الشاباك يتحرك للايقاع بين المسلمين والمسيحيين ، التيار الإسلامي نجح في الحركة المؤثرة في صفوف عرب 48 وهذه هي الأسباب لقد صدر كتاب كارمي جيلون عن تجربته في قيادة (الشاباك) وفي المسئولية الأمنية المباشرة عن العرب في إسرائيل في مرحلة من المراحل, قبل انتفاضة الأقصى. لو انتظر بعض الوقت لربما قام بتغيير الكثير من استنتاجاته، والتي تثبت أنهم في إسرائيل وعلى الرغم من الأجهزة الأمنية والدراسات الأكاديمية وجيوش الخبراء في شئون العرب, ما زالوا بعيدين عن أن يفهموا مكونات النفسية العربية وما زالوا بعيدين عن النجاح في التكهن بآفاق المستقبل: آفاق التحركات العربية. يرى جيلون أن (العرب في إسرائيل تضامنوا في حدود معينة مع الانتفاضة الوطنية التي اندلعت في الضفة الغربية وقطاع غزة في ديسمبر 1987 ولكنهم لم يندفعوا لأكثر من التضامن إذ أن إحساسهم بالمواطنة الإسرائيلية كان الأقوى, كما أنهم يؤكدون, في نظره, استحالة قبولهم الانضمام إلى دولة فلسطينية في المستقبل, وهذا ما يريده, بالمناسبة, قادتهم الوطنيون وقادة منظمة التحرير والسلطة الوطنية, إذ أننا نريد أن يبقى هؤلاء الناس في وطنهم وفوق أرضهم ونعمل جميعاً من أجل عودة آخرين من اللاجئين المنتشرين في كل بقاع الأرض إلى الأرض والمنازل والمدن والقرى نفسها, ليشكلوا جميعاً قوة بشرية متشبثة بأرض الوطن وترابه. انتفاضة الأقصى والمشاركة المباشرة للعرب الفلسطينيين داخل الجليل والمثلث والنقب, وسقوط أربعة عشر قتيلاً في أعنف مواجهات من نوعها, منذ قيام الدولة العبرية, كلها حقائق تؤكد فشل تحليلات كارمي جيلون وغيره من علماء الاجتماع في إسرائيل وفي مقدمتهم د.سامي سموحا المتخصص في شئون الاندماج العربي في الدولة. ما حدث أثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن هؤلاء المواطنين الذين يطالبون بالمساواة في الحقوق في الدولة ويطالبون بأن تصبح دولة لكل مواطنيها, وليس دولة لليهود فقط, يؤكدون أنهم جزء من الشعب العربي الفلسطيني يثورون معه ويخوضون معاركه. وكارمي جيلون يعطي أهمية خاصة للحركة الإسلامية في إسرائيل وفي تصريحاته الأخيرة, بعد انتفاضة الأقصى, أكد جيلون استنتاجاته بأهمية الأماكن الإسلامية في اندلاع المواجهات وحركة الغضب في أوساط ملايين العرب والمسلمين, ولذلك يكشف النقاب عن مطالبته المبكرة بإخراج الحركة الإسلامية من دائرة القانون, واعتبارها حركة خارجة عن القانون, متناسياً أن ذلك, لو تم بالفعل, لدفع بها نحو مزيد من التطرف ومن ممارسة للكفاح العنيف ما دامت القنوات الشرعية مغلقة أمام أعضائها وأنصارها. ويعترف المؤلف أن الحركة الإسلامية قد نجحت نجاحاً باهراً في المدن والقرى العربية في إقامة المؤسسات الخيرية ومساعدة المحتاجين ومحاربة الجريمة والمخدرات. وفي كل ما فشلت فيه الحكومة الإسرائيلية حسب قوله.. إذا كان الأمر كذلك... أين مخاطر التطرف إذن؟؟ المؤلف يحاول الوقيعة بين المسلمين والمسيحيين حين يقول إن الحركة الإسلامية معادية لليهود وللمسيحيين على حد سواء, وذلك بعيد عن الحقيقة تماماً, ففي فلسطين وعبر التاريخ, لم تظهر تعارضات بين المسلمين والمسيحيين وكان نسيج الوحدة الوطنية هو الأقوى, حدثت بعض الاستثناءات لكنها لم تشكل القاعدة. وهو يرى شخصاً مثل عبد الله نمر درويش خطراً على إسرائيل في وقت يدعو فيه هذا القائد الإسلامي للتعايش ويرفض استخدام الكفاح العنيف ويطالب بدخول الكنيست واستثمار المنابر الشرعية والتشريعية في إسرائيل, وقد دخل أنصاره الكنيست بالفعل, وقد تعرض درويش لانتقاد واسع من حركات إسلامية عديدة في الوطن العربي بسبب اعتداله الشديد, الذي لا يرى كارمي جيلون, إلا أنه شكل من أشكال التكتيك. التضامن مع (الارهاب) الاضطرابات الكبرى التي حدثت يوم الثامن من أكتوبر الذي صادف اليوم الرابع من عيد المظلة (كما يسميه الإسرائيليون), كانت الأكثر عنفاً منذ يوم الأرض عام ,1976 فقد حصل أن أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين والمصلين في المسجد الأقصى مما أدى إلى مقتل تسعة عشر شخصاً وأصابة مائتين آخرين. فكانت ردة الفعل في أوساط العرب في إسرائيل عنيفة واندلعت المظاهرات وتم اضرام النار في المصارف والمؤسسة الاستهلاكية بمدينة الناصرة, وكان الأمر إنذاراً لمدى الحساسية والأخطار التي تنطوي عليها المساجد والأماكن المقدسة للمسلمين عامة والمسجد الأقصى بشكل خاص. وقد أدى إندلاع الانتفاضة في الضفة الغربية وغزة في ديسمبر 1987م إلى خلق صراع نفسي حاد للعرب في إسرائيل الذين يرتبطون بعلاقات قربى وثيقة مع الفلسطينيين في مناطق الضفة الغربية وغزة, وكانت إسرائيل تخشى من انزلاق الضفة إلى الوسط العربي مما سيقود إلى صراع عنيف بينها وبينهم, ولكن العرب في إسرائيل تصرفوا بحكمة ولم ينجروا إلى العنف. صحيح أنهم تضامنوا معهم من خلال ارسال المواد التموينية والبطانيات والأدوية لكنهم لم يلجأوا إلى العنف, ومع أنه تم إلقاء القبض على البعض منهم لبيعهم الأسلحة لسكان المناطق (بما في ذلك بنادق ام 16) غير أن يهوداً فعلوا الأمر نفسه, كما ان خلفية الأمر كانت جنائية وليست وطنية. وكانت نسبة التظاهرات والاحتجاجات إبان الانتفاضة أقل مما توقعته إسرائيل التي كانت مندهشة أيضاً لمعارضة العرب في إسرائيل لحكومة شامير اليمينية بعد تفكك حكومة الوحدة الوطنية. لكنه وفي المقابل فإن المساس بالمقدسات الإسلامية هو الذي يخرجهم عن طورهم, ذلك أن الانتفاضة من وجهة نظرهم تتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني وهو ما لا يريدون أن يكونوا طرفاً فاعلاً فيه, فهم يعتبرون أنفسهم مواطنين إسرائيليين, ومن الممكن أن تكون لهم أفكار مختلفة ومتنوعة إزاء حل هذا النزاع كما هي الحال عند اليهود, وهم في الوقت ذاته يشعرون بالتعاطف مع معاناة وكفاح إخوانهم في الضفة والقطاع لكنهم ليسوا شركاء في هذا الكفاح. أما المقدسات الإسلامية فتدخل في صلب النزاع اليهودي العربي وبالأخص اليهودي الإسلامي والذي لا يرغب العرب في إسرائيل, أو على الأقل معظمهم التخلي عنه. ويعلم المسلمون أن اليهود المتدينين يعتبرون قبة الصخرة رجساً ينبغي إزالته لبناء الهيكل الثالث مكانها كما حاول فعل ذلك أعضاء التنظيم اليهودي وغيرهم, كما يعلمون أيضاً بأن لدى المتعصبين المسيحيين تفكيراً باتجاه هدم قبة الصخرة وقد حدث هذا في يوم ما. خلال تلك الأيام المشحونة بالتوتر وتحديداً في نوفمبر عام 1990 بدأت عملي كمسئول للواء الشمال في الشاباك, وهذه هي المرة الأولى التي أكون فيها على اتصال بالعرب عامة والعرب في إسرائيل خاصة, على عكس حال معظم رجالات الشاباك الذين يتصلون بالعرب خلال المراحل الأولى من عملهم. يشكل العرب في إسرائيل ما نسبته 15% من سكان الدولة ويتمتعون بحرية الحركة وسائر الحقوق المدنية ولدى البعض منهم أسلحة تم الحصول عليها وتخزينها لأهداف غير قانونية -ولو أن قسماً كبيراً منهم قد تضامن مع (الإرهاب المزعوم!) لكانت النتائج مدمرة للعرب واليهود على حد سواء- لكن ذلك لم يحدث وطوال عملي مسئولأً عن الشاباك في لواء الشمال وقعت حادثتان بارزتان فقط في الوسط العربي وهما: حادثة (ليلة المذراة) التي قام فيها ثلاثة من العرب (أثنان من قرية مشيرفة وواحد من أم الفحم) بقتل ثلاثة جنود مهاجرين في معسكر بالقرب من كيبوتس جالعاد, وفي الثانية قام عربي إسرائيلي بنقل فدائي من المناطق إلى تل أبيب. ولكن ينبغي ألا نقف عند ما حدث فقط وإنما ما كان يمكن أن يحدث ولم يحدث. وتجدر الإشارة إلى ان قادة المنظمة وياسر عرفات بالتحديد, لم يقعوا في دائرة الاغراء بالنسبة لتفعيل نشاط العرب في إسرائيل لصالحهم. ومع وجود حالات فردية قليلة على هذا الصعيد إلا أن قيادة المنظمة الرئيسية لم تكن الدافع لها. بل على العكس من ذلك, فقد خصص عرفات للعرب في إسرائيل دوراً دبلوماسياً سياسياً في الكنيست ووسائل الإعلام لدفع الشأن الفلسطيني دون اللجوء إلى الطرق العسكرية. وفي اعتقادي بأن هذه السياسة ليست مدفوعة بالاعتبارات الإنسانية أو الاخلاقية كما أنها ليست نابعة من القلق على مصير هؤلاء وإنما من منطلق إدراك أن إسرائيل لن تتردد في ضربهم بيد من حديد, وتكون النتيجة سلب حقوقهم بحيث لا يستطيعون دعم القضية الفلسطينية بطرق شرعية. وقد قادتني سنوات عملي في الشمال إلى استنتاج مفاده أن مضى أكثر من خمسين عاماً على قيام دولة إسرائيل أفرز واقعاً ميدانياً جعل العرب في إسرائيل يعتبرون أنفسهم مواطنين في الدولة, مروا بمرحلة (أسرلة) ويقبلون بإسرائيل دولة يهودية شرط ألا يكونوا في هذه الدولة مواطنين من الدرجة الثانية. وليس هذا فحسب, فهم يرغبون في البقاء مواطنين إسرائيليين حتى لو قامت دولة فلسطينية, وهذه الأمور صحيحة حتى لدى قسم كبير من اولئك الذين نعتبرهم (متطرفين). وأشير في هذا الشأن إلى ما استنتجته دراسة (العرب في السياسة الإسرائيلية ــ ازمات هوية ــ إصدار جامعة تل أبيب ــ مركز دايان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا 1998) من أن لعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية تأثيراً بعيد المدى على نظرة العرب في إسرائيل حيال مسألة الهوية وعناصرها ويمكن القول بأن المسألة الفلسطينية القومية تحمل في نظرهم طابعاً إسرائيلياً محلياً, وأن الحركات والتيارات السياسية العربية تتمحور إلى جانب النضال من أجل المساواة المدنية حول المسائل القومية على الصعيد الداخلي في قضايا مثل أملاك الوقف ومشكلة اللاجئين في وطنهم (أي السكان الذين تم تدمير قراهم في حرب عام 1948 وظلوا داخل إسرائيل ولكن تم ضمهم لقرى أخرى) ومسألة الأراضي العربية المصادرة وإضفاء طابع قومي على برامج التعليم والتدريس العربي, وأمور أخرى. وبموازة ذلك يتعاظم إتجاه (الأسلمة) الذي يعمل على تعزيز الوعي الديني والتضامن الإسلامي. التيار الإسلامي العرب في إسرائيل يتقبلون دولة إسرائيل كحقيقة لا جدال فيها ــ وهذا بالطبع لن يجعلهم صهاينة ولكنه يعني ارتباط مصيرهم بدولة إسرائيل عن علم ووعي ــ غير أن الأمر يختلف مع الأقلية التي تنتمي للحركة الإسلامية والتي أدى ظهورها على الخريطة إلى تغيير وجه الأمور بشكل جذري. فالأسباب الدينية في جوهر تركيبة الحركة الدينية لا تقبل بحق وجود إسرائيل, وهنا يكمن الفارق الأساسي بين الحركات القومية والوطنية العلمانية, مثل منظمة التحرير التي يمكنها لسنين طويلة القول بأن إسرائيل دولة امبريالية مغتصبة ويجب القضاء عليها, ولكن خلال لحظة ما يمكن التوصل إلى استنتاج بأن الظروف ملائمة للمصالحة. والأمور تختلف جذرياً في الحركة الإسلامية وحماس الذين يعتبرون اليهود والنصارى كفاراً. البعض منهم يرى وجوب القضاء عليهم والبعض الآخر يمنحهم مكانة أدنى كما حدث في اليمن ودول إسلامية أخرى. وجميع تيارات الحركة الإسلامية تعتبر أرض إسرائيل ــ أرضاً إسلامية مقدسة وسيطرة اليهود عليها تدنيس لها (وهذا صحيح أيضاً إزاء النصارى غير أن هؤلاء لا يسيطرون على هذه الأرض الآن). هذا أمر لا يمكن الجدال فيه لأنه وارد في القرآن, ولا مكان لأية استيضاحات عقائدية كما هو الحال في منظمة التحرير وتنظيمات علمانية أخرى. ويمثل الشيخ عبد الله نمر درويش مؤسس الحركة الإسلامية في إسرائيل النموذج البارز للتيار الإسلامي. وهو رجل طيب المعشر, يتحدث العبرية بطلاقة وتستضيفه هيئات فكرية مختلفة, وبسبب لطفه وحديثه الذي يتسم بالاعتدال يخطئ كثيرون في اعتقادهم بأنه شخص معتدل فعلاً, فشولاميت آلوني وزيرة التعليم في حكومة رابين, آمنت بذلك وصدقته فعلاً ولم تستجب لمحاولاتي الهادفة إلى منعها من الأتصال به وزيارته. فإيمانه كما يفهمه لا يسمح له بأن يكون رجلاً معتدلاً, فهو بكل بساطة فنان, ورجل تكتيك عظيم يوفق بين طريقته في العمل وبين ظروف الساعة. ولقد احاطت به هالة كبيرة بسبب دخوله السجن لانتمائه في بداية الثمانينيات (لأسرة الجهاد) ومركزها أم الفحم, حيث قام أفراد المجموعة بتخزين الأسلحة والتخطيط لعمليات عسكرية. ومع أن درويش يصرح اليوم بأنه (قد بدل نظرته لليهود) إلا أن الحقيقة هي غير ذلك وتكتيكه هو الذي تغير فقط. لكن يمكن القول بأن تجربته في السجن أوصلته إلى أن لا أمل في الكفاح المسلح وانما بالنشاطات الأخرى, فهو يدعو أتباعه للمشاركة في الفعاليات السياسية الإسرائيلية, بل يؤيد عرض قائمة للحركة الإسلامية لانتخابات الكنيست من منطلق القول: (تخيلوا أنفسكم كم كان رابين بحاجة إلينا للمصادقة على اتفاقات أوسلو لو كان لنا تمثيل في الكنيست آنذاك). ويشار إلى أن الفوارق الكامنة في الحركة الإسلامية في إسرائيل تتمثل في التكتيك فقط: التيار المعتدل بزعامة عبد الله درويش والتيار المركزي بزعامة رائد صلاح - رئيس بلدية أم الفحم- الذي يكرس جل اهتمامه لتعزيز السلطة الإسلامية في المسجد الأقصى, ويشترك مع درويش في الخطاب المعتدل الموجه لليهود لكنه متطرف في خطاباته الموجهة للمسلمين. والتيار المتطرف بقيادة الشيخ كمال الخطيب من كفركنا والذي يرفض مصافحة أي يهودي. وتعمل الحركة الإسلامية في إسرائيل كباقي الحركات الإسلامية في العالم العربي مثل حماس وحزب الله والأخوان المسلمين, في مجالات التربية والبنية الاجتماعية وبشكل مشابه لأسلوب عمل حركة شاس في الشارع اليهودي. وانا هنا لا أرفض شرعية شاس كحركة سياسية كما أنني لا أدعي بانها تتحدى دولة إسرائيل أو ترفضها, لكنني مقتنع بأنه ليس من قبيل المصادفة أن يجد وزير الداخليه أرييه درعي الطريق مفتوحاً أمامه إلى قلوب الحركة الإسلامية أكثر من أي زعيم إسرائيلي آخر. كما أن الحركة الإسلامية لم تتبع طريق العنف (مع وجود حالات فردية مثل ارشاد العربي الإسرائيلي لمقاتل من حماس لتنفيذ العملية في ديزنغوف سنتر أو قتل الجنديين في معسكر بالقرب من جالعاد, والاعتداءات التي وقعت في شهري أغسطس وسبتمبر 1999 ــ محاولة تفجير سيارات مفخخة في حيفا وطبريا وقتل الطلبة في غابة مجيدو). عملت على تفعيل الجهاز القضائي لاغلاق صحيفة الحركة (صوت الحق) لكنني لم أنجح في ذلك. كما أنني اعتقدت طيلة الوقت بأن محاربة الحركة الإسلامية يجب ان تتوافق مع خطوات إيجابية تعزز الولاء للدولة في صفوف العرب في إسرائيل فالمصلحة الإسرائيلية العامة والأمنية منها تستوجب منا النضال من أجل استمالة قلب هذا الجمهور وعدم السماح للحركة الإسلامية بالانتصار علينا في ذلك. التحرك الفاعل لقد استطاعت الحركة الإسلامية العمل في الوسط العربي اجتماعياً ودينياً بشكل فاعل حتى أنها ملأت فراغاً لم تقم به حكومات إسرائيل طيلة أعوام طويلة. فقد قامت هذه الحركة بانشاء المساجد للتعليم والدعوة, وكذلك رياض الأطفال إلى جانب نجاحها الباهر في مكافحة الجريمة والمخدرات. وعلينا الأعتراف بأن إسرائيل لم تعالج أعمال التحريض والتمرد بطرق ناجعة في الوسط العربي الإسلامي كما هو الحال مع الجانب اليهودي. كما أنها لم تعمل على تحقيق العدالة للوسط العربي ولو حدث ذلك لكان في صالح تعزيز ولاء العرب السياسي لدولة إسرائيل. وتنفيذ ذلك يتعلق بعملية طويلة وشاقة وبحاجة إلى ميزانيات ضخمة, ناهيك عن المعارضة التي ستلقاها مثل هذه العملية في الوسط اليهودي الذي يعاني هو الآخر من مشكلات عاجلة وملحة. لكن الحقيقة هي أن حكومات إسرائيل أهملت الوسط العربي على الدوام. تلك الحكومات التي كانت تلبي احتياجات الساعة, كما أن وزارة الداخلية ضمن نظام الحكم في إسرائيل لها الدور الحاسم في قرارات الميزانية, ولذلك انتعشت أم الفحم في ظل سخاء وكرم أرييه درعي. فقد نالت هذه المجالس عام 1992 ثلاثة عشر مليون شيكل ــ في سابقة لا مثيل لها بوزارة الداخلية ــ وقد قام درعي بذلك لغايات سياسية أكثر مما هو أصلاح للاجحاف الطويل الذي لحق بالوسط العربي. إذ حصلت شاس على نسبة عالية من الأصوات في أم الفحم تحديداً وفي الوسط العربي بشكل عام. وكان درعي بذلك يعيد إلى الأذهان بعض نجاحات حزب المفدال الوطني الديني خلال الخمسينيات والستينيات.