروبا بالقيام بدور الممول في عملية السلام بما تمنحه من مساعدات مالية للسلطة الفلسطينية (35.5 مليارات يورو للفترة من 2000ــ ,2006 بالاضافة إلى قروض ميسرة من البنك الدولي للاستثمار بقيمة 4.7 مليارات يورو), وتعيين مبعوث أوروبي خاص لعملية السلام هو السفير (ميجل موراتينوس) والذي اعترف بتهميش دور الاتحاد الأوروبي في هذه العملية رغم كونه الممول الرئيسي لها. لذلك نجد أن الاتحاد الأوروبي نادرا ما قام باتباع أية سياسات في الشرق الأوسط دون اعتبار مصالح الولايات المتحدة, وبالتالي فإن كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل تقومان بفرض تقسيم الأدوار, حيث تلعب واشنطن دور الوسيط الخارجي, الوحيد بينما يقوم الاتحاد الأوروبي بتوفير أكبر قدر من المساعدات المالية اللازمة لعقد أي إتفاق يصل إليه الأطراف يساعد على ذلك عجز الاتحاد الأوروبي عن وضع تعريف واضح لمصالحه في الشرق الأوسط وفي صياغة سياسات خارجية واضحة نظرا لوجود الكثير من الانقسامات الداخلية في هياكله التنظيمية, مما جعل عملية السلام العربي الإسرائيلي في ذيل قائمة الاهتمام للكثير من الدول الأوروبية. إن أوروبا الغربية لها رئتان للتنفس: الأولى حوض الراين, والثانية شمال أفريقيا.. وبما أن المانيا شريك فرنسا وغريمها الرئيسي في قيادة الاتحاد الأوروبي احتكرت لنفسها التنفس من خلال الرئة الأولى أي حوض الراين. شاملا أوروبا الشرقية ودول اسكندنافيا, فلم يعد أمام فرنسا لكي لا تختنق في قارتها تحت وطأة الهيمنة الألمانية إلا توسيع مجال تنفسها في شمال أفريقيا ممتدا إلى بقية الساحل العربي للبحر المتوسط. ومن هنا تظهر الأهمية الاستراتيجية للعالم العربي في سياسة فرنسا الدولية. فهو بوضوح قاطع المجال الحيوي لفرنسا إذا أرادت أن تحتفظ بالندية أمام المانيا في قيادة أوروبا. ولأن مفهوم المجال الحيوي الجديد يعني الشراكة الاستراتيجية والاقتصادية بدلا من الاستعمار والسيطرة. وهذا بالضبط ما تطبقه المانيا بنجاح فائق وصامت في أوروبا الشرقية واسكندنافيا, للتوسع شرقا. إذن ما تريده فرنسا في نهاية المطاف من العالم العربي هو أن يكون شريكها الاستراتيجي والاقتصادي, لأن ذلك شرط حيوي لازدهار اقتصادها ولتمتعها بمكانة سياسية تعزز مكانتها الأوروبية والدولية, بالطبع إلى جانب تمتعها بميزة احتكار السلاح النووي والفيتو في مجلس الأمن بين جميع الدول في أوروبا القارية التي تستثنى منها عادة روسيا وبريطانيا. ولكي تحصل فرنسا على هذه المكانة المميزة في العالم العربي, فإنها اختارت منذ ديجول وحتى شيراك اليوم المدخل السياسي الصحيح إلى المنطقة العربية, وهو الصراع العربي الإسرائيلي, من خلال تطوير علاقات سياسية واقتصادية مع العالم العربي, وإن لم تكن قد بلغت بعد مرحلة الشراكة الاستراتيجية بسبب التحالف العربي السوفييتي في السابق, ثم شهر العسل الغربي الأمريكي حاليا. إلا أن فرنسا رغم ذلك مستمرة في سياساتها من أجل تحقيق هذه الشراكة الاستراتيجية. ومن هنا يمكننا أن نفهم الكثير من المواقف الفرنسية المؤيدة نسبيا للعرب في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. * كيف الوصول إلى دور أوروبي مساند للقضية الفلسطينية؟ يجب أولا على الأجهزة السياسية الاعلامية في العالم العربي أن تسعى إلى تخليص العقلية الأوروبية من عقدة (اضطهاد اليهود), وذلك بتنشيط الذاكرة الأوروبية بممارسات اليهود المفسدة في المجتمعات الأوروبية ابان القرون من الثاني عشر وحتى القرن العشرين, ومحاولاتهم للسيطرة الاقتصادية والسياسية على هذه المجتمعات, مما دفع هذه المجتمعات إلى طرد اليهود من أراضيها فيما عرف (الاجلاء الأكبر لليهود في أوروبا) عام ,1360 ومحاكم التفتيش في أسبانيا ,1492 وعندما عاد اليهود إلى البلدان التي طردوا منها في أوائل القرن الخامس عشر, رجعوا إلى ممارساتهم الافسادية, فطردوا مرة أخرى في عام 1744. وهكذا كان حالهم حتى قدوم الرايخ الثالث في المانيا بزعامة هتلر الذي أدرك خطورتهم ليس فقط على المانيا بل على كل أوروبا والعالم, فقام بمحاصرة أنشطتهم وطردهم وتصفيتهم. ورغم ما ثبت علميا وماديا من استحالة تنفيذ ما يزعمه اليهود حول حرقهم في الأفران, وهي الاكذوبة الضخمة التي استخدموها في ابتزاز العالم, إلا أن من الثابت أنهم كانوا في حالة شتات ولفظ وطرد واضطهاد من جانب المجتمعات الأوروبية, دفعهم إلى المجيء إلى فلسطين بجانب معتقدات يهودية باطلة حول حقوق مزعومة لهم فيها. فكيف يمكن الحديث عن الصراع العربي الاسرائيلي بعيدا عن مسئولية أوروبا عن هجرة هؤلاء اليهود إلى فلسطين ؟! وكيف يتحمل العرب هذه المسئولية دون الأوروبيين ؟ وبالتالي فإنه بالعودة إلى الأصول سنجد أن طرفي الصراع في الأصل هما أوروبا واليهود, وأن أوروبا قد أنشأت إسرائيل بسبب اضطهادها لليهود, ومن ثم فإن المعاناة والاضطهاد اللذين يتعرض لهما الفلسطينيون اليوم على أيدي اليهود تتحمل أوروبا مسئوليته, لأنها هي التي لفظتهم ودفعتهم إلى إقامة دولتهم في فلسطين على حساب شعبها وإذا كان العرب قد تحملوا وزر اضطهاد اليهود في أوروبا خلال النصف الأول من القرن العشرين, فإنهم قد تحملوا أيضا نتائج ازدهار دولتهم إسرائيل على أرض فلسطين في النصف الثاني من ذاك القرن. وبالتالي على الأوروبيين أن يدركوا. حقيقة أخرى مهمة, وهي أن حركة البندول من اضطهاد اليهود إلى ازدهارهم في إسرائيل على نحو لم يسبق له مثيل, إنما هي حركة وارد أن تتحول إلى الاتجاه العكسي. ذلك أن العنصرية التي عاناها اليهود في الماضي أصبحت عنصر قوة لهم في الحاضر. وأن تسلط اليهود على مواقع اقتصادية وسياسية واعلامية كثيرة في أمريكا وأوروبا, لابد أن يثير من جديد صورا عنصرية للعداء للسامية. وهو ما نشهده من وقت لآخر, وسوف يغذيه احتدام الصراع العربي الإسرائيلي. وإذا كانت أوروبا تسعى إلى شراكة أو تعاون اقتصادي أوسع مع العرب, فإن ذلك لا يتأتى إلا في مناخ يتوافر فيه الأمن والسلام, وهما غير متاحين حاليا في الشرق الأوسط بسبب الممارسات العدوانية الإسرائيلية. فالأمن والاقتصاد صنوان لا يفترقان, فإذا كانت أوروبا التي تحصل على 29 مليار دولار سنويا من تجارتها مع العرب, الذين يستوردون 48% من احتياجاتهم من أوروبا, كما تستورد أوروبا 5.5 ملايين برميل نفط عربي يوميا من أصل 6.9 ملايين برميل تستورده من مختلف أنحاء العالم. ومن المؤكد أن المرحلة المقبلة من الصراع العربي الإسرائيلي ستشهد تحولا كبيرا في موقف الأطراف المشاركة في عملية التسوية, يرتبط بالنتائج التي ستسفر عنها الانتفاضة, والانتخابات الإسرائيلية القادمة. وشكل الإدارة الأمريكية الجديدة.. وفي جميع الأحوال فإن الأسلوب الذي كانت تدور به المفاوضات من قبل والذي تحتكر فيه الولايات المتحدة دور الوساطة لن يستمر, حيث من المتوقع أن يكون هناك أدوار اضافية للاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة لضمان تنفيذ ما سيتم التوصل إليه من إتفاقات لمجمل المسائل الأساسية المعلقة بين إسرائيل والفلسطينيين من جهة, وإسرائيل وسوريا ولبنان من جهة أخرى. بعد أن دفنت الانتفاضة اتفاقيات أوسلو وواي ريفر وشرم الشيخ وغيرها. وبالتالي يبرز دور الاتحاد الأوروبي في إلزام إسرائيل بتنفيذ ما تم إرساء قواعده في مدريد حول مبدأ الأرض كل الأرض مقابل السلام. والتغيير المطلوب في الموقف الأوروبي مرهون باحداث تغيير جوهري في العلاقات العربية بالشكل الذي يهدد تدفق الأموال العربية.إلى أوروبا, فالقدرة العربية على الفعل المؤثر هي التي يمكن أن تحدد ما سيكون عليه الدور الأوروبي, وهو ما يتطلب تطوير الأداء العربي بتعبئة القدرات العربية لتحقيق هذا الهدف, وتوحيد الإرادة العربية في التعامل والحوار مع الطرف الأوروبي.