شكلت قضية مكافحة الفساد أحد أهم التوجهات الاقتصادية التي وضعتها سوريا في اطار مساعيها الرامية الى تطوير وتحديث الحياة العامة لاسيما في جانبها الاقتصادي, وهي خلال الأشهر الماضية كانت موضع متابعة ، واهتمام بالغين من قبل جهات داخلية وخارجية واكبت القرار الوطني بمواجهة الفساد وإحداث اصلاح اداري يكون بمثابة داعم أساسي لباقي الاصلاحات المقترحة. وقد اتبعت الحكومة السورية في مكافحتها لأعمال الفساد سياسة خاصة, إذ أنها لم تكتف فقط بأسلوب الملاحقة والقبض على المتهمين والفاسدين وانما اتجهت ايضا الى اتباع أساليب أخرى يبدو انه في حال تنفيذها ستكون المؤشر الحقيقي لتأثيرات مكافحة الفساد. وتتبع الحكومة السورية في مكافحتها لأعمال الفساد طريقين تعتبرهما متلازمين ومتكاملين, الأول وينص على ضرورة تفعيل أجهزة الرقابة والتفتيش والمتابعة على أعمال ومشاريع مؤسسات الدولة الكاملة وكشف المتورطين بأعمال تسيء الى الاقتصاد الوطني ومكانته داخلياً وخارجياً والآخر ينبع من مبدأ أساسي لايمكن الاستغناء عنه وهو السعي لإزالة الأسباب والعوامل التي يمكن أن تؤدي الى مخالفات وتجاوزات تدخل في قائمة الفساد وتشجع العاملين على ارتكابها. وربما تكون سوريا قد ركزت في بداية حملتها لمكافحة الفساد على الأسلوب الأول تأكيداً منها على إصرارها للسير في هذا التوجه وإن كان سوف يطال أشخاصاً على مستوى عال وهذا ما حدث عندما تم توجيه اتهامات بالفساد والاساءة إلى الاقتصاد الوطني الى رئيس الحكومة السابق محمود الزعبي الذي انتحر فيما بعد ونائبه للشئون الاقتصادية ووزير النقل سابقاً أيضاً, والعديد من الموظفين ومديري المؤسسات والشركات, لكن يرى بعض المتابعين لتطورات هذا الجانب ان حملة مكافحة الفساد قد خف بريقها مستندين بذلك الى انحسار أخبارها في الصحافة المحلية الحكومية, والتي كانت قد قادت حملة اعلامية موسعة لمكافحة الفساد وتعبئة الرأي العام الذي سره ذلك من حيث محاسبة المفسدين وسارقي المال العام ومساحة الرأي التي أعطيت للصحف في مواجهة أعداء الدولة من الداخل, الا انه في الواقع لا تزال حملة مكافحة الفساد مستمرة وهناك دلائل كثيرة تثبت هذا الرأي, فالأجهزة الرقابية المتمثلة في الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش التابعة مباشرة لرئاسة مجلس الوزراء والمناط بها ممارسة اعمال الرقابة على عمل جميع هيئات الدولة بما فيها الوزارات, وهناك كذلك الجهاز المركزي للرقابة المالية التابع لوزير المالية ومكلف بالتدقيق في جميع الأمور والتعاملات المالية بين جهات القطاع الحكومي, وهذه الجهات الرقابية استطاعت خلال الأشهر الماضية استعادة مئات الملايين من الليرات السورية وكشف مئات المخالفات والتجاوزات التي تشمل اختلاس أموال عامة وتزويرا وتلاعبا وضياع أموال عامة واحتفاظ العاملين لمبالغ نقدية دون وجه حق, وقد قدر مسئول رقابي المبالغ التي تم كشفها منذ بداية العام وحتى الشهر السابع منه بأكثر من 2.5 مليار ليرة سورية, فيما أكد الجهاز المركزي للرقابة المالية انه استعاد نحو 300 مليون ليرة سورية خلال الفترة نفسها ايضا, كما قامت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش بالتحقيق في العديد من القضايا والمخالفات واسترداد مبالغ كبيرة وتغريم المخالفين ومثالنا على ذلك ما حققته الجمارك العامة خلال شهر واحد هو سبتمبر إذ أن الغرامات المترتبة على المخالفات الجمركية بلغت نحو 300 مليون ليرة سورية. وفي هذا الصدد كذلك أصدرت وزارة المالية عشرات القرارات بحجز الاحتياطي بحق كبار المسئولين والموظفين كان آخرها الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة لمدير المصرف الزراعي الأسبق نعيم جمعه تأمينا لمبلغ قدر بـ 68 مليون ليرة سورية, الى جانب طرح ممتلكات أشخاص معروفين في المزاد العلني, واجراء مسح للأبنية والشقق السكنية والشاليهات المقامة على طول الساحل السوري من قبل وزارة السياحة تمهيداً لطرحها للاستثمار بعد انتهاء المجموعة الفرنسية من اعداد دراسة بهذا الخصوص, علماً بأن جميع تلك الأبنية مخالفة وتعود للعديد من المتنفذين وتقدر قيمتها بنحو نصف مليار ليرة سورية. ولم تختف مكافحة الهدر والفساد عن مداولات مجلس الشعب أو اقتصاديين في ندواتهم واجتماعاتهم, فعلى سبيل المثال خلص تقرير الموازنة العامة للدولة لعام 2001 الى التوصية باستمرار مكافحة الهدر والفساد بأشكاله المختلفة وضغط النفقات وترشيد استخدام الوسائل العامة من سيارات وآليات ووقود .. إلخ. أما الشق الآخر المتعلق بإزالة الأسباب المؤدية أو المشجعة لعملية الفساد, فقد كان هناك خطوات اعتبرها البعض خجولة إلا أنها تبدو مهمة وضرورية, منها زيادة رواتب العاملين في أجهزة الدولة بنسبة 25% أكدت الحكومة انها لن تكون النهائية وانما سوف يتبعها زيارات أخرى وبشكل تدريجي حتى يتم اصلاح التشوهات الحاصلة في كتلة الرواتب والأجور, وإحداث اصلاح اداري حقيقي بدأت به وزارة الدولة لشئون التنمية الادارية التي تحدث لأول مرة والذي يهدف في جزء كبير منه الى تنمية الموارد البشرية وتأهيل القيادات والذي من شأنه اتاحة الفرصة أمام مجموعة من الشباب الطامحين الى مجد معنوي ومكاسب مستقبلية لا إلى مصالح مادية هي دوماً تحت ضغط الوقت وخوف ذهاب المنصب. ويتضح عزم سوريا على مكافحة الفساد في تصريحات رئيس الوزراء محمد مصطفى ميرو بقوله: (ان عملية مكافحة الفساد لم تتوقف في سوريا كما يظن البعض, لأن تجاه أية اصلاحات اقتصادية تقوم بها الحكومة مرهونة شعبياً واقتصادياً بنجاح المهمة الأولى, والأيام المقبلة شهدت مرحلة أخرى لمكافحة الفساد عبر جملة قرارات تتعمق في المشكلة وتستخلص حلولاً ناجحة لها وهي ستكون محل رعاية واهتمام من القيادة في سوريا, بعيداً عن الأضواء .. حملة مكافحة الفساد في سوريا مستمرة.