بيان الاربعاء : كان كرسي الامانة العامة لدول الكومنولث اشد الكراسي سخونة عندما تولى دون ماكينون المنصب مؤخرا, فقد شهدت دول الكومنولث سلسلة من الاحداث بعد اسابيع من دخول ماكينون الى المكتب: * المحاولة الانقلابية في فيجي. * المحاولة الانقلابية في جزر سليمان. * الازمة في زيمبابوي. * الانقلاب في باكستان. جستين كاي مراسل وكالة (وورلد نيوز لينك) التقى دون ماكينون في مكتبه في لندن حيث بادر ماكينون بالاعتراف بأن الأشهر الأخيرة الماضية اضطرته اضطرارا إلى تنمية مهاراته في إدارة الأزمات بدلا من منحه فرصة الإشراف على تطوير توجهات ورؤية منظمة الكومنولث كما كان يتمنى هو شخصيا. فيقول أكثر ما أصابني بالدهشة كان رد فعل الصحافة البريطانية التي عكست حقيقة أن العديد من المزارعين البيض الذين تم طردهم في زيمبابوي كانوا جزءا من حركة الهجرة الهائلة في أعقاب الحرب العالمية الثانية . ومع ذلك تبقى الروابط بين بريطانيا وزيمبابوي أقوى بكثير مما هي عليه بين بريطانيا وكينيا مثلا أو جنوب أفريقيا. نعم لم تكن الانتخابات في زيمبابوي نزيهة أو عادلة -كما أظهر تقريرنا- لكن المؤكد أن حصول المعارضة على 57 مقعدا في البرلمان هو حدث إيجابي في حد ذاته. إنها المرة الأولى في زيمبابوي التي تظهر فيها معارضة قائمة على التوجهات السياسية وليس القضايا القبلية. وفي تصوري أن المعارضة ستقوم بدورها بشكل جيد ولن تكون بمثابة حكومة في المنفى. وحين سألته عن دوافع موجابي, طغت الطبيعة الدبلوماسية على ملامح وجه ماكينون النيوزيلندي الذي طالما سلطت عليه أضواء الإعلام كشخصية سياسية بارزة, فأجاب بعد وقفة تفكير بأن موجابي وطني مولع بوطنه برغم أن تصرفاته ربما أضرت بمصالح زيمبابوي وأضعفتها بأكثر مما فعل بها الأعداء الأجانب والأهم ـ من وجهة نظر أمين عام الكومنولث ــ أن موجابي واع كل الوعي بأن تصرفاته تؤثر ليس فقط على زيمبابوي بل وعلى جارتها جنوب أفريقيا التي شهدت نكسة في الاستثمارات الأجنبية بها وفي قيمة عملتها منذ اندلاع الأزمة . ويضيف ماكنيون طلب مني الزعماء الافارقة توصيل هذه الرسالة الى موجابي, وقد تلقاها بالفعل, وهذا يؤكد ماقلته دائما بان الدول تفضل جارا منتعشا اقتصاديا حتى لو كان منافسا على جار فقير حتى لو كان صديقا. حكاية سيراليون وماذا عن سيراليون .. تلك الدولة الأفريقية العضو في الكومنولث والتي وصفت في فيلم تسجيلي بثه التلفزيون البريطاني مؤخرا بإحدى أفقر وأكثر مناطق العالم عزلة ومعاناة من العنف؟ يجيب ماكينون ميراث العنف في سيراليون مخيف دون شك .. لكن يبدو أن الأوضاع بدأت تستقر مؤخرا, برغم أننا لا نملك صورة كاملة بعد اضطرارنا لسحب رجالنا من هناك. إننا نؤيد جهود الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان لتحقيق قدر من الاستقرار هناك, ونحن على استعداد دائم لتحمل نصيبنا من المسئولية في هذا الصدد. وكيف تفسر الفقر المدقع الذي تعيشه أفريقيا بعد مرور عقود على تخلصها من الاستعمار, برغم تنوع وتعدد مواردها وثرواتها الطبيعية ؟ كيف يمكن تفسير أن تسهم أفريقيا السوداء بأقل من 2و1 في المئة من إجمالي الناتج العالمي ؟ لا شك أن بعض اللوم في هذا يقع على الإرث الاستعماري الذي رسم الحدود بين الدول الأفريقية بشكل خاطئ, لكن هذه ليست كل القصة بالطبع. فثمة معوقات أخرى انعكست في هيئة اختلالات جسيمة في الموارد الطبيعية لدول أفريقيا الواقعة تحت الصحراء الكبرى دعني أقول إنه إذا لاحظت أن دولة أفريقية اختفت لفترة خمس سنوات من مانشيتات الصحف ووسائل الإعلام, فهذا يعني أنها تمر بمرحلة جيدة. ولنأخذ في ذلك مثلا دولة مالي التي انسحبت من الضوضاء (الإعلامية) بهدوء وشرعت في بناء نفسها بنفسها, بل وعاد إليها مواطنوها المغتربون في الخارج. وهناك موزمبيق أيضا التي حملت إرثا استعماريا ثقيلا بكل المقاييس لكنها امتلكت إرادة فولاذية لتحويل الدفة باتجاه التطور .. إلى أن ضربتها أسوأ فيضانات منذ عهد نوح عليه السلام. الوسيلة المثلى لبناء المستقبل لا تتأتى سوى بإدارة جيدة أو بحكومة تعبر عن الشعب وتعمل لصالح الشعب. إذا امتلكت أي دولة هذه المقومات فسوف تنجح اقتصاديا بكل تأكيد, أو على الأقل فسوف تحرز نوعا من النمو. ما علينا فعله هو أن ندرك أن نموذجنا الغربي ليس الأفضل بالضرورة. المهم أن يستطيع الناس خلق نظام قادر على تحقيق مستوى أدنى من العدالة. فحين يتم فرض حكومة أو نظام حكم على الناس ــ سواء من الداخل أم من الخارج ــ تتدهور الأوضاع وتتصدع الأركان ). سجل الديمقراطية ويرى ماكينون أنه بالرغم من عنف الأزمات التي وقعت خلال الشهور الأخيرة فإن سجل الديمقراطية في محيط دول الكومنولث قد تحسن كثيرا مقارنة بعشر سنوات مضت حين تولى سلفه النيجيري ايميكا انيوكو منصب الأمين العام. كان هناك آنذاك تسع ديكتاتوريات عسكرية على الأقل مقارنة باثنتين فقط في أيامنا هذه: فيجي وباكستان. وإن كان حال الديمقراطية يرثى لها في بعض دول الكومنولث حاليا وبالأخص في زيمبابوي. لكن المؤكد أن الجنرال مشرف (الحاكم العسكري لباكستان) يشعر بحرج بالغ كلما تحدث الناس عن تاريخ بلاده خلال نصف قرن, والذي بدا بحكم عسكري تحول إلى حكومة مدنية ضعيفة إلى أن عاد النظام العسكري. ومن جهتنا نفعل ما بوسعنا لتقديم أي مساعدة ممكنة, خاصة على مستوى القوائم الانتخابية الضرورية لترسيخ أي ديمقراطية .. فما بالك بدولة يتجاوز عدد الناخبين بها 100 مليون شخص, وتقدر نسبة الأسماء الوهمية التي تسجل في كشوف الناخبين بنحو 30 في المئة. ويعترف ماكينون بأن تعليق عضوية باكستان في الكومنولث تسببت في ثورة غضب شعبية عارمة , ومع ذلك تبدو القيادة مستعدة للتعاون مع المنظمة لحل أزمتها المزمنة مع الهند بشأن إقليم كشمير المتنازع عليه. لكن الواضح أن ماكينون لم يحقق نجاحا ملموسا على صعيد تخفيف التوتر بين الدولتين العضوين في الكومنولث نتيجة إصرار الهند على رفض أي وساطة خارجية في قضية تراها داخلية بحتة, فيقول عن ذلك حين ينشب نزاع حدودي بين دولتين عضوين في المنظمة وكلتاهما تريد منك التدخل, فستتهيأ لديك بداية طيبة دون شك .. لكن الحقيقة أن الهند لا ترغب في أي تدخل من جانب الكومنولث في قضية خلافها مع باكستان, بل لقد رفضت مبادرة الرئيس الأمريكي كلينتون وفي ذلك الرفض إشارة واضحة لموقفها. ولا تلوح في الافق بادرة راحة او هدوء بالنسبة للامين العام للكومنولث الا ان ماكينون متفهما لطبيعة عمله حيث يقول: الانشغال المستمر ضريبة لا مناص منها لهذه الوظيفة.