الملف السياسي : شكلت اللعبة السياسية التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك باستقالته من منصبه, علامات استفهام واسعة حول مستقبل عملية السلام على المسار الفلسطيني الإسرائيلي, ومستقبل المنطقة بشكل عام, حتى استفسر البعض عن احتمالية وجود مخطط إسرائيلي لتسخين المنطقة عبر فلسطين من اجل إعطاء إسرائيل المبرر للقيام بحرب أو اعتداء على دولة أو اكثر من الدول العربية في المنطقة. ويرجح المراقبون في المنطقة إلى أن سوريا هي الدولة المقصودة هنا ولكن إلى أي مدى يمكن الدفع بهذا القول, وهل يتعلق سبب التفاف باراك على ما يجري في فلسطين عبر استقالته من منصبه, بهدف رغبته في مشاركة كل الدولة الإسرائيلية فيما ينوي فعله مستقبلا أم أن الانتفاضة بالفعل استطاعت أن تكشف التناقضات داخل الجسم العبري؟ هناك أسئلة كثيرة يمكن طرحها في هذا السياق, ولكن من الواضح جدا أن تغييرا خطيرا تتهيأ له المنطقة سيتوضح في المستقبل المنظور. لمحاولة مناقشة كل ذلك اجرى (الملف السياسي) حوارا مع الكاتب والصحفي الأردني حسن التل رئيس تحرير جريدة اللواء الأسبوعية وفيما يلي نصه: * يعود السؤال القديم الجديد المتعلق بأين يمكن تحقيق المصلحة العربية لدى الليكود أم لدى العمل؟ ــ ما من شك أن هناك اختلافات واسعة بين باراك ونتانياهو على كثير من القضايا والتفاصيل ولكنه الاختلاف الذي لا يعني قضيتنا نحن, أو مصالحنا, والاهم من كل ذلك حقنا في أرضنا وحق أرضنا أن يسكنها أهلها الذين هم نحن, نحن الماضي والحاضر والمستقبل, وإذا ما قلنا اننا لا ننظر بعين الفرق بين باراك ونتانياهو فإننا نقصد هذا المعنى والمفهوم. وإذا كان البعض يشير إلى أن هناك فروقات سياسية بين هذا وذاك فلا اعتقد انه بالإمكان أن يستطيع أحد أن يثبت أن هذه الفروقات من شأنها أن تقدم لنا حلولا عادلة وعملية فيما يتعلق بقضيتنا الفلسطينية. فلا باراك ولا نتانياهو ولا شارون ولا أي من هؤلاء الصهاينة يختلف في النهاية. هل يريد من يرى فرقا بين الطرفين أن يقنعنا أن باراك أميل إلى إعطاء الحق إلى أصحابه كيف يمكن المضي بهذا القول, خصوصا بعد كل ما جرى ويجري. حين يريد السياسي منهم إثبات عمق صلابته وموقفه وحراسته للمصالح الإسرائيلية, تراه يسفك الدماء المسلمة في فلسطين ويفعل الافاعيل في الأرض المقدسة. فحين قام شارون باقتحام المسجد الأقصى, ليثبت للمتدينين انه اشد صلابة من ايهود باراك قام باراك بسفك دم الآلاف من الدماء المسلمة بين شهيد وجريح ليثبت للشارع اليهودي بأنه الأقوى والأشد سطوة على العرب. انهم ان اختلفوا فإنما يختلفون على الأداة التي سوف يقتلوننا بها وليس على القتل كونه قتلا. ومع الأسف الشديد أثبتت الأعوام الطويلة الماضية ان العرب والمسلمين لم يدركوا حتى الآن البعد الصهيوني ووجوده في المنطقة وان الخطر لن يقف عند حدود فلسطين. ومن هنا يمكن القول ان انتفاضة الأقصى جاءت متجاوزة حتى الأنظمة ومعارضيها من تنظيمات وأحزاب. وقد قدر لهذه المنطقة, وليس من اليوم بل منذ غابر الأزمان ان تقوم بها أحداث لم تكن بالحسبان. * بعيدا عن وجهة نظرك في الفروقات بين الليكود والعمل, هل تعتقد أن المجتمع الإسرائيلي الآن مستعد لانتخاب حزب الليكود أم العمل لقيادة الدولة العبرية؟ ــ جميع الاحتمالات مفتوحة ولا يمكن لأحد الآن القول بان العمل سيعود للسلطة رغم أن الأدوات التي ستساعده على ذلك اكثر من التي بين يدي الليكود. ولكني هنا لا أستطيع أن استبعد ما قلته من أنني لا أجد فرقا بين الطرفين. الفرق الوحيد الذي بينهما لا يتعلق بقضيتنا وحقنا وإذا ما تعلق فهو الاختلاف على الأداة والتكتيك, وليس على الاستراتيجية. * من الواضح أن الانتفاضة استطاعت أن تربك السياسة الإسرائيلية كما فعلت انتفاضة عام 1987 فإذا ما أفرزت الانتفاضة الماضية عملية السلام هل يمكن القول بان هذه الانتفاضة ستدفن هذه العملية؟ ــ فيما يتعلق بما يقال عن أن صراعا داخليا يمكن أن يحدث داخل المعسكر الاحتلالي الإسرائيلي تعود فيه النتائج لمصلحة التطلعات العربية, فإنني اعتقد أن هذا الصراع لا يمكن الاعتماد عليه, خصوصا في ظل المواقف العربية الراهنة, وان هذا الصراع إذا ما نما فإننا يجب الإشارة إلى مسألة مهمة هنا وهي ان العرب لن يكونوا عاملين فيه, فهو ليس من تدبير المؤتمرات العربية او الإسلامية, وان كل ما يمكن ان تفعله الحكومات العربية ان تكون متلقية للأحداث شأنها على مدار الصراع العربي الإسرائيلي. حيث ان التناقضات التي تجري في هذا المعسكر تتفاعل نتيجة التناقضات الموجودة فيه اصلا, وبالرغم من وجودها وإمكانية تفعيلها فان العرب لم يسجلوا يوما اي محاولة تعميق هذه التناقضات داخل ما يسمى المجتمع الإسرائيلي. بمعنى انه حتى لو حدث صراعا داخليا داخل الكيان المغتصب فان العرب الرسميين لن يقوموا باستغلاله. وفي الحقيقة ربما نكون نحن الكبار خجلين اكثر عندما نرى أن أطفالا صغارا لم يتركوا ملاعبهم بعد ان استطاعوا دون مساعدة أي من الرسميين العرب أو التنظيمات العربية دون استثناء, سواء القومية منها أو الإسلامية أو اليسارية, على تعميق وإظهار مجموعة من التناقضات اليهودية في معسكرهم الإحتلالي. القضية لا تكمن في اللعبة السياسية التي يلعبها الآن باراك, سواء كان المقصود منها العرب والفلسطينيين ام كان الهدف من ورائها لعبة سياسية داخلية تتعلق بصراع الديوك في داخل المجتمع العسكري الإسرائيلي. فعملية السلام التي يراها البعض قد تمت بالحركة الالتفافية التي قام باراك بتصفيتها هي في حقيقة الأمر منتهية منذ انطلاقتها أو لنقل من موافقة الفلسطينيين الذهاب وحدهم إلى آخر الشوط بتوقيعهم أوسلو وما تلا أوسلو. فما دام الطرفان سواء الفلسطيني أو العدو يريان أن الغلبة هي للأخير فانه لا سلام ولا طمأنينة ولا امن وكل ما يمكن أن يحدث مزيد من التنازل والذل العربي. وقد فهم الفلسطينيون سواء الرسميون أو الشارع العام كل ذلك ومن اجله يقدمون الآن الدماء والشهداء, مع العلم أن الدم الفلسطيني ليس قابلا للعرض في الأسواق السياسية على الأقل لدى الشعب الذي يقود الانتفاضة, هذا الشعب الذي يدرك أن بدائل الانتفاضة خصوصا بعد انطلاق عربتها ستكون قاسية جدا عليهم. في المقابل فان الانتفاضة استطاعت أن تعري جميع التنظيمات العربية وتكشف حجمها الحقيقي وأهدافها التي ترمي إليها, فلا أحد الآن يستطيع أن يزايد على أحد, والقول بان هناك معارضة في الوطن العربي فاعلة أو يمكن أن تفعل شيئا قول فيه كثير من التعمية والتغطية على الحقائق. منذ أن اندلعت انتفاضة الأقصى لم تفعل هذه التنظيمات سوى أن تخرج بعض الآلاف من الناس إلى الشوارع ليهتفوا بان فلسطين عربية. وهذا كل شيء أما أن تقوم بعمل حقيقي يساعد هؤلاء أهل فلسطين في محنتهم فلم نري ذلك حتى الآن, فالمطلوب وكما قال أهل فلسطين ليس التصدق عليهم, مع أهمية مثل هذه الخطوة, وضرورة العمل عليها بجد وبديمومة, ولكن المطلوب هو عمل جاد في سبيل مساعدتهم في أرضهم عربيا وعالميا. * وما هي البدائل التي يمكن التعامل معها على الأرض؟ ــ السؤال الذي استطاعت الانتفاضة الإجابة عليه وكان محط جدل ونقاش كبيرين طوال عملية السلام هو : ما هو البديل. ان أهمية الانتفاضة ليست فقط انها استطاعت أن تفضح النظام العالمي وتعريه هو واتباعه, بل هي أيضا استطاعت وبشكل احترافي متميز أن تقدم الإجابة على سؤال البدائل سابق الذكر. * تطرقت إلى مظاهر العجز العربي في مقابل ما تقدمه الانتفاضة, في مقابل هذه الحقيقة ربما يقال ان البديل المطروح من قبل الانتفاضة بديل عديم النتائج, أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية؟ ــ نحن لا نقول ان الانتفاضة عدمية, أو ما تقدمه سيكون لا شيء, بل إنها كانت نتيجة المواقف العربية سواء الرسمية أو الحزبية, بالإضافة إلى المواقف التي رسمها الموقف الرسمي الفلسطيني ومواقف التنظيمات الفلسطينية. فقد نجحت الانتفاضة حتى الآن في إظهار حقيقة الأمور على الأرض أما حول ما يقال عن تعادل القوة وضرورة الأخذ بهذه المعادلة فبالإمكان هنا أن نضرب الكثير من الأمثلة التي استطاع فيها الضعيف أن يهزم من يفوقه عددا وعتادا, بالإضافة إلى أننا يجب أن ندرك حقيقة من ابرز حقائق الحرب والقتال انه بلا سقوط الضحايا والشهداء لن يستطيع أي طرف إزالة الظلم عن كاهله. فالتغيير المطلوب لا يوهب أو يتصدق به الظالم على المظلوم إنما التغيير يؤخذ مغالبة. * ما هو مصير الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي برأيك؟ ــ يريد اليهود للخروج من المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه إعادة الدعوة إلى السلام حتى ينالوا فرصا افضل, وهم ان فعلوا ذلك سينجحون بالتأكيد في إحراز مزيد من التنازلات الفلسطينية ولكن هذه المرة التنازلات الأخطر حيث انه سيقال للجميع ان الفلسطينيين غير مستعدين لتقديم الضحايا إلى الأبد وان البديل وحيد وهو التنازل إلى حين تغير موازين القوى, والشعب الفلسطيني المنتفض يدرك حقيقة هذا الأمر جيدا. أما عن مصير الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين فلم تكن الانتفاضة هي التي عرتها بل عرتها قبل ذلك المواقف الإسرائيلية نفسها فالجميع رأى أن الفلسطينيين كانوا بحاجة إلى مجموعة من الاتفاقيات حتى ينفذ الإسرائيليون ما وقعوا عليه في كل مرة وكل اتفاقية تدخلنا في دهاليز لا يعلمها إلا الله. في الوقت الذي انتهى فيه المفاوض الفلسطيني إلى العجز عن تبرير تنازلاته أمام شعبه وأمام العالم العربي فقامت الانتفاضة. فإذا ما أدركنا ما يرمي إليه اليهود أدركنا سر تعاملهم بهذه الطريقة. هم ببساطة يريدون دولتهم من النيل إلى الفرات, وهذا الأمر يسمح لهم بحرية الحركة مع الفلسطينيين, وعليهم حتى ينفذوا مخططهم أن يجهزوا على القضية الفلسطينية نهائيا, وهم يعملون على هذا الأمر منذ البداية ولكن الجديد الآن انهم يرون أن الوقت حان للضربة القاضية التي تنهي, ومن ثم تنسي هذه القضية عند العرب. أما فيما يتعلق بالفلسطينيين فإنني اعتقد أن بوصلة المفاوض الفلسطيني قد تحركت إلى غير رجعة عما كانت عليه قبل الانتفاضة, والشعب الفلسطيني استطاع أن يجبر قيادته على الانصياع لارادته بعد أن ادرك بالملموس أن عملية السلام اكذوبة كبرى. * هل تريد القول أن المنطقة مقبلة على حرب؟ ــ اليهود مستحيل أن يوافقوا على وجود عربي قوي حولهم, وهم يعرفون وضع العرب في الوقت الراهن, لذلك سيحاولون ما استطاعوا أن يكسبوا ما يمكن كسبه, ولو أدى ذلك لضرب بعض الدول العربية وقد هددوا اكثر من مرة انهم سيقومون بضرب سوريا ودول اخرى ونحن اعتدنا على لغة السطوة والتهديد من قبل اليهود, خصوصا إذا ما دفعتهم الأمور إلى ذلك. ولكن في النهاية فقد ثبت أن هذا الجيش الذي لا يقهر استطاع شباب صغير من شباب فلسطين أن يقهره, وان يدميه, بالإضافة إلى الشواهد التي ترفع الرأس لدى حزب الله. والأمور مرهونة بمدى قوة أو ضعف التحرك السياسي العربي فإذا ما وجد سياسة عربية قوية, من خلال الضغط السوري والمصري والسعودي فمن الممكن أن يكون هناك نوع من تغيير المواقف أما إذا ما ترك هؤلاء الصهاينة حتى يرجعوا لنا حقنا أو على الأقل بعضا منه فسننتظر طويلا.