الملف السياسي : ضعف الدور الاوروبي تجاه قضايا الشرق الاوسط مثار للجدل والتساؤلات, فعلى الرغم من اضافة بند سياسي خاص بالشرق الاوسط في اتفاقية ماستريخت بهولندا عام ,96 ، واعلان الاتحاد الاوروبي التزامه بتطوير علاقته بالشرق الاوسط, واطلاقه وعدا سياسيا ان يقوم بدور اكثر فاعلية وحيادية في قضية السلام, وان يتعامل مع دول المنطقة دون تمييز, إلا ان هذه الوعود ذهبت ادراج الرياح, واقتصر الامر على زيارات للترويكا الاوروبية ومن ناحية ثانية للمبعوث الاوروبي (ميخائيل مورتانيوس) وكشفت الاحداث فيما بعد ان الوعود الاوروبية كانت مجرد حبر على ورق واتضح العجز الاوروبي في التعامل بمساواة مع اطراف الصراع وعملية السلام التي سرعان ما تدهورت ببناء اسرائيل للمستوطنات على جبل ابو غنيم, لنجد ان موقف الاتحاد الاوروبي تجاه التصرفات الاسرائيلية يقتصر على بيانات لم ترتق حتى لموقف الادانة وتكتفي بالتعبير عن القلق ولم تتطرق في اي اجندة سياسية لمجرد مناقشة اتخاذ اجراءات عقابية للضغط على اسرائيل, وكأن اوروبا منحت مكافأة بإعلانها استمرار تنفيذ اتفاقية الشراكة الاقتصادية الاسرائيلية الاوروبية. حول تخاذل المواقف الاوروبية في الشرق الاوسط التقى (الملف السياسي) في هولندا بالدكتور عاطف جنيدي باحث سياسي في جمعية استراتيجية السلام 2000 وكان حوارا لبحث ومناقشة الدور الاوروبي هذا نصه: * هل يمكن تقييم الموقف الاوروبي الذي يتسم بالتخاذل في الشرق الاوسط؟ ـ اسمح لي برصد بعض هذه المواقف واتناولها بالتحليل قدر المستطاع ولنترك امر التقييم اولا للشعوب العربية صاحبة القضية وثانيا للادارات السياسية في الشرق الاوسط, ودعني اعود بذاكرة تاريخ سلوكيات سياسية للوراء كي نوضح حقيقة الموقف الاوروبي ويحضرني تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان اثناء زيارته لاسرائيل وهو لم يتردد في ادانة نشاط المقاومة اللبنانية وهو التصرف الذي فجر تساؤلات سياسية حول مصداقية فرنسا نحو عملية السلام في الشرق الاوسط وهي الدولة الاوروبية الكبرى التي يعلق العرب على مواقفها امالا كبيرة ثم ماذا فعلت المؤسسات العربية المعنية بشئون السياسة الخارجية بعد ذلك وما هو كان رد فعلها؟.. ففي الوقت الذي غابت فيه ردود فعل عربية قوية نجد ان وزير خارجية فرنسا فيدرين تمكن وبسرعة من تطويق الموقف بإعلانه ان تصريحات جوسبان لا تعتبر معيارا لتقييم سياسة فرنسا تجاه عملية السلام, ووصفها بأنها مجرد تعبير شخصي فقط. تأييد اوروبا احتلال اسرائيل للقدس كحق يهودي يخفي في طياته حلم اوروبا المسيحية منذ الحرب الصليبية, وان كان هذا التأييد يأخذ اشكالا سياسية تغلف حقائق المشاعر الاوروبية هذا اضافة لان اوروبا تخلصت من تصدع رأسها ومتاعبها من اليهود بوجودهم في فلسطين, وقد تضافرت جهود الدول الاوروبية سرا وعلانية خلال السنوات الاخيرة لتسهيل امواج تهجير اليهود الاوروبين الى اسرائيل لتعميرها وخلق الحاجة لبناء المستعمرات اليهودية على الاراضي المحتلة, فكيف يتوقع عاقل ان تضغط اوروبا على اسرائيل لوقف بناء المستوطنات وهي اوروبا التي تمول هذه العمليات؟ هولندا وحدها قدمت معونات مالية لتهجير 300 الف يهودي اوكراني لاسرائيل بجانب تهجير 700 الف يهودي من دول اوروبا الشرقية لاسرائيل عقب سقوط حائط برلين مباشرة بزعم ان هؤلاء يعانون الفقر والجوع هذا من ناحية الدعم المعلن لاسرائيل, اما المساعدات السرية فغالبا ما تفوق الارقام الرسمية لها. * لكن كيف يستمر الدور الاوروبي على هذا النحو في الوقت الحالي في ظل حساسية موضوع القدس والصلف الاسرائيلي وقتل الفلسطينيين العزل وهو الامر الذي يهدد بتفجير حرب جديدة؟ ـ لقد تكشف بداية هذا العام تورط جنرالات مع وزير خارجية بريطانيا في تقديم مساعدات عسكرية ودعم لمناطق في حالة حرب على الرغم من ان ذلك يتنافى مع السياسة البريطانية المعلنة وكذلك في اطار الاتحاد الاوروبي, كما تؤيد الامم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية منع تصدير الاسلحة لمناطق النزاع في العالم, لكن الحقائق تؤكد ان اوروبا تقف في صف المتفرج ولا تتدخل إلا في حالة حدوث ما يهدد مصالحها فقط, وبحيادية شديدة اقول ان قتل اسرائيل للفلسطينيين لا يهدد مصالح اوروبا ولعلك تتذكر عندما تجرأ وصرح رودولف دريسلير سفير المانيا الجديد في اسرائيل ان مدينة القدس لابد وان تخضع للحكم والاشراف الدولي, قام يهود المانيا والحكومة الاسرائيلية في وقت واحد بشن حملة شعواء وفي محاولة دبلوماسية سعى السفير للتراجع عن موقفه باعلانه ان تصريحاته خرجت عن معنى السياق المقصود ووعد بان يلتزم الصمت حيال قضية القدس باعتبارها واحدة من الملفات الفلسطينية الاسرائيلية الحساسة, إلا ان الجاليات اليهودية في مختلف الدول الاوروبية واصلت حملات التصعيد ضد المانيا الامر الذي هدد بحدوث ازمة سياسية بين اسرائيل والمانيا في ذات الوقت اعلن يهود أولمرت عمدة القدس في خطاب شديد اللهجة ارسله للخارجية الالمانية جاء فيه ان رودولف دريسلير لا يصلح ان يكون سفيرا لبلاده في اسرائيل ووصف تصريحاته بعبارات غير لائقة وانها ادانة صريحة للدبلوماسية الالمانية. ومن احد النماذج على المواقف الاوروبية المتخاذلة هو ما حدث في هولندا خلال الايام الاخيرة حيث اصطدمت هيرفيكينس وزيرة التعاون التنموي بمعارضة قاسية من تيار اتحاد الاحزاب المسيحية في البرلمان حينما ارادت تمرير مساعدات تنموية هولندية ترتبط بمشروعات اقتصادية لتحسين الاوضاع في الاراضي الفلسطينية المحتلة وتبلغ قيمتها 33 مليون جيلدر هولندي, كانت الحكومة الهولندية قد قررتها في اطار منظمة المساعدات التابعة للامم المتحدة, وقد فشلت الادارة السياسية في لاهاي تنفيذ وعودها بسبب انحياز الاحزاب السياسية لاسرائيل وتنفيذها لسياسة اسرائيل التي تهدف لتشديد الحصار الاقتصادي حول الفلسطينيين لتطويق ووأد الانتفاضة الفلسطينية في الاراضي المحتلة, وعلى الرغم من محاولة وزيرة التعاون التنموي دعم وجهة نظرها بأن المساعدات ليس لها علاقة بالصراع الدائر في فلسطين, الا انها واجهت اتهاما صريحا بأن تقديم المساعدات يساهم على الاستمرار في الانتفاضة ومواجهة اسرائيل بدون تنازلات, ايضا اوقفت هولندا مشروع بناء ميناء غزة في اليوم الثالث لاندلاع الانتفاضة الفلسطينية واصدرت قرارا بسحب المهندسين والعمال التابعين للشركة الهولندية المنفذة للمشروع وبررت توقف العمل بسبب دواعي الظروف الامنية, يأتي ذلك في الوقت الذي جمدت فيه معظم الدول الاعضاء بالاتحاد الاوروبي المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية بزعم وجود اجراءات بيروقراطية عطلت تقديم المساعدات المقررة وفقا لاتفاقية السلام بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي وهو الامر الذي تحيطه الشكوك. * هل لامريكا دور في تهميش وتغيب الدور الاوروبي تجاه قضية الشرق الاوسط؟ ـ نعم.. ولا.. في وقت واحد فامريكا من جانبها تريد تهميش اي دور فعال لقوى اخرى غيرها فليس بجديد قول انها تريد التفرد بلعب دور الشرطي الاوحد في العالم, في ذات الوقت امريكا على مستوى السياسة الخارجية ليست بالقوة التي يعتقدها البعض, وليست بالذكاء السياسي الذي يلصق بها خاصة في وسائل اعلام لا تعتمد على الدراسات والتحليل الوطني, بل تستقبل مواد اعلامية من مصادر غربية لها مصلحة في ترسيخ هذه الدعاية, الامر الثاني هو ان جزءا كبيرا من قوة طرف يأتي من ضعف الطرف الآخر كما ان اوروبا هي التي تريد تهميش دورها لان ذلك من الناحية الاقتصادية اقل كلفة من لعب دور رئيسي وساسة اوروبا يحققون مصالح بلادهم بأصابع امريكية, وان كانت امريكا تعتقد احيانا غير ذلك. * ألم يحن الوقت بعد لان تضع اوروبا نهاية لصمتها وتناصر حقوق الانسان الفلسطيني اسوة بما فعلته في مناطق اخرى بالعالم؟ ـ اسمح لي ان اقول لك ان اجابتي ستكون شديدة الحساسية فقد ذكرت لك آنفا ان جزءا كبيرا من قوة طرف يأتي من ضعف الطرف الآخر, وهذا هو حال اوروبا والعرب فحكومات العالم العربي قلما ان اتخذت مواقف ساخنة وحاسمة تجاه الممارسات الاسرائيلية التي تتنافى مع حقوق الانسان, ودعني اسألكم انا ماذا فعل العالم العربي منذ زيارة شارون للاراضي المقدسة في سبتمبر الماضي؟ وماذا اسفرت عنه الاجتماعات العربية ـ العربية؟.. فلو كان للعالم العربي مواقف تجاه اوروبا مثلما حدث مثلا في عام ,1973 حينما اتخذت الدول النفطية قرارا بوقف تصدير البترول لكانت اوروبا شعرت بذلك ولا ادري ماذا اقول لك غير ذلك؟.. فماذا ينتظر العرب من مواقف اوروبية؟ بكل صراحة مواقف التعبير عن القلق والادانة من طرف الحكومات العربية تجاه اسرائيل تتشابه لحد كبير مع مواقف الحكومات الاوروبية طبعا باستثناء مواقف الشعوب العربية التي لا أملك إلا ان احني رأسي لها.