على غير العادة يبدو شهر رمضان المبارك في الاراضي الفلسطينية هذا العام محاطا بعلامات الحزن والاسى التي نراها في عيون الناس خاصة وانهم يستقبلون الشهر الكريم من اول يوم وهم يرون الدبابات الاسرائيلية تطلق حممها ، مع اذان الفجر وحتى اذان العشاء فيما يحتل جنود الاحتلال مواقعهم حول مداخل المدن يمنعون المواطنين من التحرك ويفرضون الحصار الشديد حول المدن والقرى الفلسطينية وحولتها إلى سجن كبير, وفيما كانت اشهر رمضان الماضية تشهد حركة ونشاطا في كافة الاراضي الفلسطينية فانه يمكن القول بأن الامور انقلبت بدرجة 180 بحيث غدت المحلات التجارية فارغة الا من بضاعة بسيطة واقفرت المصانع واغلقت الفنادق والمطاعم, واصبح حديث الناس ليلا ونهارا لا يتعدى المواجهات والاصابات وحالات الشهداء والجرحى. يصحو المواطنون وينامون على صوت القذائف والاشتباكات المسلحة والتي اصبحت جزءا من حياتهم اليومية وشهدت مدينة خانيونس في نهاية شهر شعبان وحتى غروب اخر ساعة فيه اعنف المواجهات سقط فيها شهداء وجرحى جراء اطلاق القذائف عليه من الدبابات الحربية والمستوطنات, يقول احد افراد عائلة البردويل التي تسكن قرب حاجز التفاح لقد عشنا ليلة من الجحيم لان القصف الاسرائيلي لم يتوقف طوال الليل ويشير البردويل الذي يسكن قرب الحاج الذي يفصل مدينة خانيونس عن المستوطنات فيها إلى حجم الخسائر التي لحقت بمنزله ويقول لقد تهدمت معظم جدران المنزل وتحطم الاثاث واضطررت انا وعائلتي للمبيت عند احد جيراننا ويكفيك ان تعرف ما اصاب الاطفال من رعب وخوف, ولا تكاد تخلو مدينة أو قرية فلسطينية من اعمال المواجهات اليومية وتستطيع بسهولة ان ترى مظاهر التمرد أو الثورة في كل مكان من الاطارات المحترقة والتجمهرات الشبابية والاعلام المرفوعة على جدران المنازل بكتابات تدعوا إلى مواصلة الانتفاضة وتصعيد المقاومة ضد الاحتلال. ويطرق شهر رمضان المبارك باب الفلسطينيين وهم لا يكفون عن تشييع شهدائهم وحسب الاحصائيات الاخيرة فان عدد الشهداء قارب على 300 شهيد واكثر من 10 آلاف جريح بينهم حوالي 1000 اعاقة دائمة ويقول والد الشهيد جبر سحويل الذي سقط عند حاجز بيت حانون برصاص قناص اسرائيلي قبل حوالي اربعة اسابيع لا اعرف كيف تدخل الفرحة إلى قلوبنا ونحن فقدنا اعز ما نملك؟ وتضيف والدموع تملأ عينيه الله يرحمه, كنت اتمنى ان يكون معي في رمضان يتسحر ويفطر معنا لكنه قدر الله, اما والدة الشهيد حسن النجار من رفح فتتساءل ماذا سيكون طعم رمضان أو العيد ونحن نرى فلذات اكبادنا يسقطون واحدا تلو الاخر دون ان يتحرك ضمير احد ونقول رمضان شهر الجهاد وشهر النصر والصبر ومن حقنا كمسلمين وعرب ان نجد اخواننا يقفون إلى جانبنا في هذه اللحظات العصيبة, اما والد الشهيد فارس عودة من نابلس فيقول احمد الله ما ابتلانا به ونأمل ان تتغير الاوضاع إلى الاحسن. وفي مستشفى الشفاء بغزة يرقد العشرات من المصابين الذين طالتهم رصاصات الاحتلال, يقول المصاب يوسف 18 عاما من مخيم جباليا وهو يرقد للعلاج من رصاصة في قدمه اليمنى: رمضان شهر كريم وكنت اتمنى ان اكون في البيت مع اهلي واخوتي لكن الاطباء قالوا لي انني بحاجة إلى علاج, ويؤكد يوسف والابتسامة تعلو وجهه انه حالما يشفى من اصابته فسيعود إلى مقاومة الاحتلال غير انه استدرك ضاحكا (ليس بالحجر هذه المرة لكن بالبندقية), وإلى جانب يوسف كان يرقد فتى صغير لم يتجاوز عمره 8 سنوات, قال انه اصيب برصاصة في امعائه من قبل قوات الاحتلال عند حاجز التفاح في خانيونس واضاف ان اصابتي بالغة لكنني اشعر بأنني الان افضل وإن شاء الله سأصوم كل الشهر ولن افطر يوما واحدا ويقول هذا الفتى واسمه محمد ابوحميد من سكان دير البلح ان الرعاية الصحية للجرحى فيها تقدم وهي على مستوى عال رغم العدد الكبير من الاصابات والجرحى التي وصلت المستشفى ورغم منع اسرائيل وصول الادوية والمعونات الطبية. فيما تبدو علامات الحزن واضحة على وجوه ذوي المعتقلين الذين سينتظرون في كل عام ان يطلق سراح ابنهم من سجون الاحتلال وسجون السلطة ايضا تقول والدة الاسير خالد المقبر الذي يقضي حكما بالسجن المؤبد اننا نعيش على امل ان يفرج عن ابني بعد ان قضى حوالي 10 سنوات غير انها تشير إلى ان الاوضاع الحالية ستصعب من امكانية ان تقوم اسرائيل بالافراج عن اي معتقل وعلى باب مبنى الصليب الاحمر الدولي في قطاع غزة تتجمع كل يوم اثنين عشرات من عائلات المعتقلين لابراز مطالبتهم بالافراج عن ابنائهم ويرفعون صورهم امام المارة وامام وسائل الاعلام التي تأتي لالتقاط صورة لهم ثم تمضي, تقول والدة احد المعتقلين اننا نأتي كل يوم اثنين على امل ان يحس العالم بنا ويعملوا على اطلاق سراح المعتقلين في السجون لكننا نرى الامور تعود إلى الخلف ولاتزال اسرائيل تحتجز في سجونها ما يزيد على 2000 فلسطيني وترفض الافراج عنهم على اعتبار انهم ورقة رابحة في المفاوضات يستطيعون من خلالها الحصول على تنازلات من الجانب الفلسطيني. وتظهر لك مشاهد البؤس في شوارع المخيمات الفلسطينية ففي مخيم الشاطىء بغزة الذي يعتبر من افقر المخيمات الفلسطينية كانت مظاهر البؤس ماثلة للعيان وصور الشهداء تزين كافة جدران المخيم والسوق المركزي فيه كان شبه خاو ويقول التاجر محمد سعداوي, كما ترى الاوضاع لا تبشر بخير والناس في حال لا يعلمها الا الله, ويشير سعداوي الذي يمتلك محلا لبيع الخضار والفاكهة إلى انه لم يبع طوال الشهر الماضي بأكثر من 500 شيكل, وقال ليست هناك سيولة مالية وبعد توقف العمال عن العمل في اسرائيل توقفت كافة النشاطات التجارية, وتشير الاحصائيات إلى ان نسبة البطالة وصلت في قطاع غزة إلى اكثر من 60% وان نسبة الفقر قفزت إلى 35%. ويؤكد خبراء الاقتصاد ان الوضع التجاري في قطاع غزة مصاب بالشلل بسبب الحصار المفروض على الاراضي الفلسطينية منذ شهرين, وقال تاجر يعمل في مجال الاستيراد والتصدير انه كان يجني ارباحا كثيرة كل عام في شهر رمضان بسبب اقبال المواطنين على التزود بالمواد الغذائية من تمر وجبن وحلاوة وغيرها الا ان ذلك توقف تماما, وكان وزير التموين في السلطة الفلسطينية عبدالعزيز شاهين قد اعلن ان المخزون الغذائي في الاراضي الفلسطينية قد نفد وكانت الاسواق الفلسطينية تشهد خلال مواسم رمضان المبارك حركة تجارية نشطة وتعج بالمواطنين الذين يتسوقون حتى ساعات الفجر كل يوم الا ان التجار يجمعون هذا العام انه لم ولن يكون كأي عام سبقه. وقال محمد يونس الذي يجلس على بسطه لبيع الالبان والجبن كنا نحضر الجبن والزيت من الضفة الغربية بسبب جودتها لكن بسبب الاغلاق والحصار لن نتمكن من بيع شىء واضاف يونس وهو ينظر بحسرة إلى السوق الخاوي من المشترين والكثير من البضائع لم تتعود على مثل هذا المنظر حتى في الانتفاضة السابقة, السوق يبدو خرابا لا شىء فيه والناس يدورون في السوق ينظرون ولا يشترون. وتعاني معظم القطاعات الاقتصادية الفلسطينية من خسائر جسيمة جراء الحصار حتى ان بعضها مثل القطاع السياحي والقطاع الصناعي قارب درجة الصفر, اما الصادرات والواردات فقال عنها وزير الشئون المدنية في السلطة الفلسطينية جميل الطريفي انها متوقفة تماما بسبب اغلاق المعابر والمطار ومما زاد في ازمة المواطنين الفلسطينيين منع اسرائيل ادخال الغاز والوقود إلى الاراضي الفلسطينية الامر الذي ولد ازمة خانقة دفعت المواطنين إلى طوابير طويلة وقوائم انتظار لمدة اسبوع لتعبئة اسطوانة الغاز المنزلية وقد لجأ بعض المواطنين إلى الاستعاضة عنه بالحطب, وقال احد اصحاب محطات الوقود وسط غزة اذا طال المنع الاسرائيلي فان وضع الناس سيتحول إلى كارثة.