بيان الاربعاء : شهد القرن العشرون تنامي ظاهرة المدن العملاقة أو ما يُعرف بالـ (ميجابول) التي تجسد نموذجاً مصغراً عن العالم. واستنادا إلى الأمم المتحدة, فإن عددها يصل اليوم إلى ,25 وهي قد تأوي ، في القرن المقبل نصف البشرية. ويمكن القول أن هذه الظاهرة هي من أحد أهم التحديات التي تواجهها العولمة. والواقع إن هذا النمط من المدن ليس حديث العهد, فقد عرف التاريخ منذ القدم ظاهرة (المدينة - العالم), التي تصبح مركز محيطها الإقليمي, تبسط سيطرتها عليه وحتى على العالم (الذي كان معروفا في ذلك الحين), كما كانت الحال مع بابل وروما ومكسيكو ما قبل العصر الكولومبي, ثم مع بغداد الخلفاء وبيزنطية الرومانية. لكن في حين كانت المدينة- العالم تشكل ظاهرة فريدة وشأنا استثنائياً في السابق, تحولت مع تكاثرها وانتشارها خلال القرن العشرين, إلى أمر مألوف, وظاهرة شائعة . وتتطلب مواجهة التحديات التي تطرحها الكف عن اعتبارها ظاهرة استثنائية والتعاطي معها على هذا الأساس,من أجل استحداث وسائل إدارتها وقواعدها وأدوات تنظيمها وتسهيل شئون الحياة اليومية فيها. أي إيجاد قواعد خاصة بها . * كيف تنشأ هذه المدن أو ما هي آلية تطورها؟ وما هي معايير تحديدها؟ أهي كثافتها السكانية التي تحدد تصنيفها ضمن لائحة (ميجابول) (الأمم المتحدة اعتمدت سقف 8 ملايين نسمة)؟ أم نشاطها الاقتصادي وحيويتها كعنصر مؤثر في الدورة الاقتصادية والمالية العالمية, هي التي تحدد صفتها؟ ما هي أهم تحديات هذه المدن في القرن المقبل؟ ــ الواقع أن الآراء تتضارب حيال اعتماد مقياس محدد, فبعض الخبراء يستند إلى الكثافة السكانية واعتماد سقف أو عدد محدد لتصنيف مدينة على أنها (ميجابول). الرأي الآخر يدخل في اعتباره مدى مساهمة هذه المدينة في الحياة الاقتصادية العالمية والمعاملات المالية أي مدى مساهمتها كمركز في صنع القرار الاقتصادي الشامل نسبة إلى المدينة الشاملة. لكن ما هي العلاقة بين الكثافة السكانية والحركة الإنتاجية؟ أهو التجمع البشري الذي ينشط الحركة الاقتصادية الإنتاجية أم أن هذه الأخيرة هي التي تشكل عامل جذب يؤدي إلى تركز وتجمع بشريين مهم في ناحية جغرافية معينة؟ المدينة الوهمية (جيروم مونيه,) هو باحث جغرافي من جامعة (تولوز) (جنوب فرنسا) يعتبر أن المدينة الشاملة التي يتحدث عنها ساسكيا ساسن تدل على المدينة الوهمية التي تجمع العالم, مستنداً بذلك إلى عدد من المراكز مثل نيويورك ولندن وطوكيو, حيث يتجمع أصحاب القرار وخبراء الاقتصاد الشامل. هذا النوع من التحليل يعطي لكل مدينة ــ ميجابول منصباً أو صفة استناداً إلى مساهمتها في الاقتصاد الشامل. في حين أن المدن ـ الميجابول التي لا تشارك سوى بشكل ثانوي أو هامشي فهي لكثرتها تصبح مدناً متطفلة وعالة من حيث نموها السكاني بعكس كل منطق اقتصادي. في مقابل هذا التحليل هناك من يصنف الحجم بمعيار إنتاجي مثل (ريمي برودوم) فيجد أن 26 مدينة ــ هي ذات كثافة سكانية عالية لكنها لا تشارك في الدورة الاقتصادية الشاملة ــ تنتج مجتمعة4 أضعاف ما تنتجه المملكة المتحدة, أو خمسة عشر ضعف ما تنتجه الهند. وهذا ما يفسر ميل المستثمرين دوماً إلى الاستثمار في مدن كبرى حيث تتوافر اليد العاملة والمحلات الكبرى ويكثر الاستهلاك. ويعتبر صاحب هذه النظرية أنه كلما كان النمو الديمغرافي مرتفعا كلما انعكس ذلك إيجاباً على مستوى الإنتاج والعكس صحيح. وليست مصادفة أن تكون المدن السبع العظمى الأكثر إنتاجاً في العالم هي بين 22 (ميجابول) الأكثر كثافة, وأن تسعا منها يفوق معدل إنتاج الفرد فيها المعدل الوطني بنحو خمسين في المئة وأكثر . ويعلق (جيروم مونيه) على ذلك بقوله: الكثافة السكانية تنتج ظواهر مختلفة. لا يمكن القول أنها تولد حتماً نشاطاً اقتصادياً أو أنها تصبح منتجة اقتصاديا. لكن الإنتاج هو أيضاً في حاجة للبشر وما يمكن تسميته عملية تأثير متبادل, فوجود كثافة بشرية كبيرة يزيد من فرص حصول نشاطات عدة, والحركة الإنتاجية تزيد إمكان جذب فئة من الناس أو الكثير منهم. إنها حلقة مغلقة بين ظاهرة الديمغرافية وظواهر الجذب الديناميكية, من اقتصادية وثقافية وسياسية. فاختلاف الحجم ليس هو ما يجعل مشكلات بانكوك أو بكين تختلف عن مشكلات طهران (التي يعيش فيها 8 ملايين و200 ألف نسمة), أو عن مشكلات شيكاغو. التصنيف بحسب عدد السكان لا يجد معناه إلا عندما نأخذ في الاعتبار معايير أخرى, وتحديد سقف لا يصلح إلا لتمييز مصطنع لمجموعات صغيرة ضمن مجموعة أكبر لها الميزات والصفات نفسها. ويضيف: المهم هو تعميم هذه الظاهرة ونشرها, سواء ككثافة بشرية وعمرانية أو كشريان اقتصادي مهم. فالإنسانية عرفت عددا من المدن, منها بابل في العراق وشانج آن في الصين وكيوتو في اليابان, وتوتيهو أكان في المكسيك. هذه المدن لها امتداد عبر العالم, فمنذ أكثر من ثلاثين قرناً احتل بعضها مساحة شاسعة طوال أكثر من ألف عام. ويعدد الجوانب التي يجب أخذها في الاعتبار للتعامل مع هذه المدن, ويقول: يجب الانتهاء من المفهوم والنظام الاستثنائي. الميجابول ليست فقط تجمعا سكانيا يقطن في مساحة جغرافية محددة , بل يمكن تفسيرها انطلاقا من سياقين متزامنين ساهما في تاريخ العولمة: الثورة الصناعية من جهة, وما أدت إليه من تغيير جذري في ظروف الإنتاج, وبناء الدولة ــ الأمة التي قطعت الصلة مع النظام القديم للحكم وإدارة الأفراد والجماعات. ويشير الى ان توزع المدن الغنية على الخريطة يدل على ارتباط تطور الميجابول بنتائج هذه الثورة. وقد تمّ إحصاء 17 مدينة مليونيرة في العام 2000 في حين لم تكن تتعدى التسع مدن في العام 1900 ما يعني أن التجمعات الكبرى تطورت بتأثير من الثورة الصناعية مع وجود دول ــ أمم قوية. من هذه المجموعة من المدن (المتروبول) التي تعد الآن (ميجابول,) يمكن الكلام على العواصم السياسية أو الاقتصادية الآتية: اسطنبول ومكسيكو وساو باولو ولندن. ويضيف (مونيه) في الإطار نفسه: يجب الانتهاء كذلك من الوضع السياسي الخاص المعتمد في إدارة تلك المدن وتنظيمها. فلوقت طويل كانت المدينة تحكم امبراطورية بأكملها. السلطة كانت تستند إلى الصفة القدسية, ولم يكن هناك أي تمثيل فعلي للسكان بل تمتع هؤلاء بوضع خاص. في فرنسا مثلاً كان حاكم مدينة باريس (التي كانت توازي منطقة), مندوباً تعينه الحكومة الوطنية. أما السلطة التي كانت مكلفة إدارة العاصمة في بيونس أيريس, كما في مكسيكو, فكانت تتولاها شخصية مساوية لوزير في الحكومة الفدرالية. ومنذ العام 1977 أصبحت السلطة في باريس في يد العمدة الذي ينتخب من المواطنين, كذلك هي الحال في بيونس أيريس منذ العام ,1996 وفي مكسيكو منذ العام 1997 . التحدي الأول اليوم يتمثل في إنجاح نقل السلطة إلى المواطنين, أي تكوين ديمقراطية حقيقية. أما التحدي الآخر فيكمن في إيجاد السلم المناسب للحكم, باعتبار أن التمثيل السياسي في الميجابول موزع على مجموعة من الهيئات كالبلديات والمجالس الإقليمية, ما يعقد الديمقراطية. فالسكان ليسوا فقط في حاجة إلى من يمثلهم سياسياً بل هناك حاجة أيضاً إلى تعاون بين ممثلين الشعب. هناك حاجة الى ديمقراطية أكثر على صعيد الحي السكني, ومن ثم على صعيد المجموعة. الاحتواء السياسي ولكن عندما تكون السياسة في الميزان يكون هناك سباق. وكلما كبرت المدينة وتعاظم شأنها كلما زاد الرهان. من هنا الاحتواء السياسي في إدارة مدن كبرى. عن ذلك يقول (جيروم مونيه) موضحا: تسيير أمور المدينة لأغراض سياسية أمر ممكن وغالباً ما يحصل. مدينة باريس, على سبيل المثال, كان مقعد العمدة فيها دوماً موضوع تنافس سياسي بين الأحزاب. لو كان هناك ممثل منتخب للمدينة وليس للميجابول, بل للمركز وللسكان الباريسيين, لما كنا نشهد هذا السباق الذي يصبح نقطة انطلاق لطموحات سياسية أكبر. جعل الميجابول ديمقراطية يعني إنشاء مركز سلطة يتنافس مع السلطة الوطنية. * وهل تعتقد أن نظاما سياسيا مثل الصين يوافق على جعل إدارة مدينة بكين ديمقراطية؟ ــ عندما نتكلم عن بكين, أعتقد أن السلطة الصينية تصطدم بحاجز كبير إن أرادت أن تقرر بعث ديمقراطية محلية. من الصعب لنظام متسلط أن يترك سلطات محلية قادرة على أن تتطور. ويتابع معددا النقاط التي يجب أن يشملها تطوير إدارة هذه المدن العملاقة ويقول : ما يجب أيضاً التنبه إليه هو أن الطابع الكوسموبوليت (متعدد الأعراق), لم يعد ظاهرة فريدة بل يجب اعتبارها أمراً عاديا. فتنوع الأجناس والثقافات لم يعد حكراً على مدينة معينة. ويجب أخذ هذا الأمر في الاعتبار (على رغم تشابك ظاهرة الكوسموبوليت), عندما يتعلق الأمر بإيجاد أشكال عادية لإدارة هذه المدن. فأنماط إدارة الاختلافات هي الآن موضع انتقاد, سواء تعلق الأمر بنمط المواطنة التي تدمج وتوحد من دون أن تترك مجالاً للاختلاف الثقافي للتعبير عن نفسه, أو بنمط المواطنة التي تفرق من دون أن تدع مجالاً لما هو موحد ومشترك بين الناس. ومع انتشار الميجابول وشيوعها, تتضاعف الحالات التي يتعين فيها على الناس إدارة اختلافاتهم. في الواقع, إننا نتكلم كثيراً على تجاور البؤس والغنى, أعتقد أننا لا نكون جديين عندما نعتبر ذلك ظاهرة حديثة. هذه المدن تحوي كل التناقضات, الفقر والثراء تزايد الفقر لن يسمح بالتفكير كيف يمكن التوصل إلى إدارة هذه التناقضات من جانب السكان. إذا كانت لدينا نظرة تشويق وإثارة فلن نظهر إلا المكان الذي يتكاثر فيه البؤس, وإذا وضعنا هذه الرؤية لن نفهم لماذا تدوم هذه المدن, فعلة وجودها وديمومتها مرتبطتان بسياق اقتصادي اجتماعي وسياسي يسمح بإدارة هذه المدن وتناقضاتها. إذا اعتبرنا أن كالكوتا هي فقط عبارة عن مركز فقر وبؤس فلن نفهم لماذا هي موجودة, أو لوس أنجلوس كمقر غنى مثل ماليبو لن نفهم لماذا توجد أيضا. النمو السكاني وتنظيم المدن العملاقة و من التحديات التي تطرحها المدن العملاقة أو الميجابول تنظيم المساحات واستغلالها. فتركيبة أجهزة إدارة المساحة غالباً ما أصبحت اليوم بعيدة من حاجات الميجابول. البلديات مثلاً لم تؤهل لإدارة مدن بهذا الحجم. ويقول المهندس عمر تاق, إن الوضع يتطور في ظروف سيئة للغاية في مدن عدة, سواء على صعيد البيئة, أو من حيث استغلال المس ا حة واستعمال الأرض, إضافة إلى تدهور وضع الأبنية. هذه المشكلات غالباً ما تصبح مرادفة لتلوث الهواء والأرض والمياه, مع كل ما يشكل ذلك من هدر للموارد الطبيعية وهدمها. ويرى عمر تاق المهندس الذي عمل مع البنك الدولي في بناء مدن في مناطق عدة من العالم, أن هذه المشكلات تعقدت بسبب الهجرة الريفية والنمو السكاني ويعطي مثالاً على ذلك مكسيكو, فهذه المدينة التي كانت تعد خمسة ملايين نسمة في منتصف الستينيات, تحوي اليوم نحو 20 مليون نسمة. هذا يعني أن سكان الريف يهاجرون إليها بقصد العثور على فرص عمل. طبعا, لا يجد الجميع عملاً فيضطرون إلى الاستقرار في ضواحي العاصمة. والضواحي ليست تحديدا كالضاحية الباريسية, ويجب زيارة تلك الضواحي في أميركا اللاتينية, أو في الهند, أو في الدول النامية, حيث يعيش الناس في فقر مدقع, وعندما تجتمع عوامل النمو السكاني مع الفقر وتدهور الحال البيئية فمن الطبيعي أن يؤثر ذلك من خلال القضاء على الموارد وإعاقة التطور والنمو. ويشير إلى عجز السلطات والهيئات المحلية والحكومية أمام هذا الوضع لكونها غير مؤهلة على حل تلك المشكلات: الهيئات والسلطات التي تتولى المسئولية في مواجهة وتأمين الحاجات الاجتماعية الحسية والاقتصادية لا تملك الوسائل, سواء على الصعيد المادي أو على مستوى المؤسسات والموارد البشرية, لمواجهة هذا النمو الديمغرافي الذي يتضاعف بسرعة قصوى. وهذا النمو المضطرد يضع الحكومات في عجز بحيث تجد نفسها غير قادرة على مواكبة الظاهرة وبناء مساكن لكل هؤلاء السكان. ويضيف: هذا لا يعني طبعا, أن الحلول غير متوافرة, لكن ما نحتاج إليه هو بعض الخيال. فتنوع البيوت وانسجامها وإتباع أشكال هندسية محببة, أمور تضفي صفة إنسانية, وهي عامل أساسي لبناء مجتمع عادل وقابل للبقاء. ولتحسين ظروف الحياة والعمل في داخل هذه الأبنية, و تطوير المساكن والبنية التحتية المادية - الاجتماعية وقطاع الخدمات في الأحياء المدنية التي تنتشر وتتوسع بسرعة, فإننا نحتاج طبعاً لمساحات كافية لبناء مساكن وملاعب ومحلات تجارية ومناطق صناعية, مع تخصيص مساحات للرياضة, دون أن ننسى المساحات الحرة. ولتخطيط كل ذلك يجب تجاوز مشكلة ندرة الأرض وارتفاع الأسعار, إضافة إلى عوامل أخرى تمنع الفقراء والفئات الاجتماعية من ذوي الوضع المادي الحساس كالمسنين والمعاقين, من التوصل إلى اقتناء قطعة أرض في المواقع البعيدة عن المخاطر الاقتصادية والبيئية والصحية. هؤلاء هم ضحايا منافسة حادة غير صحية وغير عقلانية بين المؤسسات الخاصة الكبرى التي تغفل في تصميماتها عن مخطط شغل المساحات بشكل يخفف من عبء الاعتماد على المواصلات, ويقتصد في استهلاك الطاقة, ويحترم وجود مساحات خضر. مع العلم أن النمو والتطور المتوازن والعادل كلها تتطلب التقيد بكثافة متوازنة وعادلة, وشغل الأرض بشكل مختلط. وبالتأكيد هناك علاقة متينة بين تطور المناطق المدنية العادلة والمستقرة اجتماعياً وتراجع الفقر, وسياسة العدالة الاجتماعية, كتشجيع القدرات وتسهيل الوصول إلى الموارد وفرص العمل, إلى جانب تشجيع النمو الريفي, عن طريق اتخاذ تدابير خاصة لتحسين الشروط الاجتماعية والاقتصادية في المناطق الريفية كإيجاد مساعدات اجتماعية للمحتاجين, وتقدير الموارد البشرية وتقويمها, وتدعيم وسائل الاتصال لدمج الجماعات المهمشة. ويشدد عمر تاق على ضرورة تخفيف الضغوط الراهنة والمستقبلية في المناطق المدنية. ويعطي مثالاً على ذلك مكسيكو, وريو دي جانيرو اللتان أصبحتا مدينتين يستحيل العيش فيهما بسبب التلوث والازدحام وانعدام الأمن. ويحصى فيهما أكثر من مئة عملية خطف في اليوم. فنسبة كبيرة من السكان تعيش في فقر مدقع, وذلك يشكل تحذيراً لكل مدن العالم التي يجب عدم تركها تتطور عشوائيا إلى ما لانهاية . كارثة النمو السكاني ويشدد المهندس تاق على ضرورة معالجة النمو السكاني بقوله: إذا لم نحل مشكلة التزايد السكاني سنصل إلى الكارثة. يجب الأخذ في الاعتبار تحسين الظروف الصحية وتحسين نوعية الحياة في المدن الكبرى, فالأطفال هم الفئة الأكثر تضررا من العيش في أماكن غير صحية, هناك 40% من الأطفال في العالم يعيشون في أماكن غير صحية وهم في حاجة للحماية. كذلك فإن مشكلة تولد أخرى وهكذا هي الحال بالنسبة إلى المساكن غير الصحية, فهي تضاعف من حدة التوتر الاجتماعي, واللامساواة, وتزيد المخاطر التي تحيق بالسكان في حال حصول كوارث طبيعية, سواء تعلق الأمر ببناء مسكن جديد أو إصلاح مسكن قديم, فإن نوعية التصميم تشكل عاملاً مهماً في تأمين ظروف حياة مستديمة. وهنا يأتي خطأ العمارات المرتفعة والعريضة التي يجب أن تصمم بصورة تجعلها تندمج في الحي, أو المكان الذي بنيت فيه, وبناء عمارات مرتفعة بشكل كثيف, يمثل مساوئ اجتماعية وبيئية. تلك العمارات التي شاعت في الستينيات باشرت فرنسا بهدمها واحدة بعد الأخرى . لكن هناك الكثير منها. ويشير عمر تاق إلى أن ما لم يتنبه له المهندسون حين صمموا تلك المخططات التي كانت جميلة على الورق, أن الناس الذين سيقطنونها هم فلاحون تركوا أرضهم, التي لهم صلة خاصة بها, ومتعلقون بها هؤلاء, كيف يمكن وضعهم في الطبقة 13 ويُطلب منهم أن يكونوا سعداء أو مرتاحين؟ في المكسيك السكان كانوا يعترضون على دفع الإيجار بقولهم: هذا ليس مسكن هذا شيء للذهاب إلى الفضاء. هم لا يشعرون بالأمان, إنها ثقافة مختلفة عن ثقافة الناس الذين يملكون المال. ليس لديهم القيم نفسها. ويصنف عمر تاق المساكن الاجتماعية, ويقول : هناك نوعان, الفئة الأولى, مخصصة لأولئك الذين يملكون ما يكاد يكفيهم لتأمين الغذاء, وهؤلاء يصعب تخيل كيف يمكنهم شراء منزل؟ لكن هناك حلولا. ففي العام 1975 عملت على مشروع للبنك الدولي لبناء مدينة جديدة في نيروبي في كينيا, وذلك بهدف إسكان 60 ألف نسمة. الأرض موجودة وهي غير باهظة الثمن, وما قمنا به ليس مخطط لمبان جميلة, كما يمكن أن يتهيأ للبعض, بل ركزنا اهتمامنا على الأرض بهدف وضع بيوت صغيرة متقاربة وتجمعات أحياء, أعطينا لكل فرد قطعة أرض وهيأنا مساحات صغيرة تسمح لهم ببناء مساكنهم. تركنا السكان يبنون بأنفسهم منازلهم, فعلوا ذلك بكثير من الطموح والفرح, ولا يمكن إلا أن تكون النتيجة حسنة. كان ذلك في ابوجا, العاصمة الجديدة التي حلت مكان لاجوس. كل ما فعلناه أننا أوجدنا الظروف التي تمكنهم من بناء مساكنهم بأنفسهم في مناخ مريح. الناس ليسوا في حاجة لوسيط ومقاول, لأن المقاولين يحركهم دافع الكسب المادي السريع, ويستعملون أسوأ أنواع المواد لبناء مساكن تدر عليهم أرباحا. ويضيف يجب ألا نحلم ببناء 500 ألف وحدة سكنية, كما يحصل في دول كثيرة مثل المغرب حيث يعلنون عن بناء وحدات سكنية بمئات الآلاف وتمر السنون دون تنفيذ أي شيء. (الجزائر أعلن عن هدفه ببناء 250 ألف شقة والمغرب 300 ألف). ويؤكد أن هناك حلولا, والتكنولوجيا ستسمح لنا قريباً ببناء منازل في مصانع مع الروبوت ليتمكن كل إنسان من إيجاد مسكن. سنبتكر منازل لا تكون متشابهة بل تساعد كل شخص على بناء منزله بشكل فريد, وبسعر رخيص, وسنبيع آلاف المنازل في العالم كله .فهذه هي الوسيلة الوحيدة لبناء مساكن تواكب سرعة النمو السكاني في العالم. و. ن. ل