الملف السياسي : رأت أسرتي منذ أن كنت طفلة عمري خمس سنوات فقط أنني موهوبة, أغني وأرقص وأقلد كل من كان في منزلنا وأقلد أيضا نجوم التمثيل والغناء الذين كنت أشاهدهم في التلفزيون. فرحت أسرتي بي وشجعتني على تنمية هذه الموهبة, وأسعدني الحظ حين شاركت في مسابقة للهواة أقيمت في أوبرج الأهرام مع أربعين هاويا وفزت بالجائزة الأولى وكان من ضمن الحاضرين المخرج الراحل نيازي مصطفى الذي طلب من والدي أن يقدمني للسينما, وبعد أن حصل على موافقتهما قام بتغيير اسمي من (نونيا) إلى (لبلبة) لأننى كنت أتحدث بسرعة مذهلة وبطلاقة مدهشة تفوق عمري الصغير. قدمني نيازي مصطفى في فيلم (حبيبتي سوسو) مع ليلي فوزي ومحسن سرحان وإسماعيل ياسين, ثم توالت علي الأفلام بعد ذلك, وخاصة بعدما عملت مع الراحل أنور وجدي في فيلم (أربع بنات وضابط), هذا الفيلم الذي استغرق ستة أشهر قبل التصوير ما بين تدريبات رقص وحفظ وتسجيلات أغان وتجهيز ملابس, وكان أهم الأفلام التي عرفني من خلالها الناس وكان سبب شهرتي السينمائية بجانب شهرتي كمنولوجست. وظللت هكذا أتردد بين السينما والتقليد حتى تفرغت للسينما تماما, وساعدتني بدايتي المبكرة على سرعة التعلم, خاصة وأنني عملت مع فنانين عمالقة لم يبخلوا علي بشيء. حتى تقابلت مع المخرج محمد عبد العزيز الذي منحني أول بطولة مطلقة وقدمنا سويا مجموعة من أكثر أفلامي الناجحة مثل (خلي بالك من جيرانك) و (البعض يذهب للمأذون مرتين) و(عصابة حمادة وتوتو) و(لك يوم يا بيه). لعل ما سبق يكون خلفية جديرة بأن تبرز بدايتي الفنية وأول طريقي السينمائي, لكن الأهم أنها تتضمن بين سطورها كيف عشقت الفن والسينما ومن خلالهما تعلمت أن أعشق الوطن, فقد أدركت منذ نعومة أظافري أن الفن والوطن لا فرق بينهما, فالفن هو المرآة الحقيقية التي تعكس كل ما يدور في قلب الوطن, والسينما هي الرحم الذي يولد من خلاله كل يوم فيلم يعبر عن هذا الوطن, حتى لو كان هذا الفيلم كوميديا أو بوليسيا أو أكشن, فكلها أعمال لا تنفصل عن الواقع.. تعلمت ذلك من أنور وجدي الذي عشق السينما إلى حد الجنون أو الموت, فكان وقته وجهده كله للسينما, وكان يغوص في المجتمع ليخرج بقصة أو بطفلة مثلي يبرزها ويمنحها مساحة كبيرة, لم يكن أنانيا يهتم بنفسه بل كان مغرما بالسينما وعاشقا للوطن. تعلمت ذلك من الملحنين الراحل منير مراد والشاعر الغنائي فتحي قورة اللذين عملت معهما أغلب أغنياتي التي قدمتها خلال مشواري الفني. تعلمت ذلك من الرائع عبد الحليم حافظ الذي إرتبطت به منذ طفولتي, فقد كنت القاسم المشترك في كل حفلاته, وكان (حليم) يحرص على الصعود إلى المسرح فور إنتهاء فقرتي لأنه كان يعتبر أن الجمهور عندما يرى فقرة مرحة يتقبل الطرب بشكل جيد. فعبد الحليم كان يتفنن من أجل إسعاد جمهوره, ولا يهتم بمرضه ومعاناته قدر اهتمامه بالوقوف على المسرح وكان في أفضل حالاته وهو يشدو الاغاني الوطنية, سافرت معه إلى بلاد كثيرة لإحياء حفلات عديدة منها الكويت والعراق وسوريا ولبنان والأردن, وهناك تعرفت على صور كثيرة لوطننا العربي الحبيب. صور أكدت حبي للأرض العربية والشعب العربي في كل مكان, وهناك أيضا أو حتى أكون أكثر تحديدا فإنني كنت أنتظر صعود (حليم على المسرح أراقبه وراء الكواليس وأراه عن قرب واستفيد منه كفنان وإنسان وكيف كان يهتم حتى بحياته الخاصة ويحرص دائما على أن يحافظ على ثقة الجمهور وأن يكون قدوة في عمله وفي حياته الشخصية. إن معادلة الفن والوطن رسخت بداخلي حتى أكون منصفة من خلال كل الذين عملت معهم, وإن كان المجال لا يتسع لذكرهم جميعا ولكني لا أستطيع أن أنسى عادل إمام وفؤاد المهندس ومديحة يسري ومحمد صبحي وأحمد زكي ونور الشريف و.. الكثيرين . ولكن في الحقيقة فإن الدرس الأهم تعلمته على يد الراحل عاطف الطيب, فهو لم يكن مخرجا عاديا بل فنانا معجونا بتراب هذا الوطن, كان (الطيب) مخرجا جريئا له رؤية خاصة في أفلامه, وكان دائما يعالج مشاكل وقضايا مجتمعه, فهو بقدر حبه الشديد للفن وتفانيه وإخلاصه وطموحه, إلا أن هناك حبا أعظم كان يتملك منه وهو حبه لبلده, على هذه الأرضية إلتقيت مع عاطف الطيب وقمت ببطولة فيلمه (ضد الحكومة) مع الفنان أحمد زكي والذي كان يدور حول قانون التعويضات ومافيا المحامين الذين يستغلون هذا القانون بشكل سلبي, وذلك على خلفية من الأحداث التي تبرز الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمع المصري, وقد قمت في هذا الفيلم بدور (سامية) المحامية الانتهازية, وهو دور أدهش النقاد لأنه كان غير تقليدي بالنسبة لي فشكل نوعا من المفاجأة لهم. لكن المفاجأة الأكبر كانت مع دور (حورية) الذي قدمته في فيلم (ليلة ساخنة) مع نور الشريف حيث أحدث لي هذا الفيلم ثورة وإنقلابا ضخما في حياتي الفنية, بل أنه حول دفة حياتي كلها إلى إتجاه آخر, لقد نجح (عاطف الطيب) أن يصل بي إلى ضفة النضج في هذا الفيلم, لم تكن (حورية) مجرد فتاة ليل تلتقي بسائق تاكسي في ليلة رأس السنة وتمر بها ظروف وأحداث عصيبة, وإنما كانت هي نتاج طبيعي لأوضاع متأزمة ومتناقضة في مجتمع يعيش ناسه تحت خط الفقر بينما يستمتع بثرواته مجموعة صغيرة ربما تتجاوز أصابع اليد العشرة بعدد قليل, لقد عبر (الطيب) عن ذلك ببراعة وفي قالب فني رائع, لذا حصل الفيلم على العديد من الجوائز المحلية والدولية, وحصلت أنا على جائزة أحسن ممثلة من مهرجان العالم العربي في باريس, ومهرجان فالينسيا, وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان الأفلام الروائية. وعلى ضفة النضج, أيضا لا يمكن أن أنسي (بهية) تلك الشخصية الجميلة التي جسدتها في فيلم (الآخر) مع المخرج الكبير يوسف شاهين, ودوري في هذا الفيلم كان تجربة ثرية بالنسبة لي خاصة وأنني أعمل لأول مرة مع مخرج عبقري مثل شاهين, كما أنه كان دورا جديدا علي, حيث لعبت دور الأم التي توفي زوجها وترك لها أولادا تكفلت بمفردها بتربيتهم وتحملت المعاناة من أجل ذلك, وأكثر ما يجعلني فخورة بهذا الدور أن (بهية) كانت رمزا لمصر. ولا يمكنني, أيضا, في هذا الإطار أن أنسي دوري في فيلم (جنة الشياطين) مع المخرج أسامة فوزي الذي يتمتع بحس فني جميل وتكتيك عال, واعتزازي بدوري في هذا الفيلم ينبع من أنه تجربة سينمائية جديدة ومتطورة تدور في إطار فلسفي لا تتحمله السينما المصرية, ومع ذلك أقدم على إنتاجه الفنان محمود حميدة بجرأة يحسد عليها ولكنها استطاعت أن تقتنص إعجاب الجميع. وكل ما أتمناه من الله أن أحافظ على مستوى النضج الذي وصلت إليه وأن يساعدني في اختياراتي المقبلة بان أحقق معادلة التواصل بين الفن والوطن.