الملف السياسي : قبل أيام قليلة تقدم رئيس الوزراء الاسرائيلى باستقالته من منصبه ودعا الى انتخابات عامة خلال 60 يوما, ومدعيا أنه أقدم على هذه الخطوة من أجل العمل على تخفيف حدة العنف وإعادة اطلاق عملية السلام. ومنذ ذلك الوقت والتحليلات السياسية والتساؤلات لا تتوقف حول سقوط باراك وامكانية أن يصعد ذلك من حدة الصراع الداخلى فى اسرائيل, وهل جاءت الاستقالة لتقطع الطريق على نتانياهو باعتباره ليس عضوا بالكنيست وفقا للنظام الانتخابى الاسرائيلى؟ ودور الانتفاضة الفلسطينية فى اذكاء الانقسام الداخلى فى اسرائيل, وامكانية أن يعود الليكود الى السلطة اثر الفشل الذريع لحكومة العمل فى مواجهة الأحداث والتعاطى معها, ومصير أوسلو وواى ريفر وكامب ديفيد وكل الاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين وسيناريوهات المستقبل فى ظل السلام الهش وتصاعد الأحداث.. (الملف) التقى د.محمد السيد السعيد نائب رئيس مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ود. محسن عوض الخبير فى الشئون الاسرائيلية لالقاء الضوء على التطورات الاخيرة فى الداخل الاسرائيلى والإجابة عن التساؤلات السابقة. دور أساسي بداية يؤكد د.محمد السيد السعيد نائب رئيس مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن الانتفاضة كان لها دور أساسي فى سقوط باراك حيث أنها دفعت بالمجتمع الاسرائيلى الى أقصى اليمين وأذكت الصراعات حول السلطة هناك, كما كان لها دورها فى اسقاط هيبة باراك والنيل من سمعته السياسية لفشله فى مجابهة وقمع الانتفاضة, وفى الوقت نفسه فشله فى التوصل لاتفاق سلام, لقد تقلصت القوة البرلمانية لحكومة باراك للغاية لدرجة أنه عندما ذهب الى كامب ديفيد (2) كان رئيس حكومة أقلية وكان الصراع بين حزب العمل وشاس على أشده, باراك كان السياسى الوحيد القادر على المحافظة على تماسك المجتمع الاسرائيلى لأنه طرح فكرة اسرائيل موحدة, وهذا يفسر أن حكومته لم تتزعزع وصمدت لفترة طويلة رغم انها كانت حكومة اقلية, ولكن الانتفاضة جاءت لتقطع عليه الطريق وبحيث لم يجد أمامه مفر الا الاستقالة. وعن رأيه فى أن استقالة باراك هدفها قطع الطريق على نتانياهو يقول د.محمد السيد السعيد: رغم أن هذا يبدو صحيحا للوهلة الأولى الا أننى أحب أن أوضح هنا أن باراك قادر على هزيمة نتانياهو فى حال ترشحه فى الانتخابات المقبلة, ومايقال من أن استطلاعات الرأى ترجح كفة نتانياهو فهو كلام لا يجب أن يؤخذ به كثيرا حيث من المعروف أن نتائج استطلاعات الرأى ليست هى الفيصل وهى تتغير كلما اقترب موعد الانتخابات, كما أنه معروف انها دائما تكون ضد رئيس الوزراء الموجود فى السلطة فى البداية وسرعان ماتبدأ فى التغيير, باراك فرصته أقوى فى الفوز لأن الناخب الاسرائيلى فى نهاية المطاف يريد حلا ويريد التسوية فهو لا يستبعد فرصة التسوية السلمية مع الفلسطينيين رغم كرهه لهم, وهذا الناخب مازال يرى فى باراك أنه قد يستطيع تحقيق ذلك لأن لديه القدرة على العمل لصالح الطرفين اليمين واليسار, ولذلك فهو لن يقبل على نتانياهو حتى لا يقطع الطريق على امكانية أن تكون هناك تسوية حتى لو بدت مستحيلة فى البداية. حقيقة ملموسة ويرى د.محمد السيد السعيد أن مصير عملية التسوية فى الفترة القليلة المتبقية من عمر الادارة الأمريكية الحالية وحتى اجراء الانتخابات الاسرائيلية, يتوقف على الرئيس الفلسطينى عرفات والذى بدأ يشعر بالقلق حاليا من إمكانية ان يعود نتانياهو للسلطة مرة أخرى وعندها يتم اغلاق باب السلام نهائيا, لقد دفع الفلسطينيون ثمنا غاليا للانتفاضة ولا توجد نتيجة حقيقية وملموسة لذلك على صعيد تحريك الأوضاع بالنسبة لهم, بل انهم يخافون أن يتم تجميد الوضع السياسى لفترة طويلة من الزمن وخاصة فى ضوء اخفاق المجتمع الدولى فى فرض أية حلول على الجانب الاسرائيلى, أى أن قلق الرئيس عرفات له مايبرره, وأعتقد أن عرفات يخطط حاليا لأن يكون هناك تحريك ولو مؤقت لعملية التسوية بأن يتم اعادة التفاوض, أو الوصول لاتفاق ما مع الاسرائيليين لأن ذلك يعزز فرص باراك فى العودة للسلطة الفلسطينية ويقطع الطريق على نتانياهو, ان الفلسطينيين منقسمون فى الوقت الحالى بشدة حول موضوع التفاوض ولكن مع ذلك من الممكن أن تكون هناك عودة لطاولة المفاوضات وخاصة فى ظل مايتردد حاليا من وجود محاولات لاحياء عملية التفاوض وتنفيذ بنود اتفاقية شرم الشيخ, ومن الممكن أيضا أن يقوم باراك بخطوة انفرادية ويسحب قواته بعيدا عن المناطق الفلسطينية وذلك بغية تهدئة الموقف.. أما الحديث عن مفاوضات الوضع النهائى فهو أمر مستحيل فلسطينيا واسرائيليا فى الوقت الراهن وفى ظل الأوضاع الحالية, لأن الاطروحات الاسرائيلية ازدادت تشددا, حتى العرض الاسرائيلى الذى تم طرحه فى كامب ديفيد تم التراجع عنه من جانب الاسرائيليين, والفلسطينيين من جانبهم لن يقبلوا بما لا يحقق مطالبهم وخاصة بعد بحور الدم التى أريقت وأرواح الشهداء التى ذهبت ثمنا للانتفاضة, وعموما هناك محاولات مصرية أردنية تتم حاليا لتهدئة الأوضاع. ويرى د.محمد السيد السعيد أنه فيما يتعلق بالانتفاضة هناك انجازات كثيرة قد تحققت من ورائها حتى الآن ولكن هذه الانجازات لم تحقق الأهداف المطلوبة منها بسبب عدم تفاعل المجتمع الدولى معها وكما حدث مع الانتفاضة السابقة, وهذا الامر خلق حالة من الاحباط لدى المواطن الفلسطينى وجعله أكثر ضراوة وتمسكا بمواصلة النضال واستخدام القوة والعنف ضد المحتل وبحيث صار لا يرضى بغير خروجه من أراضيه, ولكن تظل المعضلة الأساسية فى عدم تفاعل المجتمع الدولى معها وبالشكل الكافى. مفهوم مختلف ومن ناحية أخرى يشير د.محسن عوض الخبير فى الشئون الاسرائيلية الى حقيقة لابد من الاعتراف بها وهى أن الانتفاضة كان لها دور فيما حدث على الصعيد الداخلى الاسرائيلى بأن دفع الواقع الجديد الذى أفرزته بحكومة باراك الى الاستقالة, لقد اختار باراك فى التعامل مع الحقوق الفلسطينية أن يستمر فى الضغط على الفلسطينيين وعدم الاستجابة لمطالبهم وكانت الطامة الكبرى فى كامب ديفيد حيث وجد الفلسطينيون انفسهم أمام شخص غير جاد فى السعى باتجاه اقرار السلام فى المنطقة حيث كانت الحلول التى قدمها خلال هذه المحادثات بالنسبة للقضايا المتفجرة كالقدس والعودة والمستوطنات هى الأعجب والأغرب فى تاريخ المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية ومن هنا كانت الانتفاضة وكانت التضحيات وسقوط الشهداء من الجانب الفلسطينى والقتلى من الجانب الاسرائيلى, ونظرا لوجود رأى عام اسرائيلى يرغب فى الوصول الى تسوية بنفس القدر الذى يوجد فيه رأى عام يرفض هذه التسوية انقسم الرأى العام الاسرائيلى واختلف وحدثت الصراعات التى أذكتها الانتفاضة, ومع تطور الاوضاع لم يجد باراك مفرا من تقديم الاستقالة والدعوة الى انتخابات جديدة, أيضا لقد كان للانتفاضة تأثيراتها القوية على الداخل الاسرائيلى بأن طرحت العديد من القضايا بمفهوم مختلف عن تلك المفاهيم والتصورات التى تعودوها فهى طرحت أولا قضية الاستيطان الاسرائيلى بشكل جديد ولأول مرة يدرك الاسرائيليون المأزق الذى يواجهونه بسبب زراعتهم لهذه المستوطنات داخل الأراضى والتجمعات السكنية الفلسطينية التى تكرههم, لقد أظهرت الانتفاضة مدى عجز الآلة العسكرية الاسرائيلية فى توفير الحماية لهؤلاء المستوطنين وتعددت حالات الاعتداء عليهم من جانب أبطال الانتفاضة حتى أن العديد منهم صار لا يستطيع الذهاب الى عمله, أى أن الانتفاضة اجبرت الاسرائيليين على ضرورة اعادة النظر فى عملية الاستيطان برمتها وبعد ان كان باراك هو الأكثر سعيا لاقامة المزيد منها لا شك انه الآن يعيد حساباته بهذا الشأن بعد أن تأكد أن ذلك سيكون ضده على الصعيد الداخلى طالما انه لم يستطع توفير الحماية لهم وهذا يعتبر تحولا استراتيجيا مهما على صعيد السياسات الداخلية الاسرائيلية, أيضا استطاعت الانتفاضة أن تطرح قضية القدس وبما يؤكد أنه لا سلام ولا أمان الا بحل هذه القضية الشائكة لقد كان الاسرائيليون يتصورون أنهم قادرون على حل القضية بمعرفتهم وبأسلوبهم وكانت كل اطروحاتهم بهذا الخصوص تشير الى أن الحل بايديهم هم, الآن الوضع اختلف كثيرا ووجد الاسرائيليون أنفسهم امام مأزق رهيب حيث أن قضية القدس خط أحمر لكل الفلسطينيين والعرب والمسلمين ولا مجال وسط وهذا ماتؤكده الانتفاضة حيث لم يتأخر الفلسطينيون فى التضحية بأرواحهم دفاعا عن المقدسات الاسلامية ومن هنا فلابد أن الاسرائيليين سيعيدون حساباتهم وتفكيرهم بخصوص هذه القضية بعدما تأكدوا أن القدس ستكون محرقة لمن يحاول التعدى عليهم أو ضم أراضى منها لغير الفلسطينيين. قوة مفرطة ويضيف د.محسن عوض: كذلك كان للانتفاضة دور مهم فى طرح قضية العرب داخل الخط الأخضر أو عرب 48 وهم يمثلون قاعدة انتخابية لا يستهان بها حيث أنهم يمتلكون 1% من عدد الأصوات الانتخابية ولديهم نحو 15 نائبا فى الكنيست الاسرائيلى, لقد كانت اسرائيل تعتقد أنها قد احتوتهم تماما ولكن الانتفاضة أكدت عكس ذلك حيث قتل منهم نحو 11 شخصا وثبت بمالا يدع مجالا للشك انهم ليسوا بعيدين عن اخونهم فى الضفة والقطاع ومن المؤكد أنه سيكون لعرب 48 دورهم الكبير فى حسم الانتخابات المقبلة حيث سيفكرون ألف مرة قبل التصويت لصالح مرشح دون الآخر بعد كل ماعانوه من حكومة باراك التى صوتوا لها فى المرة السابقة, لقد وعدهم بالكثير من الاصلاحات والتحسينات على الصعيد الخدمى والسياسى ولكنه لم يلتزم بتلك الوعود, كما لن ينسوا له قيامه باستخدام القوة المفرطة فى وجه شبابهم وقتل 11 شخصا منهم وتركه للمستوطنين يهاجمونهم ليلا وقت اشتعال الانتفاضة فى أيامها الأولى. هل هذا يعنى ان الانتفاضة خلقت واقعا جديدا بالنسبة لقضية الصراع العربى الاسرائيلى؟ يجيب د.محسن عوض: لا شك أن الانتفاضة خلقت واقعا جديدا فى المنطقة كلها ولكن قيمتها تظل مرهونة باستمرار ها ولذلك لابد من دعمها عربيا حتى تتحول من مجرد انتفاضة لتقديم التضحيات الى موقف سياسى كبير, فليس معقولا وبعد مرور كل هذا الوقت ومنذ اجتماعات القمة العربية الا يصل الدعم العربى الذى تقرر خلال الاجتماع الى ابناء شعب فلسطين, لقد تم الاتفاق على تقديم ملياري دولار ولكن لم يصل الا القليل جدا من هذا المبلغ, هذا فى الوقت الذى يعانى اخواننا فى فلسطين أشد المعاناة من الواقع الاقتصادى المتدهور الذى يسيطر على الاقتصاد الفلسطينى حاليا, وحالة البطالة التى اقتربت من 155% بسبب الحصار الاسرائيلى على القرى والمدن الفلسطينية, ان المصلحة الفلسطينية هى مصلحة عربية ولابد من ترجمة ماتم الاتفاق عليه الى واقع ملموس بأن تصل المبالغ التى تم الاتفاق عليها الى مستحقيها فى الاراضى العربية المحتلة. مناورات سياسية ويتفق د.محسن عوض مع الرأى القائل بأن تعجيل باراك بالاستقالة من ضمن أسبابه قطع الطريق على غريمه ومنافسه زعيم حزب الليكود السابق وضعه من الترشيح امامه فى الانتخابات المقبلة وهى مناورات سياسية وحزبية معروفة ودائما ماتحدث, ولكن على الرغم من ذلك فلا أحد يستطيع أن يجزم بأن الليكود هو الذى سيفوز, أو أن فرصة حزب العمل أقوى, فالمسألة الانتخابية الاسرائيلية معقدة للغاية والخريطة الانتخابية بها الكثير من التعقيدات فهناك كتلة تصويتية عربية تقدر بنحو 18% من عدد الأصوات, كما توجد كتلة تصويتية أخرى بنفس النسبة وهى المهاجرون الروس وهاتان الكتلتان لابد أن يعمل لهما العمل والليكود ألف حساب لمدى تأثيرهم فى العملية الانتخابية أيضا الانتفاضة سيكون لها تأثيرها على الانتخابات حيث أثرت كثيرا على الأوضاع الاقتصادية فى اسرائيل والعامل الاقتصادى عامل مهم, عموما كما قلنا العملية معقدة ولا مجال هنا للقول أن الليكود قادم, وأن العمل سيخسر بسبب الانتفاضة فهناك توازنات وحسابات داخلية معقدة فى اسرائيل وهى التى سوف تؤثر فى نتيجة الانتخابات. وفيما يتعلق بمصير عملية التسوية فى ضوء التطورات الأخيرة يقول د.محسن عوض: هناك آراء كثيرة تطالب الفلسطينيين بالتمسك بما تم الاتفاق عليه فى أوسلو وغيرها والاستمرار فى عملية التسوية وهذا أمر لا غبار عليه ولكن يجب هنا الا نغفل ان هناك واقعا جديدا قد أفرزته الانتفاضة ولابد أن يوضع فى الحسبان, كما يجب الا يتم التعديل كثيرا على الفترة المقبلة والمتبقية من حكم كلينتون وحتى الانتخابات على الجانب الاسرائيلى, فكل من الطرفين مشغول بشأنه الداخلى أكثر من أى شيء ولا مجال هنا للحديث عن تقدم فى مسار عملية التسوية, والكلام عن السلام فى الوقت الحالى عبث.