الملف السياسي : اثارت استقالة ايهود باراك من منصبه تساؤلات سياسية في اوساط الفلسطينيين خاصة والعرب عامة عن تأثير هذه الاستقالة على مسار عملية السلام المجمدة اصلا وعلى الانتفاضة، الى جانب ماهية النتائج المترتبة عليها على صعيد اسرائيل حول هوية رئيس الوزراء الاسرائيلي القادم سواء باراك من حزب العمل او زعيم الليكود ارييل شارون ان بنيامين نتانياهو الذي اعلن عزمه على ترشيح نفسه. ويتفق معظم المحللين السياسيين في الاردن ان استقالة او سقوط باراك من منصبه كرئيس للوزراء تعود الى عاملين مترابطين الخارجي المتمثل في استمرار الانتفاضة الشعبية ضد الاحتلال بقوة منذ نهاية سبتمبر الماضي وعجز باراك على وقفها سياسيا وعسكريا وفشله في اخضاع الفلسطينيين في مفاوضات المرحلة النهائية التي حدثت في كامب ديفيد وعلى عكس ما حصل في اتفاقات اوسلو وما تلاها حيث استطاع سلفه رابين تحقيق اخترقات كبرى لصالح اسرائيل مع قيادة منظمة التحرير ويرى الفلسطينيون رسميا وشعبيا ان اهمية سقوط باراك بفعل الانتفاضة كعامل اساسي في ذلك ان الانتفاضة الشعبية بهذا الزخم رغم التضحيات الكبيرة قد برهنت للمجتمع الاسرائيلي ولقيادته السياسية والعسكرية ان لا حلا عسكريا للقضية الفلسطينية من خلال اخضاع الشعب الفلسطيني وان لا حلا سياسيا دون انسحابه الكامل من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما فيها القدس وتطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. رغم اختلاف الرؤية السياسية الفلسطينية من هذه القضية التي ترى فيها المعارضة وفي مقدمتها حماس ان هذا الحل مؤقت وغير كاف وان فلسطين كلها يجب ان تعود ولو ضمن رؤية استراتيجية فيما ترى السلطة الفلسطينية والعديد من الفصائل المؤيدة لاوسلو اصلا ان هذا هو الحل العادل للقضية الفلسطينية المستند الى قرارات الشرعية الدولية والى موازين القوى الدولية قبل ذلك. الا ان تأكيد المحللين على دور الانتفاضة ومن قبلها ايضا هزيمة باراك السياسية والعسكرية في جنوب لبنان على ايدي المقاومة الاسلامية والوطنية لا يقلل من مأزق ايهود باراك الداخلي المساهم بقوة في الاستقالة بعد ازماته مع حلفائه من الاحزاب المتمثلة في الكنيست والاستقالات في حكومته كما حدث مع ديفيد ليفي وزير خارجيته السابق واضطراره الى مغازلة خصومه الليكود والبحث معهم في اقامة حكومة وحدة وطنية لم تر النور الى جانب السخط العربي داخل الكنيست وخارجها الامر الذي ادى الى فقدانه التمتع بالاغلبية في الكنيست وفقدانه السيطرة على زمام الامور وتراجع قوته داخل حزبه والمجتمع الاسرائيلي عامة الذي اظهرت استطلاعات الرأي في الاسبوع الماضي تدني شعبيته وهو مؤشر خطير على مستقبله السياسي مقابل ارتفاع شعبية خصمه نتانياهو العائد بقوة الى الساحة السياسية خاصة بعدما اعلن عزمه على ترشيح نفسه لانتخابات رئاسة الوزراء حيث حصل على 50% مقابل 35% لصالح باراك الذي يتفوق قليلا على زعيم الليكود ارييل شارون الامر الذي قد يطيح باحلام باراك كرئيس للوزراء الاسرائيلي اذا نجح نتانياهو وانصاره في الكنيست بسن تشريع بالدعوة الى حل الكنيست واجراء انتخابات عامة. ويرى المحللون خارج اسرائيل وداخلها ان هذه المعطيات هي التي دفعت باراك الى تقديم استقالته والدعوة الى انتخابات بهدف قطع الطريق امام عودة نتانياهو الذي اطاح به باراك نفسه قبل نحو 18 شهرا وبقدر ما يقر المراقبون بذكاء خطوة باراك لابعاد نتانياهو والتخلص من ازماته الداخلية وكسب الوقت من الفلسطينيين وعلى حسابهم الا انه لا ضمانة قانونية وسياسية لعدم حل الكنيست وادخال تشريع يسمح لغير اعضاء الكنيست او لاي مواطن اسرائيلي بالترشح لمنصب رئيس الوزراء. رغم التصريحات المنسوبة للمستشار القضائي للكنيست الاسرائيلي بعدم امكانية حل الكنيست الاسرائيلي. ويفسر العديد من المراقبين تصريحات باراك بعدم ممانعته باجراء انتخابات عامة بانها للاستهلاك المحلي ولاظهار نفسه امام الرأي العام الاسرئيلي املا في كسب اصواته ولا يخاف نتانياهو وانه واثق من نفسه في النجاح الى جانب عدم قدرته على منع حل الكنيست واجراء انتخابات عامة. ويقول الدكتور احمد الطيبي في تصريحات صحفية له في عمان ان الكنيست غير معني بحل نفسه دون ان يستبعد ذلك رغم اشارته الى ان حزب ميرتس وهو طرف مهم في تمثيله داخل الكنيست تراجع عن تأييده لحل الكنيست ويقر الطيبي الذي اعلن في عمان عن ترشيح نفسه عضوا في الكنيست لمنصب رئيس الوزراء بدقة موقف الناخب العربي للاختيار بين ايهود باراك او شارون او نتانياهو انطلاقا من سوء الاثنين والسخط العربي الشديد على باراك لتنكيله بالفلسطينيين في فلسطين المحتلة عام 1948 واستمرار سياسة التمييز العنصري ضدهم وعدم استجابته للمطالب الفلسطينية العادلة بالانسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 واللجوء بدلا من ذلك الى قصفهم بالطائرات والدبابات وهي سياسة وحشية لا تختلف في جوهرها عن سياسة نتانياهو وشارون. ويدرك الطيبي بعدم وجود اي فرصة له للنجاح او منافسة مرشحي منصب رئيس الوزراء الا ان المراقبين يعتقدون ان خطوة الطيبي تستهدف التشويش على باراك وكلا من شارون ونتانياهو الى جانب تحقيق مكاسب سياسية في تعزيز النفوذ العربي داخل الكنيست ومكاسب سياسية شخصية للطيبي نفسه. و من الواضح ان استقالة باراك حققت اهدافا سريعة بضمانه لغاية الآن اجماعا من اللجنة المركزية لحزب العمل له دون تمكين منافسيه من اخذ فرصة الترشيح وارباك حزب الليكود ايضا ونتانياهو خاصة. ولا يستبعد كثيرون وجود تفاهم سياسي وسري بين ايهود باراك وخصمه شارون على تقاسم في الحصص السياسية بتشكيل حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات الخاصة في حالة عدم دخول نتانياهو رسميا لحلبة التنافس على منصب رئيس الوزراء رغم ان كلا من شارون وباراك قد نفيا وجود اتفاق سري بذلك الا ان مصلحة الخصمين الآن هي استبعاد نتانياهو لان قياسات الرأي العام الاسرائيلي اعطته شعبية اكثر من كل منهما على حدة. وبالرغم من جمود عملية التسوية على المسار الفلسطيني الاسرائيلي والمسار السوري الاسرائيلي الا ان الموقف الرسمي الفلسطيني اشار الى قلقه من خطوة باراك بتأثيرها على التسوية من خلال اعلان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في تصريحات صحفية له في فلسطين بأن الاستقالة ستؤدي الى تأخير مفاوضات السلام مع اسرائيل الى ما بعد نتيجة الانتخابات. رغم ان باراك كما سلفه نتانياهو لم ينفذا الاتفاقات الموقعة مع السلطة ورفضا الاقرار بالحقوق الفلسطينية المستندة الى الحرية والاستقلال. والى جانب تصريحات عرفات فإن معظم المراقبين يتفقون على ان الاستقالة ستجمد عملية التسوية المجمدة اصلا ويشككون في اي امكانية نظرية على الاقل لاحياء اي تفاهم او اتفاق مع باراك خلال هذه الفترة وذكر خبراء سياسيون في الشئون الاسرائيلية ان باراك لم يقدم تنازلات خلال فترة قوته السياسية والآن هو اضعف داخليا من السابق وبحاجة الى اصوات الاسرائيليين والتي تميل نحو التطرف اكثر ولن يقدم اكثر مما قدم لأن خصميه السياسيين شارون او نتانياهو ينافسونه على التنكيل بالفلسطينيين. ويضيفون بأن الفترة المقبلة ستشهد تصعيدا اسرائيليا ضد الفلسطينيين مقابل رد فلسطيني بتصعيد المواجهات مع الاسرائيليين ويهدف الفلسطينيون في ذلك الى التأكيد على ألا تراجع عن انتفاضتهم الساعية نحو الحرية والاستقلال وان لا حل امام اي رئيس وزراء قادم إلا حلا سياسيا وليس عسكريا كما هو حاصل الآن والانسحاب من جميع الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 . ويؤكد الفلسطينيون ان لا خيار امامهم إلا الانتفاضة بعدما اخفقت المفاوضات المستندة الى اوسلو واستمرت 7 سنوات في اعادة حقوقهم بتحقيق الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي المحتلة عام 1967 . ويدرك الفلسطينيون ان بدائل استمرار الانتفاضة مصدر قوتهم الوحيدة امام الاسرائيليين وامام المجتمع العربي الاسلامي للوقوف معهم رغم رضاهم عن الموقف الدولي والتفرد الامريكي المنحاز لاسرائيل هو القبول بالطروحات الاسرائيلية التي حملها ايهود باراك لهم والقائمة على سيطرة اسرائيلية على القدس والحدود وبقاء عدد من المستوطنات وعدم عودة اللاجئين مع تحديد كبير لجيشهم المستقبلي عددا ونوعا وهو ما شابه طروحات ليكودية سابقة لم يقبلوا بها. وفي هذا الاطار يقول تيسير قبعة نائب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني وأحد قادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المناهضة لنهج المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية لا يوجد تسوية ولم يبق شيء منها وقد وصلت مفاوضات سبع سنوات مع الاسرائيليين الى لا شيء من استعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية, ويضيف ان لا خيار سوى الانتفاضة حتى تصل الى الحرية والاستقلال. ويعتقد المراقبون ان فرضية اعادة انتخاب باراك نظريا لن يدفع باراك ضمن المستقبل المنظور الى الاستجابة للمطالب الفلسطينية المتمثلة في الانسحاب الكامل من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ويقول مصطفى الصواف مدير مكتب الجيل للصحافة من فلسطين ان القرار الاسرائيلي ترسمه المؤسسات الاستراتيجية الاسرائيلية وليس باراك او غيره. ويعتقد مروان البرغوثي امين سر حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح اكبر التنظيمات الفلسطينية والذي هو القائد الميداني للانتفاضة الفلسطينية ان استمرار الانتفاضة هو وحده الذي يجبر المجتمع الاسرائيلي على الضغط على قيادته للاستجابة للمطالب الفلسطينية بالانسحاب الكامل من الاراضي الفلسطينية المحتلة. ان الانظار ستتجه الى تأثيرات هذه الانتخابات الاسرائيلية ونتائجها التي سيكون لها انعكاسات على الموقف الرسمي والشعبي العربي خاصة والاسلامي عامة. ان اعادة انتخاب باراك وايصاله التسوية الى مأزقها الاستراتيجي على الصعيد الفلسطيني وتهديداته العسكرية الى سوريا ولبنان ستزيد من حراجة الموقف الرسمي العربي الذي اتخذ قرارات رغم عدم الزامية بعضها بقطع العلاقات مع اسرائيل اذ استمرت السياسة الاسرائيلية العدوانية تجاه الفلسطينيين وتجعل هذه الانظمة في وضع لا يحسد عليه بين الضغط الشعبي الذي يطالبها بقطع العلاقات ووقف التطبيع وبين التزامها بمعاهدات وقعتها مع اسرائيل الى جانب الضغط الامريكي باستمرار التطبيع مع اسرائيل وعدم الاستجابة لرغبات الشارع الذي بدأ يتقدم نحو مقاطعة البضائع الامريكية ولو بحدود معينة مسنودة بفتاوى اسلامية مؤثرة على الشارع والانظمة. كما ان نجاح نتانياهو او شارون يعيد الى الاذهان تجاربهما السابقة كل على انفراد الامر الذي يزيد حراجة الرسميين العرب والمسلمين ويعزز من نفوذ الشارع العربي والاسلامي المطالب بوقف التطبيع ودعم الانتفاضة والتأكيد على ان فلسفة حزب الليكود تقوم على التوسع واعطاء الاولوية لزيادة سيطرته على الارض والأمن على حساب ما يسمى بالسلام الذي يصبح ابعد عن امكانية الوصول اليه من خلال المفاوضات والعلاقات الدبلوماسية.