بيان الاربعاء : يرى المراقبون ان صربيا لاتزال تواجه كارثة اقتصادية رغم عزل الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش واستبداله بالفائز في انتخابات سبتمبر الرئاسية في يوغسلافيا فويسلاف كوستونيتشا, لكن معظم المراقبين يعتقدون ان العملية الديمقراطية تتقدم بنجاح. وتقول الدكتورة سوزان ودوارد, وهي باحثة كبيرة في مركز الدراسات الدفاعية في كلية كنج في لندن, (اشعر ان الفرص جيدة للغاية). وتضيف ان خصوم ميلوسيفيتش كانوا مستعدين ليوم سقوطه, وكانوا يخططون لتجديد البلد ديمقراطياً. كما تؤكد ان شخصية كوستونيتشا ستساعد على احداث التحولات المطلوبة في البلد, (فهو غربي في قيمه وفي الوقت نفسه صربي حريص على التقاليد الوطنية. ولهذه التركيبة مغزى في غاية الاهمية). الا ان مشاكل ضخمة تواجه الحكومة الجديدة, التي تعمل على اساس مؤقت حالياً, فهي تعد البلاد لانتخابات نيابية جديدة في 23 ديسمبر المقبل, يفترض ان تعزز مكانتها. لكن عليها معالجة بعض القضايا الحيوية قبل ذلك. والفشل في ذلك قد يقوض الدعم الذي يحظى به كوشتونيتسا ويهدد بالتالي الجهود لوضع نهاية لحكم ميلوسيفيتش. خلال الاشهر القليلة الماضية, حتى قبل عزل ميلوسيفيتش عن منصبه, كانت هناك مجموعة من كبار الاكاديميين والاقتصاديين والصحفيين والخبراء القانونيين الصرب يجتمعون لمناقشة حقبة ما بعد ميلوسيفيتش. ونشر منتدى صربيا الجديدة برنامجه (لاعادة بناء يوغسلافيا), في اكتوبر ,2000 قبل ايام قليلة من فوز كوستونيتشا بالرئاسة. ويقول جون بيرش, رئيس الجمعية البريطانية لوسط وشرق اوروبا, واحد داعمي المنتدى, (كانت الفكرة لمساعدة المعارضة الصربية على الاستعداد للحكم بالتركيز على ما حدث في اماكن اخرى في اوروبا الشرقية والاستفادة من تلك الدروس من اجل مستقبل صربيا. (ما فعله المنتدى هو مساعدة الصرب والدول الغربية على التركيز على المعيار الدقيق لما يجب فعله لتحديث صربيا). ولا غرابة ان تتوصل الى ان المهمة الاهم هي بوضوح الاقتصاد. والمجتمع الدولي رد بسرعة: في اواخر اكتوبر وافق الاتحاد الاوروبي على منح بلجراد ما قيمته 200 مليون يورو غير مشروطة من المساعدات الانسانية. كما وافقت الولايات المتحدة على ارسال مساعدات شريطة تقديم مجرمي الحرب للمحاكمة. الا ان هذا لا يشكل سوى جزء مما هو ضروري. فالاقتصاد الصربي كان محطماً بسبب سوء الادارة والفساد والجريمة والتضخم الوظيفي والافتقار الكامل تقريباً للاستثمارات الضخمة. وقصف حلف الناتو للبنى التحتية الرئيسية والمواقع الصناعية خلال حملة كوسوفو الجوية لم يكن ذا اهمية. خواص سلبية لدى صربيا في العام 2000 كل الخواص السلبية لاقتصاد اشتراكي لم يتم اصلاحه, وكل الخصائص السلبية لاقتصاد في مرحلة انتقالية خضع لشبه اصلاح. وليس هناك تقديرات دقيقة لاجمالي الناتج المحلي الصربي الا ان بعض المراقبين.. ومن ضمنهم جيمس بيتيجير, الذي يحمل حالياً في معهد دراسات البلقان في سالونيك, اليونان ــ يرون ان المعدل الشهري للاجور يقل عن 80 دولاراً, مما يعني من ناحية دخل الفرد أن صربيا افقر من عدوتها اللدودة البانيا, ولتحريك الامور, يترتب على الحكومة الجديدة اعادة جدولة ديون البلد الخارجية التي تقدر بحوالي 20 بليون دولار (التي تزيد عن ضعف ونصف اجمالي الناتج المحلي لصربيا), وادخال اصلاحات نقدية, والبدء في الخصخصة, وتشجيع الاستثمار, واعادة بناء النظام المعرفي. في الوقت نفسه, يتوجب على كوستونيتشا وحكومته احداث تغييرات كبيرة في الجهاز السياسي للبلد: وخلفيته العملية كمحام دستوري مفيدة بشكل خاص في هذه المهمة. وتقول سوزان ودوارد, (التحدي الحقيقي هو ايجاد دولة حقيقية وفرض حكم القانون). وهذا يعني محاربة حوالي 100 عصابة اجرامية تعمل دون اكتراث بالقانون او خوف من عقوبة على نشر الفساد الذي اصبح طريقة للحياة خلال السنوات العشر الاخيرة. ومن المهم ايضاً اجراء عملية اعادة تنظيم واسعة النطاق للمؤسسات الرئيسية ـ مثل القضاء والجيش وبعض المهن المهمة مثل الصحافة. وعلى كوستونيتشا ايضاً معالجة علاقات صربيا المعقدة والمسيسة مع جمهورية الجبل الاسود (مونتنيجرو) شريكها في الاتحاد اليوغسلافي. العلاقة بين زعيم مونتنيجرو ميلو ديوكانوفيتش وكوستونيتشا باردة سواء على الصعيد الشخصي او السياسي. وقد رفضت مونتنيجرو المشاركة في الانتخابات التي أوصلت كوستونيتشا الى السلطة على اساس انها جرت بشكل غير دستوري. ومع ميله الى الاستقلال لجمهوريته الصغيرة (عدد سكان مونتنيجرو حوالي 650 الف شخص مقابل 8 ملايين صربي) والتلهي بالدعوة لاجراء استفتاء حول الموضوع, فان ذلك قد يدفعه الى التلكؤ في الاستجابة لدعوة كوستونيتشا لاجراء بعض الترتيبات الدستورية المحددة مع بلجراد. وتقول اليزابيث روبرتس, وهي اختصاصية بشئون البلقان في جامعة كوليدح, دبلن, (ديوكانوفيتش فوجئ الى حد ما بتلك الانتخابات). وتعترف انه بوصفه رئيس وزراء بلده, فان من المستبعد ان يرغب في العودة الى وضع الامر الواقع الذي كان قائماً في بداية العام ,1998 يوم كانت مونتنيجرو تشكل عنصر الصعوبة الثاني لصربيا في الاتحاد اليوغسلافي). ثلاثة خيارات وتقول ان ثمة ثلاثة خيارات امام بلجراد والجبل الاسود (اولاً, اتحاد فدرالي معدل, يطلق عليه اسم صربيا ــ مونتنيجرو: وهو امر يحبذه كوستونيتشا والاسرة الدولية التي تأمل في ايجاد طريقة تدمج كوسوفو فيه في وقت لاحق. او ثانياً, الانفصال التام, بحيث لا يكون بين الدولتين اكثر من العلاقات الموجودة بين دولتين جارتين. واخيراً شراكة غير متماسكة بأن تسعى كل من صربيا ومونتنيجرو الى الحصول على اعتراف بها كدولة مستقلة, ويكون لها مقاعد منفصلة في الامم المتحدة الا انها تسعى للاتفاق حول قضايا تشمل الدفاع (مع قيادات عسكرية منفصلة في صربيا والجبل الاسود) والشئون الخارجية والعملة (مع اصرار الجبل الاسود على امكانية التحويل), وبالطبع حرية الحركة للبضائع والناس. من المتوقع ان تستغرق المفاوضات بين كوستونيتشا وديوكانوفيتش شهوراً عدة, لكن ينظر الى الاخير على انه يمتلك افضل الاوراق, لان اغلبية سكان الجبل الاسود يفضلون الاستقلال: فقد اظهر استطلاع اخير ان 48 بالمئة من الناس يؤيدونه, بينما 39 بالمئة يعارضونه. وليس هناك الكثير من الشك حول ميول ديوكانوفيتش الخاصة. ففي مقابلة تلفزيونية يوم 31 اكتوبر الماضي, صرح ان صربيا والجبل الاسود لديهما (حق تاريخي) في الاستقلال, وانهما قد عملتا كدولتين مستقلتين لسنوات كثيرة. الاتحاد اليوغسلافي لم يعد له وجود). ولعل اكثر القضايا الشائكة التي تواجه الرئيس كوستونيتشا هي اكثر القضايا دقة وهي مواجهة الدور الذي لعبه الشعب الصربي في التشرذم الدموي الذي حل بيوغسلافيا خلال السنوات العشر الماضية. ويعتمد الكثير على حقيقة ان كوستونيتشا هو شخص وطني قام في البداية على الاقل بدعم الافعال التي بها ميلوسيفيتش في كوسوفو واماكن اخرى. ومن جهة اخرى, فإنه يبدو انه يدرك ان الذي حدث كان زائداً عن حده وانه متنبه للحاجة للحفاظ على دعم دولي لجهوده الرامية لاعادة بناء صربيا, ويبدو ايضاً انه مستعد للتعامل مع ذلك وبكل تصميم. وفي مقابلة اجرتها معه شبكة (CBS) الاخبارية الامريكية في نهاية اكتوبر قبل (نصيبه من اللوم) على الاحداث التي وقعت في التسعينيات. ويدل زعمه الذي تبع ذلك بأن تعليقاته حرفت على انه يشعر بأن صربيا.. والاهم منها, قواتها المسلحة .. ليست جاهزة لقبول الشعور بالذنب. ويبدو واضحاً ان عملية التصالح مع الماضي ستتطلب سنين إن لم تكن عقوداً كما حصل مع المانيا بعد الحرب العالمية الثانية. وفي غضون ذلك فإن الرئيس كوستونيتشا سيجادل بأن صربيا لديها مشاكل اكثر الحاحاً لمعالجتها.