أثناء حملة الرئاسة, دأب المرشح الديمقراطي آل جور كثيرا على انتقاد قاضيي المحكمة العليا أنطونين سكاليا وكلارينس توماس, مشيرا إلى أنهما يشكلان تهديدا للحريات المدنية ونموذجان لما سيكون عليه القضاة المحتملون الذين يمكن أن يقرر المرشح الجمهوري جورج بوش الابن تعيينهم في المحاكم. وكان القاضيان سكاليا وتوماس, وهما من أقوى الاعضاء المحافظين في المحكمة العليا التي تميل إلى اليمين, يقبضان بأيديهما يوم الجمعة الماضي على المصير السياسي لجور, وذلك لدى قيامهما مع القضاة السبعة الاخرين بالمحكمة بالاستماع إلى دفوع المعسكرين الجمهوري والديمقراطي في الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها في ولاية فلوريدا. ويعد هذا أحدث مثال على القضية المعقدة الخاصة بالولاء الحزبي وصراعات المصالح المحتملة التي ألقت بظلالها على موضوعية مسئولي وقضاة ولاية فلوريدا وحتى قضاة المحكمة العليا في الطعون الانتخابية المعقدة التي يجر ي حاليا النظر فيها في ولاية الشمس المشرقة. ومن المفترض ان يسمو سكاليا, المعين من قبل الرئيس الجمهوري الاسبق رونالد ريجان وتوماس المعين من قبل الرئيس الجمهوري أيضا السابق جورج بوش الاب, فوق الاعتبارات الحزبية. غير ان محللين يميلون إلى التوقع بأن يحمل الحكم النهائي للمحكمة العليا في طياته ميولا حزبية بسبب وجود سبعة من بين قضاتها التسعة كانوا معينين من قبل رؤساء جمهوريين وأن الجلسات الاخيرة للمحكمة شهدت انقساما حادا بأغلبية 5 إلى 4 من بينهم قاضيان معتدلان يمثلان صوتي الترجيح. وحتى في المحكمة العليا في فلوريدا, فإن معظم العلاقات المشكوك فيها التي تربط المسئولين هناك معا وتثير الشكوك حول الموضوعية, تعد ناجمة عن الموقف الطارىء. وأوضح دليل على ذلك هو دور حاكم ولاية فلوريدا جيب بوش الشقيق الاصغر للمرشح الجمهوري. فقد رفض جيب على الفور الاشتراك في لجنة الانتخابات بالولاية, لكنه ربما لايزال يلعب دورا بالتوقيع على مشروع قانون بترشيح قائمة باسماء ناخبي بوش في المجمع الانتخابي بالولاية. ودليل آخر هو كاثرين هاريس, وهي أمينة السر المنتخبة في ولاية فلوريدا ورئيسة اللجنة الانتخابية بها. وفي حالة كهذه, فإنه لايوجد هنا أي حياد نظرا لان هاريس هي الرئيس المشارك لحملة بوش في فلوريدا. لكل هذه الاسباب, اتهم الديمقراطيون هاريس بالعمل في كل مرحلة من المراحل منذ إجراء الانتخابات في السابع من نوفمبر الماضي باعتبار أنها موالية لبوش وليست مسئولة محايدة بالولاية, كما هو مفترض. وخلال عمليات إعادة الفرز اليدوي في ثلاث مقاطعات في فلوريدا, بناء على طلب المعسكر الديمقراطي, كان كل مجلس من مجالس المدققين المحليين في تلك المقاطعات يضم عضوين ديمقراطيين وعضوا جمهوريا واحدا. لاعجب إذا عندما احتج الجمهوريون بشدة عندما أسفرت عملية إعادة الفرز اليدوي عن حصول جور على مزيد من الاصوات أكثر مما أسفرت عنه نتائج الفرز الميكانيكي لبطاقات اقتراع الناخبين في المقاطعات الثلاث في انتخابات السابع من الشهر الماضي. وفي الولايات المتحدة, مثلها مثل أي ديمقراطيات أخرى, من المفترض أن تكون السلطة القضائية مستقلة وفوق النزاعات السياسية والحزبية. لكن عندما وصل طعن بوش في نتائج إعادة الفرز اليدوي إلى المحكمة العليا في فلوريدا, شعر محاموه باليأس إدراكا منهم بأن ستة من قضاة المحكمة السبعة معينون من قبل حكام ديمقراطيين بينما القاضي السابع معين من قبل حاكم ليبرالي مستقل. ولذلك توقع محامو المرشح الجمهوري الهزيمة أمام محكمة فلوريدا العليا قبل أن تسمع المحكمة حتى دفاعاتهم. وعندما حكمت المحكمة بالفعل ضد بوش, وهو ما كان يعني السماح باستمرار إعادة الفرز اليدوي, تخلى جيمس بيكر مراقب بوش في فلوريدا عن كل مظاهر الاحترام للهيئة القضائية. وبصوت يقطر بالاحتقار, دعا بيكر الهيئة التشريعية في ولاية فلوريدا إلى التدخل بترشيح قائمة باسم الاعضاء المنتخبين بالهيئة للادلاء بأصوات الولاية وعددها 25 صوتا في المجمع الانتخابي الخاص بها, وذلك في 18 من ديسمبر الحالي. لكن من يهيمن على الهيئة التشريعية في فلوريدا؟ بوسع المرء ان يخمن بسهولة الاجابة عن هذا السؤال إنهم الجمهوريون الذين يتمتعون بهامش أغلبية مريح في كل من المجلسين. ونظرا لان جيب بوش جاء حاكما لفلوريدا بعد مجموعة من الحكام الديمقراطيين سابقا, فإن معظم أعضاء الهيئة القضائية بالولاية كانوا معينين من جانب هؤلاء الديمقراطيين, الامر الذي أعطى جور الامل في مواصلة الطعن في المحاكم ضد قرار هاريس (من الجمهوريين) بفوز بوش بأصوات المجمع الانتخابي للولاية. غير ان أكثر ما يقلق الجمهوريون في الوقت الراهن هي دعوى قضائية رفعها محامي بصفته الشخصية في مقاطعة سيمينولي يطعن فيها في الاقتراع الغيابي (التصويت عن طريق المراسلة بالبريد) بالكامل بالمقاطعة.ورغم أن حملة جور ليست منغمسة في هذه القضية, فإن معظم المحللين يزعمون بأنها تمثل أعظم خطر يهدد مطلب بوش بحقه في البيت الابيض. وتهدف الدعوى القضائية لهذا المحامي إلى إلغاء 15 ألف بطاقة اقتراع تمت بالمراسلة, من إجمالي نتيجة فرز الاصوات في مقاطعة سيمينولي, وذلك بحجة أن مسئولين بالحزب الجمهوري غيروا في بطاقات الاقتراع التي كانت قد رفضت في بادئ الامر. وإذا كسب هذا المحامي هذه القضية, فإن نتيجة ذلك ستكلف بوش خسارة نحو أربعة آلاف و800 صوت, وهو عدد أكبر بكثير من فارق الاصوات التي يتقدم به رسميا على جور في الانتخابات وهو 537 صوتا. وإضافة هذا العدد إلى الاصوات التي فاز بها جور, سيعني ببساطة خسارة بوش للانتخابات. ولكن من هو القاضي الذي سينظر تلك القضية؟. أنها نيكي آن كلارك, وهي قاضية سوداء كانت معينة من قبل لاوتون تشيلز الحاكم الديمقراطي السابق لولاية فلوريدا. والاعجب من كل ذلك ان تشيلز نجحت مؤخرا في الحصول على ترقية للعمل كقاضية في إحدى محاكم الاستئناف بالولاية, وذلك بفضل حاكمها جيب بوش الشقيق الاصغر للمرشح الجمهوري جورج بوش الابن. ويشعر الجمهوريون بالثقة الشديدة في أن كلارك ستتخلى تماما عن حيادها القضائي كفرصة للانتقام من آل بوش الذين طلبوا منها التنحي عن نظر القضية, لكنها رفضت. ومن المقرر ان تبدأ المحكمة في نظر قضية المحامي غدا. ويتوقع معسكر بوش الهزيمة بالفعل ويخطط للطعن أمام المحكمة العليا بالولاية وكان القضاة السبعة الليبراليون في تلك المحكمة موضع سخرية علنية بالفعل بسبب مواقفهم المنحازة. د.ب.ا