بيان الاربعاء : عندما خرج الصادق المهدي زعيم حزب الامة من السودان متخفيا من انظار السلطة اطلق على رحلته اسم (تهتدون). وقد عبر الصادق المهدي الحدود السودانية الى اريتريا سرا لينضم الى التجمع الوطني ، المعارض, وبعد اربع سنوات من العمل السياسي في الخارج ضد النظام في الخرطوم وبعد خلافات بلغت حد القطيعة مع التجمع الوطني قرر الصادق المهدي العودة الى السودان وهي عودة سبقتها مقدمات لعل ابرزها الاتفاق الذي وقعه في جيبوتي مع الرئيس السوداني عمر حسن البشير. حول العودة والتي اطلق عليها اسم (تربحون) وموضوعات اخرى اجرت (البيان) في الخرطوم حوارا مع بكري عديل نائب الصادق المهدي واحد القيادات السياسية المعارضة البارزة في الداخل. * ماهي الدروس المستفادة من خروج الصادق المهدي زعيم حزب الأمة وعودته الى ارض الوطن؟ ــ الصادق المهدي خرج من السودان بعد ان اقتنع الجميع بأن العمل المعارض من الداخل قد استحال وأن الانقاذ قد اوصدت كل منافذ التحرك السياسي, وما عاد من الممكن ان يستمر زعيم الحزب في التواجد داخل ارض الوطن والحال كذلك, عليه فقد خرج الصادق المهدي في عملية (تهتدون) وكان عليه ان ينجز مهاما معينة وكبيرة وهي, اولا: كان عليه لزاما ان ينشط عمل التجمع المعارض بالخارج ليحقق الاهداف التي من اجلها انشأ هذا الكيان. ثانيا: كان عليه ان يطلع العالم الخارجي على حقيقة ما يدور في السودان ويشرح طبيعة النظام الحاكم ونهجه المتعسف في الحكم الامر الذي اوصل البلاد الى هاوية تردى فيها لعمق سحيق ومثال لذلك انهيار الجنيه السوداني وتدهور الخدمات العلاجية وتدهور التعليم وغيره اضافة الى انهيار مشاريع التنمية, كما تم الاعتداء على المال العام بشراهة لم يسبق لها مثيل, وانتهاك النظام لحقوق الانسان وايداع معارضيه بالسجون وانتهاج اسلوب الابادة والحرب لحل مشكلة الجنوب, كما ان النظام لم يسمح للرأي الآخر بان يظهر على السطح وقضى على معارضيه بروح شريرة لم تراع حقوق الانسان ولا منهيات الاسلام. الجهاد المدني خرج الصادق المهدي وبدأ بجد ونشاط في تنفيذ مهمته وجرب كل اساليب المعارضة بدءا بالجهاد المدني وانتهاء بالجهاد العسكري, ولقد اثمر ذلك التحرك الواسع حتى وجد النظام نفسه مرغما على اسقاط كثير من ثوابته وقبول كثير من برامج المعارضة التي قادها حزب الامة بقيادة زعيمه الصادق المهدي. صحيح ان برنامج المعارضة ومطالبها لم تتحقق بصورة كاملة الا ان ما تم انجازه يعتبر تحولا في سياسة النظام الامر الذي اقنع الكثيرون بان المهام في الخارج قد تم انجاز الجزء الاكبر منها وان ما تبقى يمكن انجازه من الداخل, بالاضافة الى ان هناك دواع اخرى استوجبت عودة الصادق المهدي الى الداخل ليقود مسيرة المعارضة, وذلك بعد ان تغير اسلوب العمل وبعد ان تحقق شىء من الانفراج وتغير المناخ من قهر شديد الى انفراج قد يسمح بممارسة بعض الحريات, ولكل ذلك اتخذت اجهزة الحزب قرارها التاريخي بعودة رئيس الحزب الى الوطن ليواصل المشوار الذي بدأ في الداخل ثم الخارج. توحيد المعارضة * ذكر الصادق المهدي بان الحكومة قد استخدمته كدرع ضد اي هجوم تنفذه المعارضة قبل خروجه, الا يمكن ان يتم استخدام نفس الاسلوب معه عقب عودته؟ ــ مسألة استخدامه كدرع او غير ذلك لا اعتقد انها تقدم او تأخر في منطقية خروج المهدي من البلاد وقد خرج ولكنه الآن عاد وبالتأكيد ان عودته ستدفع بالعمل السياسي المعارض وتسهم الى حد كبير في توحيد الصف المعارض وحشد الطاقات للضغط على الحكومة لقبول الاجندة الوطنية, ايضا مطلوب من الصادق المهدي وهو يقود المعارضة ان يذلل كل العقبات التي تقف في طريق الحل السياسي الشامل, عن طريق الحوار والتفاوض مع الكيانات السياسية كافة. * يتردد ان هنالك اتفاقا سريا بين الحكومة وحزب الامة لاقتسام السلطة وان هذه الصفقة تتمثل في اتفاق جيبوتي (2) الذي سيعلن لاحقا. ماهو رأيك؟ ــ ليس هنالك صفقة او اي اتفاق ثنائي بين الحكومة وحزب الأمة, وجيبوتي (2) وقبلها جيبوتي (1) ماهي الا مبادىء فضفاضة تسمح بالتوسع فيها ودخول الآخرين في دائرتها, لذلك نحن نسعى كما سبق وان ذكرنا مرارا وتكرارا لاقناع الناس جميعا بالحل السياسي الشامل على مبدأ الاجندة الوطنية الشاملة وهو باختصار شديد يتلخص في نقطتين, اولا تحقيق السلام العادل, وفي هذا الاطار تأتى موضوعات متعددة تحتاج الى تحاور واتفاق حولها, ثانيا تحقيق الوحدة الوطنية القائمة على التزامن والقبول الطوعي وتحت هذا الموضوع تندرج قضايا كثيرة تحتاج الى معالجة, وجيبوتي (2) و (1) كما قلنا ماهي الا مبادىء مجملة ولكن تحتاج الى تفصيل واتفاق حولها وتوضيحها لكل فصائل العمل السياسي حتى يجتمع الجميع حولها, وهذه مهمة قائد المعارضة, يساعده فيها العاملون في الحقل العام والملمون بها ايا كان موقعهم او انتماؤهم, ونحن لن نفرض قيادتنا على شخص او كيان ولكن نطرح وجهة نظر نعمل جاهدين لاقناع الآخرين بها فمن اقتنع (حبابه عشرة) وعليه ان يساعدنا في اقناع الآخرين ومن لم يقتنع بها (حبابه عشرة) ايضا, ولكن عليه ان يقدم البديل ونحن على استعداد للنظر في كل مشروع يحقق السلام والوحدة للوطن. التاريخ يعيد نفسه * يبدو وكأن المؤتمر الوطني الشعبي الذي يتزعمه د. حسن عبدالله الترابي رئيس البرلمان المحلول, يمسك بمفاصل سياسية وقبلية هامة في غرب السودان مناطق نفوذ حزب الامة مما يؤثر على شكل العلاقة بين القاعدة الشعبية في الغرب وحزبكم ماهو رأيك؟ ــ قبيل انتخابات 1986م كان يدور همس كبير في الساحة السياسية بان الجبهة القومية السودانية التي كان يتزعمها الترابي اكتسحت غير السودان ولم يبق لحزب الامة موطىء قدم, ودخل الحزب وكذلك الجبهة الاسلامية الانتخابات فماذا كانت النتيجة؟ الاجابة على هذا السؤال تتمثل في الآتي, لقد اكتسح حزب الأمة جميع دوائر دارفور ماعدا دائرتين فازت فيهما الجبهة الاسلامية القومية, والآن يعيد التاريخ نفسه, اذ يتحدث الناس عن اكتساح الحركة الاسلامية لدارفور وان الحزب لم يعد له وجود هناك وهذا غير صحيح فما زال غرب السودان يرفع راية الحزب وسيظل ممسكا بها الى ماشاء الله او الى ان تقرر جماهيره خلاف ذلك ونستطيع القول ان حكومة الانقاذ الحالية بشقيها قد اندحرت تماما ولم يعد لها وزن يذكر في غرب البلاد وان قيادة حزب الامة على اتصال دائم بقواعدها وتعرف كل مايدور في مناطق نفوذها في غرب السودان من محاولات تقوم بها الحكومة ومعارضتها الترابية (حزب المؤتمر الوطني الشعبي) لتحويل ولاء الناس الى جهة أخرى وهذا مستحيل. موظفو الانقاذ * السودان في صفوفها ونجد ان اولئك الشباب انشط ما يكونون في مختلف اجهزة السلطة الحاكم وكذلك في صفوف المؤتمر الشعبي, ماهو رأيك؟ ــ هؤلاء هم موظفو الانقاذ وهنالك فرق بين الموظف والكادر المقتنع بالطرح ويعمل لتمكين مبدأ محدد, فالذين يعملون الآن في مختلف دوائر السلطة انشطروا الى قسمين, القسم الاكبر حرص على الاحتفاظ بوظيفته وما تدر عليه من اموال ولذلك فضل البقاء مع المؤتمر الوطني الحاكم, بينما هنالك آخرون فضلوا الوقوف وراء د. الترابي في انتظار فرصة تتيح لهم وضعا افضل اذا صبروا على قيادة الشيخ وهؤلاء واولئك تحركهم مصالح معينة ولا اعتقد انهم يميلون كل الميل اقتناعا بطرح الطرفين السلطة او الترابي. حزب سيىء السمعة * ليبحث د. حسن عبدالله الترابي زعيم المؤتمر الوطني الشعبي المعارض عن تحالفات مع المعارضة بما فيها الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة, د. جون قرنق, وسبق لحزبكم عند اعلان المؤتمر الشعبي ان طلبتم من الترابي البرهان عمليا على ادانة ما تم في السنوات الماضية للانقاذ وان ذلك هو الضمان الوحيد لقبوله في الساحة هل هنالك اي امكانية لتحالف بينكم والترابي؟ ــ حزب المؤتمر الوطني الشعبي بزعامة د. الترابي يتمتع بسمعة سيئة في اوساط جماهير الامة والصورة التي ترسبت في اذهان مؤيدي الحزب تحتاج الى وقت طويل جدا لان تتغير ولا اعتقد ان يتم ذلك في المنظور القريب, واستبعد ان يحصل تحالف ثنائي بين حزب الأمة والمؤتمر الوطني الشعبي الا اذا حدث وفاق قومي شامل, جمع الى جانب حزب الامة والشعب كيانات سياسية اخرى. الحل التفاوضي * بدأت وتيرة الوفاق والمصالحة تعلو على الاصوات المنادية باقصاء الحكومة هل هذا يعود الى قوة الحكومة ام الى ضعف الدعوة لقيام الانتفاضة الشعبية؟ ــ لا هذا ولا ذاك ولكن الآن التفكير السليم يقود الى تبني شعار (الحل التفاوضي هو الافضل) وقد تبين للجميع ان الحزب لا يستفيد منها اي كيان, بل هي ضارة جدا بالوطن قاطبة, ولذلك بدأ الجميع يتحدث عن الوفاق واستبعاد الحلول الاستئصالية التي كانت تطرح في برامج بعض الكيانات السياسية, واعتقد ان حزب الامة له باع طويل في تحويل الناس من الاستئصال الى الحوار. اجهزة معينة * من الواضح ان المؤسسية لم تحسم حتى الآن في حزب الأمة لماذا؟ ــ المؤسسية لا يمكن حسمها في وضع غير ديمقراطي كما لا يمكن ان تحسم نهج حزب معين مع اجهزة غير منتخبة وانها جاءت للقيادة عن طريق التراضي او التعيين, هذه واحدة, الثانية ان الاجهزة الموجودة الآن مؤقتة ولفترة محدودة يأتي بعدها مؤتمر عام للحزب ليجيز برنامج الحزب ودستوره ولوائحه وينتخب اجهزته انتخابا ديمقراطيا. الاجهزة التي تأتي نتيجة لذلك هي الاجهزة التي يحرص الجميع على ان تكون هي صاحبة القرار, والاصرار على المؤسسية يأتي كناتج منطقي للممارسة الديمقراطية باختيار الاجهزة المختلفة , واستطيع القول بأن صوت المؤسسية ظل يرتفع دوما في ندوات قيادات الحزب وفي لجانه وفي كل مناسبة تستدعي ذلك . تفعيل المؤسسات * لكن هنالك تجربة لتراجع زعيم الحزب الصادق المهدي عن الاعتراف بما افرزه مؤتمر الحزب في عام 1986م من نتائج؟ ــ الصادق المهدي سعى حينها لتفعيل اجهزة الحزب خاصة الامانة العامة وقد تشكلت لجنة لدراسة هذا الامر وتقدمت بعدد من المقترحات من بينها اقتراح دعا الى احداث تغيير في هيكل الامانة العامة, وهنا حدث الخلاف في دستورية توصيات اللجنة التي تقدمت بالتقرير, وبعد نقاش وحوار عاد الامر الى ما كان عليه انتصارا للمؤسسية والديمقراطية.