هذا الحوار الخاص والنادر, مع الدكتور البنبي وزير البترول المصري السابق حول النفط العربي ودوره ومستقبله . وهذا نص الحديث مع الخبير النفطي المعروف الذي لا يتحدث كثيرا لاجهزة الاعلام. * هل سيحتفظ البترول باهميته؟ ام ستظهر بدائل تقضى على مكانته؟ ــ مما لاشك فيه ان هناك مراقبة دقيقة من جانب الحكومات والشعوب لكل مايدور في العالم اجمع وما يتردد عن البترول واحتياطاته واكتشافاته وعائداته .. وكل ما يدور من احداث في كل مرحلة من مراحل صناعة البترول وغالبا ما تعبر هذه الاحداث عن تساؤلات كثيرة تدور في اذهان الكثيرين منها ما يتردد حول حقيقة مستقبل الاحتياطي في مصر مثلا والدول العربية وهل سينضب البترول خلال فترة زمنية محدودة تتحول بعدها بعض الدول المنتجة الى استيراد البترول؟ وعن مستقبل الغاز الطبيعي بعد التوسع في استخداماته في مجالات عديدة اخرها وسائل النقل العام .. والحقيقة ان العالم كله سوف يظل يعتمد على البترول لاكثر من خمسين عاما مقبلة وهناك اتجاهات الآن وتجارب علمية تتم لانتاج ما يسمى بالطاقات الجديدة والمتجددة. لكن الآن هناك اعتماد كبير على البترول فالنقل البري والبحري والجوي يعتمد على البترول بنسبة 100% والزراعة بنسبة 80% والسكة الحديد بنسبة 77% والخدمات العامة بنسبة 60% والصناعات الاخرى بنسبة 55% والحديد والصلب 40% والكهرباء 30% وغير ذلك الكثير والكثير. فالبترول دم الحياة العصرية اذا اصابه تجلط شلت الحياة اليومية وتوقفت في اي دولة .. وعلى اي مستوى. ولو نظرنا الآن الى استهلاك العالم كله من هذه الطاقة الاولية سوف نجد انه بلغ حوالي 9 مليارات طن منها حوالي 60% من البترول والغاز الطبيعي ومنها حوالي 27% من الفحم والطاقة النووية تمثل حوالي 7% والطاقات المائية حوالي 1% ولو اننا نظرنا الى المستقبل القريب اي بعد 20 سنة نجد ان استهلاك العالم من هذه المواد سوف يصبح في حدود 14 مليار طن وسوف تظل نسبة 60% للبترول والغاز الطبيعي لكن الاستهلاك سوف يرتفع بحكم معدل النسب في حين ان نسب استهلاك المواد الاخرى مثل الفحم سوف تقل. لابديل قريبا. * اذن لن يكون هناك بديل علمي آخر للبترول في السنوات المقبلة؟ ام ان الغرب عاكف على اجراء التجارب العلمية؟ ــ على مدى النصف قرن القادمة لن يحدث لكن فيما بعد ذلك اتصور انه سوف تظهر بعض النتائج المهمة لطاقات جديدة مثل الطاقة المتجددة والطاقة النووية والاخيرة هي طاقة تنتج عن الاندماج النووي وكانت بداية هذه التجارب منذ ما يقرب من تسع سنوات عندما عرض بعض العلماء النواة لقوى معينة ادت الى انشطارها وبالتالي نتج عنها طاقة ما لكن الغرب عاكف بالفعل على اجراء التجارب والدراسات الكثيرة لانهم يشعرون انهم في مأزق كبير. * وهل هذه الطاقات اذا ما توصل العلم الى انتاجها تصلح في جميع الاغراض التي صلح فيه البترول الآن؟ ــ هذا سؤال مهم والحقيقة ان كل طاقة لها اغراض معينة فمثلا هناك طاقات لا يمكن ان تصلح في عمليات رصف الطرق او تزييت السيارات واخرى لا تصلح في تصنيع المواد الخام .. كما ان هذه الطاقات التي تغزو العالم لن تكفي مثلا مادة (البولى بروبلين) هذه المادة قوية جدا وتستخدم الآن في صناعة السجاد والاقمشة وهناك استخدامات جديدة بعد ان كانت تستخدم في صناعة الحقائب الدبلوماسية .. وقد علمت ان هذه المواد تستخدم الآن في اجراء بعض التجارب بواسطة الغاز الطبيعي لتصنيع سيارات من البلاستيك. * هل اكتملت هذه الابحاث؟ ــ هي في الحقيقة لم تكتمل ولكن اتصور انها سوف تنجح ولكن هناك صعوبات تواجه القائمين عليها فمثلا هناك بعد صحي يتعلق بالخطورة الكبيرة التي تصيب العاملين في هذا المجال فهناك اشعاع ينتج عن هذه التفاعلات يسبب سرطانا قاتلا لمن يعمل في هذا المجال .. لكنني لا استبعد انه بعد فترة نرى سيارة مصنعة من البلاستيك. لحظة تاريخية * نجح العرب في اكتوبر عام 1973 في استخدام البترول كسلاح فهل فقدوا القدرة على توظيفه في تحقيق بعض المكاسب الدولية؟ ـ هذا السؤال يدفعني الى تقليب صفحة مهمة من تاريخ مصر والعرب, ففي 19 يوليو 1956 الغى دالاس وزير الخارجية الامريكية آنذاك القرض المقترح لمصر بشأن بناء السد العالي مباغتا بذلك الرئيس عبدالناصر والبنك الدولي ورد عليهم عبدالناصر بعد ذلك باسبوع باعلانه قرار تأميم قناة السويس. وفي 29 اكتوبر 1956 شنت اسرائيل هجومها على سيناء طبقا لاتفاقية بينها وبين فرنسا وانجلترا التي اعلنوا بموجبها عزمهم احتلال القناة وفي لقاء بين رئيس وزراء بريطانيا والزعماء السوفييت في صيف 56 قال المسئول البريطاني (يجب ان اكون صريحا في شأن البترول .. نحن على استعداد للحرب من اجله) واضاف (نحن لا نستطيع العيش بدون البترول .. ونحن لا ننوي ان ندع احدا يخنقنا حتى الموت). وبرغم ان اللهجات الغربية كانت صريحة الا ان هناك تخوفات كبيرة كانت تعتريهم خوفا من غضب العرب او فرض حظر على البترول . لكن معركة اكتوبر 1973 كانت لحظة فاصلة في توحد القرار وقوته فبذكاء شديد واستراتيجية ذات ديناميكية مرنة امكن للعرب ولاول مرة فرض كيان دولي متوحد هز العالم وترك علامة بل كان منعطفا في تاريخ العلاقات البترولية الدولية التي سادت اكثر من قرن من الزمان منذ اكتشاف البترول ... والذي حدث انه بعد مقابلات كثيرة جرت بين الرئيس الراحل السادات ومعاونيه والمغفور له الملك فيصل وصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وآخرين من قادة المنطقة العربية تبلورت كلها بقرار موحد وبالتحديد في مساء الثلاثاء السادس من اكتوبر 73 عندها اعلنت الدول العربية المصدرة للبترول في الاجتماع الطارىء الذي دعت اليه بالكويت انها قررت زيادة سعر البترول المنتج بنسبة 70% وتوالت الزيادات حتى وصل سعر البرميل من 7.1 الى 4.5 دولارات في بعض البلدان العربية .. واوقفت ابو ظبي صادراتها البترولية الى كل الدول الغربية .. وقال هنري كسنجر مقولته الشهيرة (كان هذا السلاح هو الذي غير العالم بلا رجعة) .. ولم يقل كسنجر هذا الكلام من فراغ لان امريكا نالت اكبر قدر من الضرر بسبب توقف استيرادها من كل دولة على حده .. ومن ذلك الوقت وامريكا وضعت قضية البترول العربي على جدول اولوياتها وتولى وزير خارجيتها كسنجر مهمة وضع استراتيجية تحمي امريكا من الضرر الذي ربما يقع عليها في المستقبل وبالتالي تكبيل العرب وغل ايديهم حتى لا يستخدموا هذا السلاح وكانت صاحبة النصيب الاكبر والاهم هي دولة العراق فقد بدأت الاستراتيجية الامريكية الخبيثة تهدف الى افقار العراق وتحويلها الى دولة معدمة وكذلك تحويل دول اخرى في المنطقة الى دول مدينة. وعمدت الاستراتيجية الصهيونية الى اغراق العرب في مجالات اقتصادية عديدة واحداث نوع من الفرقة بما يسبب اضعاف قوتهم في هذا المجال .. وكان نتيجة لذلك ان فرض الامريكان على الدول العربية صفقات سلاح كبرى بلغت مئات المليارات في السنوات السابقة وقد تمت ترجمة هذه الاستراتيجية الخبيثة بحرب الخليج التي دفع ثمنها البترول العربي ولن اخوض كثيرا في تفاصيل ماحدث لان معظم الجماهير العربية حكاما ومحكومين يدركون تفاصيل هذه اللعبة . وقد كان نتيجة لكل ذلك ان اسعار البترول تراجعت في السنوات الاخيرة وظلت ثابتة رغم تغير وتنوع انماط الحياة في المجالات المختلفة. العرض والطلب * في تصورك كيف نجح الغرب في احداث حالة من التدهور لاسعار البترول العالمية؟ ــ اتصور ان السبب الرئيسي لتدهور ورقة البترول يرجع الى اختلال توازن قوى العرض والطلب نتيجة لضعف الطلب العالمي في الوقت الذي يوجد فيه زيادة في العرض وزيادة في المخزون لدى الدول المستهلكة ولعل من اسباب تدهور البترول عمدا التزام دول أوبك بحصص الانتاج المخصصة لها بالاضافة الى الازمات السياسية والاقتصادية المتكررة التي تدفع العديد من الدول الى زيادة مخزونها البترولي الاستراتيجي الى اقصى حد ممكن وبنفس الاسعار المنخفضة حيث ارتفع المخزون لدى الدول المستهلكة الى ما يقرب من 7 مليارات برميل من ثلاثة الى خمسة شهور لدى بعض الدول المستهلكة وعلى سبيل المثال الولايات المتحدة الامريكية لديها الآن مخزونا يكفيها لاكثر من 160 يوما وهذه المدة طويلة جدا في قاموس تحمل الدول البترولية بدون تصدير البترول .. الامر الآخر ان هناك انواعا عديدة من المبادلات الاقتصادية الآن في مقابل البترول. * اذن بات الامر صعبا ان تلجأ الدول العربية الى استخدام مثل هذا السلاح؟ ــ لا اتصور ان هناك مستحيلا ولكن المسألة ليست سهلة وفي حالة التوحد العربي واتساع رقعة الصادرات والواردات العربية ـ التجارة البينية ـ يمكن فعل اي شيء .. لكن الوقت يشهد اختلالا كبيرا في ميزان القوى بين العرب ومن يتربصون بهم. * ماذا لو كانت الثروة النفطية ملكا للامريكيين او لاي قوة غربية اخرى؟ ــ بالتأكيد كان استغلال الغرب لمثل هذه الثروة سوف يختلف كثيرا عن استغلالنا نحن لها وأظن ان اي قوة غربية اخرى لو كانت تملك هذه الثروة لكونت منها امبراطورية صناعية وعلمية واقتصادية ضخمة تواجه اي تكتل عالمي مهما كان ثقله. شريان دم * عندما كنت مسئولا عن حقيبة البترول لاكثر من ثماني سنوات كانت هناك طلبات اسرائيلية ملحة وضغوطا كبيرة تمارس عليك من اجل الموافقة على توصيل الغاز الطبيعي والبترول الى اسرائيل؟ كيف واجهت هذه الضغوط وما حقيقة اللعب بهذه الورقة الخطيرة؟ ـ اولا بغض النظر عن كوننا عقدنا اتفاقيات سلام مع اسرائيل لكني مازلت اتصور ان توصيل خط انابيب بترول الى اسرائيل يعني اعادة الحبل السري بين الجنين وأمه .. او بطريقة اخرى هو بمثابة توصيل شريان دم بين مريض وآخر سليم فهل شكل العلاقة بين العرب واسرائيل يقول ان اسرائيل تستحق هذا الشريان الدموي؟ ولابد ان اشير الى ان اسرائيل تحاول التلويح بهذه الورقة ولقد هاجمني كثيرا ارييل شارون بسبب هذا الموضوع .. واذا كانت اسرائيل تحلم بمد خط غاز طبيعي بين النيل والعريش ومنها الى اسرائيل لان هذا الخط سيوفر لها تكاليف اقامة محطة كهربائية تقدر بحوالي مليار ونصف المليار فهل يمكن لمصر ان تقوم بمد هذا الخط .. وهل اسرائيل جادة في اقامة علاقات سوية مع المنطقة العربية .. اعتقد ان الاجابة تقدمها الاحداث الحالية وتصفيات المدنيين العزل على ايدي الجيش المسلح. * هناك مقولة يرددها قصيرو النظر مفادها ان دول النفط العربي سوف تنهار وسوف يحدث كذا وكذا؟ ــ هذا كلام فارغ يردده بعض المغرضين والحاقدين لان البترول نعمة كبيرة من نعم الله تعالى وهبها سبحانه لعباده ولكن يجب على الانسان ان يكون امينا في استخدام وترشيد استهلاك هذه النعمة وان يتحاشى الاستخدام السيء لها لان حقيقة الامر تقول ان الانسان يتنفس ويأكل ويشرب بترولا. تأثيرات ضخمة * اخيرا الى اي مدى يحرك البترول المجالات الاقتصادية الاخرى؟ ــ اولا بالنسبة لنا او لاي دولة منتجة اهم ما يحققه البترول لنا هو الاكتفاء الذاتي ويكفينا عن سؤال (اللئيم) في حالة حدوث ازمات حيث لا يستطيع من يملك المال ان يحصل على الطاقة وانما يحصل عليها الاكثر قوة. وعندما اقول ان الهدف الذي نسعى اليه ان يحقق البترول اكتفاءنا الذاتي .. اعني مختلف المجالات والانشطة الاقتصادية التي تحتاج الى الطاقة .. مثلا الزراعة تحتاج الى طاقة في عملياتها .. ثم اسمدة يتم تصنيعها من المواد البترولية والغاز الطبيعي . ولو انتقلنا الى قطاع التشييد والبناء نجد ان صناعة الاسمنت تحتاج الى بترول وكذلك كل حركة النقل كما قلت تعتمد عليه اعتمادا مباشرا. وفي قطاع الكهرباء لا تقل اهمية البترول عن القطاعات السابقة فمن بين كل خمسة مصابيح كهربائية نجد اربعة منها مولدة بالبترول والغاز الطبيعي .. وواحدة من الطاقة المائية كذلك رصف الطرق .. حيث لا تحل مصادر الطاقة الجديدة محل البترول او الغاز الطبيعي والصناعات البتروكيماوية فتعوضنا عن الحديد والخشب والقطن .. وكل ماهو موجود في الطبيعة يوجد له بديل في المواد البتروكيماوية. وحتى نجسد معنى الاكتفاء الذاتي المقصود اقدم نموذج تركيا التي تقارب مصر من حيث تعداد السكان وان كانت امكانات مصر البترولية اكبر فنجد ان تركيا تخصص خمسة مليارات من الدولارات سنويا لاستيراد الطاقة. اذن كل ما سبق يؤكد ان البترول له تأثيرات جبارة على جميع مناحي الحياة الاقتصادية.