الملف السياسي : منذ مطلع القرن تطلعت شعوب مستعمرة عدة في آسيا وافريقيا الى امريكا كنموذج مثالي يجسد مبادىء الحرية والديمقراطية ويشكل سندا لها ضد البلدان الاوروبية المستعمرة ، واشتد هذا التطلع بعد الحرب العالمية الثانية وراهنت بعض حركات التحرر على هذا السند الامريكي لخلاصها من الاستعمار الاوروبي وفي الوقت نفسه تجنب الانجذاب الى الاغراء السوفييتي المتمادي. لكن هذا الرهان اصيب بخيبات كبيرة كلما لمست شعوب وبلدان ما سمي بالعالم الثالث ان الامريكيين همهم كان في الدرجة الاولى وراثة هيمنة اوروبا وسطوتها لا انقاذ الشعوب من استعمارها وبالتالي احلال شكل جديد من السيطرة سمي بالاستعمار الجديد مما دفع عددا من البلدان والقوى السياسية الى مد الجسور مع الكتلة الشرقية ومحاولة الاستفادة من الحرب الباردة لتحقيق بعض المكاسب الوطنية. ومع انتهاء الحرب الباردة ــ (القديمة) ــ والسقوط الذريع للكتلة الشرقية راج الحديث عن الاحادية القطبية في حين خرج بعض المحللين عن نسبة الاجماع التي حظيت به هذه المقولة مطلع التسعينيات ورأوا ان انتهاء الحرب الباردة هو نقلة من الثنائية القطبية, لا الى احادية القطب الدولي, بل الى تعددية قطبية احد اركانها الرئيسيين اوروبا السائرة على طريق الوحدة فضلا عن امبراطوريات آسيا ونمورها بالاضافة الى ما يمكن للاتحاد الروسي ان يستعيد من مكانة موروثة عن عهديه السوفييتي والقيصري. وهكذا جاءت المفارقة الكبرى مع نهاية القرن بطرح اوروبا نفسها وترويج البعض لها في عالمنا العربي, كقوة يركن اليها لتحقيق او استعادة التوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني ومواجهة الهيمنة الامريكية. في مقابل ذلك نرى منظرون ــ يحذرون من هذا الرهان باعتباره رهانا بائسا على قوى هدفها الاول استعادة مستعمراتها باعتبارها حقا مكتسبا لها ووقف مد العولمة الجارف بوعوده الزاخرة وآفاقه الرحبة التي تتسع للجميع حسب دعاة العولمة الذين يخوضون سجالا لا يخلو من الحدة مع دعاة التعاون العربي الاوروبي. وبعيدا عن مجالات السجال والتنظير فإن النظرة الى الوقائع تظهر ان اوروبا تنزع بقوة لاحتلال موقع فاعل في توازن القوى العالمي. غير ان هذا النزوع ما زال مكبلا بالكثير من القيود العائدة الى عوامل داخلية ودولية عدة. والمهم على الصعيد العربي غياب سياسة خارجية اوروبية موحدة ومستقلة عن السياسة الامريكية واكتفاء اوروبا بدور التابع, وفي احسن الاحوال المكمل, للدور الامريكي والحرص على ارضاء الجانب الاسرائيلي بل والخضوع لمنطقه. وهذا ما تظهره مواقف وتصريحات العديد من المسئولين الاوروبين التي لا تخلو من الارباك المقرون بالتذمر من تفرد الولايات المتحدة بإدارة شئون العالم. وأظهرت اجتماعات مرسيليا لوزراء خارجية منتدى الشراكة الاوروبية المتوسطية مساواة اوروبا بين الضحية والجاني, ودعم محاولات وزير خارجية فرنسا تهدئة مخاوف العرب واعطاءهم تطمينات في شأن الحزم الذي سيمارسه الاتحاد الاوروبي مع الانتهاكات الاسرائيلية لحقوق الانسان واعمال القصف والقتل التي تمارسها قوات الاحتلال في الاراضي الفلسطينية الا انه ابلغ الجانب العربي قبل الاجتماع في اتصال مع وزير الخارجية السورية فاروق الشرع (ان الادانة اذا كنتم تريدونها ستكون للجانبين الفلسطيني والاسرائيلي). وقد اثبتت نتائج مؤتمر مرسيليا صحة موقف سوريا ولبنان المقاطعين للمؤتمر لاسباب جوهرية, في طليعتها ان قمتي القاهرة والدوحة اتخذتا قرارات واضحة بخصوص التعاون الاقليمي الذي تكون اسرائيل طرفا فيه ومفادها رفض العلاقات مع اسرائيل تحت اي مسمى ورفض التغلغل الاسرائيلي في العالم العربي حسبما اوضح الوزير الشرع. المؤتمر الاوروبي المتوسطي الذي يضم الاتحاد الاوروبي واثنتي عشرة دولة متوسطية هي ثماني دول عربية واسرائيل بالاضافة الى تركيا وقبرص ومالطا خرج هذا المؤتمر مهشما حسبما لاحظ المراقبون وذلك بسبب الهوة بين ضفتي المتوسط ومقاطعة المشاركين العرب البيان الختامي والصورة التذكارية لانها كانت تضمهم مع المندوب الاسرائيلي وندد دبلوماسيون عرب شاركوا في المؤتمر بما سموه (نظرية الحياد اللئيمة) للدول الاوروبية الخمس عشرة حول ما يجري في فلسطين المحتلة وأكد وزير خارجية مصر عمرو موسى الذي مثل بلاده في المؤتمر الموقف المبدئي للعرب بتطبيق قرارات قمة القاهرة التي نصت على مقاطعة اسرائيل في الاجتماعات الاقليمية, وتوجه موسى الى الاوروبيين قائلا: لا يمكنكم ان تكونوا محايدين تجاه عدوان المحتل على سكان محتلين. وأوضح دبلوماسي عربي ان الحد الادنى المطلوب من الجانب العربي هو تضمين الاعلان الختامي للمؤتمر ادانة واضحة محددة لاسرائيل. لكن الموقف الاوروبي جاء (غير مقبول وغير اخلاقي) خصوصا وانه يأتي في ظل الانتفاضة وأضاف: بدا واضحا ان اوروبا تفتقر الى موقف موحد حيال التطورات في المناطق الفلسطينية والدور الذي يمكن للأوروبيين لعبه على صعيد عملية السلام كما بدا واضحا غياب التواصل بين الطرفين العربي والاوروبي برغم الكلام عن الشراكة. لكن ما اخذه العرب على الاوروبيين هو ما حاز رضى اسرائيل التي صرح وزير خارجيتها بعد مؤتمر مرسيليا ان (اوروبا بصدد زيادة تأثيرها في الشرق الاوسط وهي لذلك تتعمد التعقل في مواقفها لأن عكس ذلك سيكون غير واقعي) والتعقل بالمفهوم الاسرائيلي هو بالطبع ما عناه الدبلوماسي العربي بالحياد الاوروبي اللئيم والموقف اللااخلاقي ازاء ممارسات الدولة العبرية في فلسطين. وما يدعو الى الاستغراب الاوهام التي وضعتها فرنسا حول مؤتمر مرسيليا بقول الناطق باسم خارجيتها ان للمؤتمر (منطقه الخاص ولا يمكن اخضاعه لمسيرة السلام) وفي هذا الكلام مجافاة صريحة للواقع الذي سرت في ظله الشراكة الاوروبية المتوسطية فمؤتمر مرسيليا الاخير هو امتداد لما يسمى عملية برشلونة التي بدأت عام 1995 وهدفت الى توفير بيئة دبلوماسية مساندة لعملية السلام وشكلت تكملة لعملية مدريد والمفاوضات المتعددة الاطراف لذلك ظلت طوال السنوات الخمس الماضية اسيرة تعثر عملية السلام وتوقف المفاوضات المتعددة الاطراف. وقد اثار سخرية اوساط اعلامية غربية وعربية توهم الاوروبيين المضي في عملية برشلونة, واستخدام مؤتمر مرسيليا جسرا لتحقيق مكاسب في المنطقة في وقت يشهد الصراع العربي الاسرائيلي احد اهم انعطافاته الامر الذي ينتظر معه ان تترجم اوروبا ما سبق ان نادت به لجهة الحقوق العربية الى مواقف عملية جريئة قد تكون فرصتها الذهبية التي تسعى اليها لاحتلال موقع مؤثر في المنطقة وللخروج من التهميش الامريكي لها منذ انطلاق عملية مدريد. ولعل اخفاق الاتحاد الاوروبي في مرسيليا مدعاة لاعادة النظر في سياسة الاتحاد الخارجية ولا سيما تجاه المنطقة العربية, واعادة (ترسيم) حدود هذه السياسة التي قال عنها المبعوث الاوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الاوسط موارتينوس (نحن نعرف حدودنا جيدا) مشيرا الى ان اوروبا (تلعب تدريجيا دورا فعالا في عملية السلام. والاوروبيون يصنعون لانفسهم مكانا في عملية السلام من ناحية العمل السياسي والاقتصادي ومن ناحية تخصيص المواد البشرية لذلك لا يمكن تهميش الدور الاوروبي). لكن هذا التهميش يعود الى آليات اوروبية داخلية فضلا عن المشكلات الخارجية لذلك ظل مسار الوحدة الاوروبية طوال السنوات الاخيرة ينأى عن التوصل الى سياسة خارجية وامنية اوروبية موحدة او متمايزة فيما يتعلق بالمسائل الدولية الجوهرية ولا سيما قضايا الشرق الاوسط وقد اعترف وزير الخارجية الفرنسية في وقت سابق هذا العام بأنه (لا توجد سياسة عربية لفرنسا بل هناك سياسات لها مع بلدان عربية) الا انه كان قبل عامين قد دعا الى سياسة فرنسية موحدة ازاء العرب تستند الى رؤية استراتيجية لاهمية وجود دور فرنسي فاعل في منطقة الشرق الاوسط (يتميز عن الدور الامريكي بدون ان يكون بديلا عنه) وفي تصريح اخر يقول فيدرين (ان الدبلوماسية الفرنسية تعطي اولوية قصوى في القرن الواحد والعشرين لمواجهة الاحتكار الامريكي. اليورو ينبغي ان يكون برهانا على القوة الفيدرالية لاوروبا وأداة التوازن في اللعبة الدولية التي يسيطر عليها الدولار) وكان الرئيس الفرنسي جاك شيراك واضحا في اطلاق هذا الطموح في زيارته الاولى للولايات المتحدة بعد انتخابه رئيسا اذ صرح (ليس في المعقول او المقبول ان نتخيل ان تكون الارادة والقرار لامريكا دائما, بينما تقوم اوروبا بدفع فاتورة الحساب). هذه التصريحات على طموحها الظاهر لا تخلو من الارتباك العائد الى المعيقات الداخلية والقارية والدولية وفي حالة فرنسا يصطدم النهج الديجولي الذي يحاول ان يستوحي منه شيراك سياسته العربية بضغوط صهيونية واضحة ولا سيما من خلال الشريك في حكومة جوسبان الاشتراكية ثم ان فرنسا ومعها المانيا لم تفلحا بعد في ايجاد حل وسط يرضي بريطانيا في موضوع الوحدة السياسية الاوروبية التي يترتب عليها سياسة خارجية وأمنية مشتركة فما زالت لندن تبدي خشيتها من احتمال تهديد تماسك الحلف الاطلسي. وفي هذا الصدد باتت الضغوط الامريكية واضحة لعرقلة تطوير الاتحاد الاوروبي والحيلولة دون خروجه من بيت الطاعة وذلك باستخدام شتى السبل الامنية والاقتصادية ولا سيما طوال العقد الاخير والملفت ان الاوروبيين ابدوا من الذعر ازاء المشروع الامريكي لانشاء نظام مضاد للصواريخ قدرا اكبر مما ابدته الدول الاخرى المستهدفة علنا في هذا المشروع. خلاصة القول ان توسيع دور اوروبي في عملية السلام وفي مشكلات المنطقة عموما ومشاركة الاتحاد الاوروبي في القرار بشأن القضايا الدولية الكبرى يحتم الاحتكاك مع السياسة الامريكية الامر الذي يحاذره الاتحاد الاوروبي او على الاقل لا يجمع الاتحاد على سياسة موحدة لمواجهة هذا الاحتكاك سيما وان الاتجاه الذي افصح عنه المرشحان الرئاسيان الامريكيان ولا سيما الجمهوري بوش هو العمل على تقسيم العمل الدولي القائم على كف يد جميع الاطراف غير الامريكية عن المنطقة العربية. وهذا شأن لا يمس بطبيعة الحال الاطراف الدولية المعنية بل يمس الدول العربية بالدرجة الاولى التي ستبقى ساحة لصراع الكبار ما لم تأخذ المبادرة وتسترد مصادر قوتها لتكون قادرة على تجيير تناقضات الكبار وتنافسهم لما فيه مصلحة العرب.