ستبرهن الايام على خطأ الاعتقاد بأن المعركة الانتخابية الامريكية قد انتهت بقرار المحكمة الدستورية العليا الاخير, أو بعبارات الوفاق ودعوات تضميد الجراح التي تبادلها جورج بوش وآل جور, ذلك ان هذه الملحمة السياسية كانت اكثر سخونة من ان يفترض اي منا ان تبرد على عجل ثم ان الطقس السياسي في الولايات المتحدة ـ على ضوء التركيب الجديد للكونجرس ـ لن يكون رطبا على اي نحو يدعم تهدئة الامور, ووضع صيغة لتعايش مشترك يضمن للادارة المقبلة قدرا مقبولا من الفعالية. ولا يحتاج المرء لكرة بلورية كي يتوقع ما سيكون, ذلك ان البوادر الاولى تشير بوضوح إلى المعالم الاساسية للسنوات الاربع المقبلة, فحول البيت الابيض ومقار الحزب الديمقراطي في فلوريدا وكاليفورنيا ونيويورك تجمع بعض انصار آل جور وهم يحملون لافتات تتشابه في معناها, ويكفي قراءة واحدة منها ـ رفعها احدهم في تالاهاسي ــ لمعرفة محتوى الاخريات, فقد كتب على تلك اللافتة: كما حاولوا اقالة كلينتون, لنعمل على اقالة بوش, ابدأوا اجراءات اقالة من سلب الناخبين حقهم في التصويت. وليس هذا موقفا نشازا لقلة من مؤيدي جور, فثمة عدد من اعضاء الكونجرس الديمقراطيين يعلنون انهم لن يسمحوا للرئيس الجديد بالافلات من نتائج ما فعل, ويتهمون الحزب الجمهوري علانية بسرقة الانتخابات, وثمة عدد اخر يقسمون ان بوش لن يظفر بفترة رئاسة ثانية بعد الاولى (التي نشلها نشلا من جيب الديمقراطيين), وانهم ـ من ثم ـ سيعملون على افشاله في كل ما سيحاول القيام به خلال رئاسته الاولى, حتى يجردونه من اي رصيد حين يأتي موعد الانتخابات المقبلة. وهناك ايضا ـ على الضفة الاخرى من النهر ـ من يدعو من الجمهوريين إلى تطبيق برنامج بوش كاملا بلا مساومات أو تنازلات, أو كما قال عضو الكونجرس باتريك ليهي لنا الاغلبية في مجلس النواب, والاغلبية ايضا في مجلس الشيوخ ان أدرجنا صوت رئيس المجلس, اي نائب الرئيس ديك تشيني, الذي سيرجح احدى الكفتين المتساويتين, ولنا ـ فوق هذا كله ـ البيت الابيض, لماذا نتنازل اذن؟ ثم ان الشارع الامريكي ـ جمهوريين وديمقراطيين ـ ينظر إلى جورج بوش نظرة تشوبها شائبة لا مجال لاغفالها تلك هي انه لم يظفر بأغلبية عدد اصوات الناخبين الامريكيين على وجه العموم, بل كان خصمه, الذي تنازل مساء الاربعاء, هو الذي فاز بتلك الاغلبية, لن يستطيع جورج بوش الافلات من هذا الاطار, اطار فوزه بالرئاسة بسبب نظام المجمع الانتخابي وليس بسبب الناخبين, وبقرار من المحكمة الدستورية العليا وليس بقرار من صناديق الاقتراع. يمين الحزب الجمهوري يسعى إلى تحقيق كل شىء, ويسار الحزب الديمقراطي يرمي إلى تحقيق لا شىء, فيما يقف جورج بوش بينهما وقد حلقت فوق رأسه بعض الغيوم التي خلفتها ملابسات فوزه, وقدر كبير من المرارات مما تركته تلك الملحمة السياسية غائرا في النفوس, وسوف يتعين على الرئيس الجديد ان يسير في حقل من الالغام فيما يعاني من وهن سياسي لم يكن هناك سبيل لتجنبه في معركة حسمها صوت واحد في المجمع الانتخابي بسبب صوت واحد في المحكمة العليا. فضلا عن هذا كله فان القراءة بين سطور خطاب التسليم الذي القاه آل جور مساء الاربعاء تكشف بوضوح ان هذا السياسي الذي عركته 24 سنة قضاها في واشنطن, والذي اعده ابوه, وكان عضوا في الكونجرس بدوره, للرئاسة منذ يومه الاول, قد بدأ للتو معركة الرئاسة المقبلة, وذلك في مناخ يشعر بسببه الديمقراطيون ان جورج بوش سلبهم ما لهم. انها خارطة لم ترها واشنطن طيلة ما يزيد على قرن مضى, لذا فان هذه المدينة ذات الشعاب المعقدة لن تكون كما الفها الناس طيلة قرن مضى, ذلك ان الجماعات السياسية التي تحكم مداخل ومخارج هذه المدينة لا تتسم بأي قدر من التسامح الان, ثمة مصالح بعشرات المئات من مليارات الدولارات معلقة هنا أو هناك, ويبرر ذلك قطع الرقاب بلا رحمة, بدأ ذلك بمحاولة اقالة بيل كلينتون بدعوة قيامه بما يقوم به الجميع في واشنطن, ثم ها هو الان يدخل منعطفا جديدا لم يره احد من الماضين على الطريق من قبل, وهو منعطف تحيط به سحب كثيفة يسهل خلفها اشتباك النصال, وتبادل الطعان. يستند الديمقراطيون على التشكيك العام في شرعية رئيس فاز خصمه باغلب الاصوات, ويستند الجمهوريون على ان مجلس النواب والشيوخ والبيت الابيض هي (جميعا لنا) فهل يمكن لجورج بوش ان يطبق برنامجه؟ هل يمكن له ان يطبق برنامج تخفيف الضرائب؟ كيف اذا كان تطبيق ذلك البرنامج يحتاج إلى 60 صوتا في مجلس الشيوخ كي يصبح قانونا؟ ومن اين للجمهوريين 60 صوتا؟ ثم هل سيتمكن بوش من مواجهة محاولات اضعافه, التي ستمضي على ساحة الاعلام الديمقراطي الحالي بصورة منهاجية, لحرمانه من اي رصيد في انتخابات الرئاسة المقبلة؟ لن يتمكن جورج بوش من انقاذ ما يمكن انقاذه من برنامجه الا عبر تحالفات وتنازلات لابد ان (تتضح) نصف هذا البرنامج, اذا شئنا تقديرا متفائلا, لقد دخلت الولايات المتحدة, بعد هذه المآساة الانتخابية الاخيرة, مرحلة من فقدان التوازن ستدوم اربعة اعوام كاملة. الا ان العالم الخارجي لن يشعر بفقدان التوازن هذا كما سيشعر به الامريكيون, ذلك ان السياسة الخارجية للولايات المتحدة هي جزء من اختصاصات الرئيس, لا دور للكونجرس الا حين يأتي وقت صرف الاموال لهذا أو ذاك, وفيما كان 83% من اعضاء الكونجرس يعارضون حرب الخليج الثانية مثلا, فان جورج بوش الاب مضى رغم ذلك قدما, الا ان الانتصار الكاسح الذي حققته الولايات المتحدة بحسم هذه الحرب على النحو الذي ارادت لم يسفر على اي حال عن انقاذ بوش الاب سياسيا بعد ذلك بشهور قلائل, حين ازفت ساعة المعركة الانتخابية. والمشكلة هذه المرة ان المعركة الانتخابية المقبلة قد بدأت للتو!