الملف السياسي: المجنون, والصبي الجبان, تعابير بدأت تظهر في الصحف الاسرائيلية في وصف الجنرال باراك بعد اعلانه عن تقديم استقالته من رئاسة الحكومة الاسرائيلية ودعوته لانتخابات جديدة على منصب رئاسة الحكومة الاسرائيلية. وقد كان الجنرال باراك واضحا تماما في توصيف اسباب استقالته عندما اعلن انه (بسبب الوضع الطارىء الذي تعيشه اسرائيل والموقف في الكنيست والافتقار الى الارادة لتشكيل حكومة طوارىء.. بسبب كل هذه الامور قررت الحصول على تفويض من الاسرائيليين مرة اخرى بتأييد السياسات التي اتبعها.. قررت تقديم استقالتي). ان استقالة باراك أصبحت نافذة منذ الثلاثاء الماضي 12/12 ولم يتراجع عنها في اللحظة الاخيرة حيث يتيح له القانون التراجع خلال 48 ساعة من تقديم الاستقالة رسميا لرئيس الدولة. وبإمعان النظر والتدقيق في تصريحات باراك حول اسباب تقديم استقالته يتضح جليا ان هذا الجنرال الذي جاء الى رئاسة الحكومة الاسرائيلية في مارس 1999 بعد ان خلع نبرته العسكرية ونجح في زعامة حزب العمل مطيحا بشيمون بيريز والذي يسمى برجل السلام في الحزب, تمكن من الخداع والفوز بشكل ساحق على بنيامين نتانياهو في التنافس على رئاسة الحكومة الاسرائيلية ضمن برنامج انتخابي وتحت شعار تحقيق السلام مع العرب. عام ونصف مضت على حكم هذا الجنرال الصهيوني المتغطرس, جرت خلالها احداث كبيرة, في نهر العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية, اعطت في محصلتها المزيد من الازمات والمآزق على الجبهة الداخلية الاسرائيلية وفاقمت من عزلة اسرائيل الدولية, في الوقت نفسه الذي اعطت فيه مزيدا من الآلام, والتهرب من تطبيق الاتفاقات المبرمة مع الفلسطينيين, واستمرارا للعب والمناورة مما كان له اوخم العواقب, وخيم اليأس على المؤمنين بعملية السلام مع العدو الصهيوني وكظموا غيظهم وانزووا جانبا منذ تفجر انتفاضة الاقصى المباركة يوم 28 سبتمبر على اثر زيارة مجرم الحرب شارون وتدنيسه لحرم المسجد الاقصى المبارك. وعلى الرغم من عدم ميلنا لعقلية المؤامرة في تفسير الاحداث السياسية, الا ان المدقق في مسيرة الجنرال باراك لا يستبعد امكانية تواطئه المسبق مع شارون ودفعه للقيام بزيارته المشئومة لحرم المسجد الاقصى محروسا بشرطة الجنرال باراك ظانا انه يمكن بدعمه الغير معلن لهذه الخطوة ان بامكانه تحقيق عدة اهداف مرة واحدة, تهديد الفلسطينيين وتوجيه رسالة حازمة لقيادة الرئيس عرفات عبر غطرسة وغباء شارون, في الوقت نفسه يعتبرها عملية احراق سياسي داخلي وعربي ومحلي لمجرم صبرا وشاتيلا. ان الباحث في طبيعة الاحزاب السياسية الاسرائيلية وطبيعة قيادات المرحلة الراهنة لها من امثال باراك وشارون وقيادات حزب شاس الدينية يمكنه ببساطة ان يستنتج ان هناك عاملا مشتركا يجمعها جميعا اثناء تأدية عملها الرسمي وهو الانتهازية السياسية المفرطة والميل للتمسك بالسلطة بغض النظر عن الاساليب التي تتبع لتحقيق ذلك دون ان يضروا بالاهداف الحقيقية للدولة الصهيونية وأمن الاسرائيليين والاستمرار في تجاهل الحقوق العربية والفلسطينية المشروعة. لقد اوصل باراك بقراراته وسياسته المترددة والضعيفة والتي تدل على عدم ايمانه بعملية السلام التي جاء للحكم تحت بريق شعاراتها يدل على ان هذا الجنرال لم يستطع الاستمرار طويلا في لعبة التغطية على مواقفه وميله الداخلي في الحقد على العرب وانكاره للحقوق الفلسطينية وتفضيله لعبة الدم والحرب. ان من الواضح وبعد دخول الانتفاضة المباركة شهرها الثالث وتعاظم الشهداء والجرحى الذين يسقطون يوميا وهم يتصدون لعدوان جيش الاحتلال الاسرائيلي يثبت ان اليوم ليس كالامس وان ما كان يمكن اعتباره جائزا قبل 28 سبتمبر يوم تفجر الانتفاضة لم يعد صالحا الآن, ويؤشر على ان اللاعبين السابقين لم يعودوا وحدهم في الميدان, وأن حقائق حجارة الشعب الفلسطيني بدأت بفرض اجندتها السياسية الخاصة ليس على الحكومة الاسرائيلية والمجتمع الداخلي في اسرائيل وحسب, بل على القيادة الفلسطينية نفسها والشارع العربي والانظمة العربية عموما وامتد تأثيرها للمجتمع الدولي الذي اجبرت زعيمته الولايات المتحدة بعد طول رفض على القبول بإرسال لجنة تقصي الحقائق للاراضي الفلسطينية. وعلى الرغم من هزالة هذه الخطوة الا انه يمكن اعتبارها مؤشرا على بداية المتغيرات المقبلة, وهل يمكن اعتبار وصولها للاراضي الفلسطينية وبداية عملها في التحقيق بجرائم الاحتلال متزامنة مع سقوط باراك محض صدفة, أم هو مؤشر على نية الولايات المتحدة الاستمرار في دعم هذا الجنرال في خطوته واعطائه فرصة خلال فترة الستين يوما المقبلة لمحاولة تحسين صورته والدخول مرة اخرى في متاهة المفاوضات والمماطلات مع القيادة الفلسطينية؟ ان مفاعيل الانتفاضة الشعبية في فلسطين مستمرة, اعطت اولى ثمارها على الجانب الاسرائيلي بالسقوط المدوي لباراك من رئاسة الحكومة, هذا السقوط الذي يعني سقوط سياسة باراك في مواجهة الحق الفلسطيني الى جانب ان الانتفاضة قد فتحت عش الدبابير في المجتمع الاسرائيلي واعادت بانوراما الحياة السياسية الاسرائيلية بألوانها وتقاسيمها الى السطح وزادت من حدة التنافس بين قادة اسرائيل الذين اصبحوا يتبارون في نزع قناع الحمائمية والسلام عن وجهوهم والظهور بمظهر الامناء على المبادىء الصهيونية. ان دخول نتانياهو الى حلبة الصراع والسباق على رئاسة الحكومة الصهيونية على الرغم من عدم تأكيده بعد الا اذا نجح انصاره في الكنيست بتعديل القانون الخاص الذي ينص على وجوب ان يكون المرشح لرئاسة الحكومة عضوا في الكنيست الاسرائيلي, نقول اذا جرى اقرار هذا القانون في الكنيست فإن اللعبة السياسية والانتخابية في اسرائيل ستكون مفتوحة؟ ليس فقط على من هو رئيس الحكومة القادم, بل سيجري تحضير الساحة الاسرائيلية لاجراء انتخابات مبكرة لعضوية الكنيست بعد ان يحل الكنيست الحالي نفسه خلال فترة ستين يوما. ان اعلان بنيامين نتانياهو ترشيح نفسه رسميا لرئاسة الحكومة وزعامة الليكود سيفتح الصراع داخل الليكود على مصراعيه وسيزيد من حدة الانقسامات في هذا الحزب ويهدد زعامة شارون ويقلل من فرص نجاحه في الانتخابات المقبلة, هذا اذا اخذنا بعين الاعتبار ان شارون لا يتمتع بأي قبول دولي وخاصة من الولايات المتحدة التي تعتقد ان مجيئه سيقضي على عملية السلام في المنطقة بالمنظور الامريكي كونه لا يفهم اصول اللعبة وسيقوم تحطيم صورة اسرائيل المخادعة امام العالم ويظهر صورة اسرائيل العنصرية الحثيثة. اننا في الوقت الذي يجب ان نصلي من اجل ديمومة الانتفاضة ونعمل بكل ما يمكننا عمله لدعمها واستمرارها, يجب ان نلحظ في الوقت نفسه ان نتائجها ومفاعيلها التي اصابت الحياة السياسية الاسرائيلية بالشلل يجب ان تصيب في الوقت نفسه الجانب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية والتي لم يعد امامها سوى العون لشعبها والتمسك بخياراته الوطنية وتحقيق حلمه في العودة والاستقلال. ان رد الفعل الفلسطيني الرسمي على سقوط باراك يتراوح بين البرود والتحسر على جمود عملية السلام وتوقفها حتى يتضح من الرئيس القادم وبين رد فعل اوضح يقول بأن ليس هناك فرق بين القادة الاسرائيليين وكلهم في خط واحد يستخدمون اساليب متعددة ولكن اعمالهم واهدافهم لا تخدم السلام بأي حال من الاحوال. ان الجانب الفلسطيني بشقه الرسمي المتمثل في قيادة السلطة الفلسطينية وبشقه الواقع في مناطق الاحتلال عام ,1948 تقع عليه مسئولية كبيرة في قادم الايام ونرى ان على القيادة الفلسطينية ان تتعامل مع اللعبة السياسية الاسرائيلية بذكاء شديد وأن تتجنب المساهمة في انتشال باراك من مستنقع الفشل الذي يسبح فيه عبر عدم الاستجابة لامكانية العودة للقنوات السرية والعلنية للتفاوض الغير مجدي والممل وأن تقاوم اية ضغوط مهما بلغت للدخول في لعبة الصفقات التي يمكن ان تنقذ باراك من سقوطه. كما يقع على عاتق اخواننا الفلسطينيين في مناطق 1948 سواء الاحزاب السياسية او اعضاء الكنيست ان يلعبوا هذه المرة اللعبة السياسية بذكاء واسلوب افضل من المرات السابقة, فالظروف اختلفت والدم الفلسطيني اختلط في انتفاضة الاقصى ولم يعد ما يسمى بالخط الاخضر خطا فاصلا بين فلسطينيي الضفة والقطاع وفلسطينيي , 1948 فالانتفاضة وحدت الجميع وفرضت حقائق على الارض الفلسطينية كلها. واذا كان يمكن اعتباره صحيحا تصويت الفلسطينيين عام 1999م الى جانب حزب العمل مما ادى الى فوز باراك في الانتخابات الماضية فإن عليهم ان يعيدوا حساباتهم هذه المرة ويتجاوزوا الى جانب الدم الفلسطيني خيارات الانتفاضة السياسية الراهنة على الرغم من قناعتنا انهم سيدخلون ويتعاملون مع معادلة صعبة وتكاد تكون مستحيلة لان أطرافها سواء كانوا باراك ام شارون ام نتانياهو جميعهم موغلون في الحقد والعنجهية الصهيونية وايديهم ملطخة بدماء الشعب الفلسطيني والعربي. ان المدقق في سقوط باراك يجب ان يخلص الى نتيجة تقول ان في الوقت الذي يجب ان نحلل هذا الحدث يجب ان ننتبه في الوقت نفسه الى نتائج هذه اللعبة السياسية الاسرائيلية ومخاطرها وما يمكن ان تنتجه مستقبلا, لأن الذي يجري هو فشل لعملية السلام وان ما تبقى من هذه العملية مرشح للضياع في دهاليز الازمة الاسرائيلية التي لجأ اليها باراك ودخل ماراثونها نتانياهو وشارون, ويقفز امامنا عنوان المرحلة الآن وللايام المقبلة ولا نجد جوابا سوى خيار الحرب الاسرائيلية وخيار استمرار المقاومة الفلسطينية والتصدي البطولي للشعب الفلسطيني للعدوان الغاشم عبر انتفاضة الاقصى المباركة في ظل وضع عربي ودولي غير ملائم.