الملف السياسي: تجربة الشورى في دولة الامارات بدأت في نهاية الستينيات ومع اقامة الدولة في أوائل السبعينيات, وهي تجربة لها خصوصيتها التي تنسجم مع خصوصية المجتمع الاماراتي العربي المسلم, وتعد الشورى والمشاركة، السياسية مبادئ أصيلة في النهج الذي يتبناه صاحب السمو الشيخ زايد والذي يعد رائدا في هذا النهج مثلما هو رائد في دعم القضايا العربية والاسلامية. وقد حققت الشورى الاستقرار والأمن ودفعت الامارات الى تبني خطط اقتصادية وتنموية جعلت الامارات تتمتع بعلاقات جيدة مع دول الجوار ودول العالم بسبب استقرار نظام الحكم. وتقوم تجربة الشورى في الامارات على رفض النقل الحرفي لتجارب الدول الغربية والأخذ بجوهر الشورى وجوهر الديمقراطية والعمل على تحقيق العدل والمساواة بين جميع المواطنين وكفالة الحقوق والحريات. ويطبق صاحب السمو الشيخ زايد مبادئ الشورى في علاقته بالدول الأخرى وكذلك في علاقته بشعبه حيث يحرص على مشاركة شعبه في مختلف القرارات والاستماع الى شكاوى المواطنين والعمل على حلها. يؤكد الدكتور جمال مظلوم الخبير الاستراتيجي أن الاتحاد الاماراتي قام في الأصل على الشورى حيث تشكل الاتحاد بعد تشاور وتفاوض بين حكام هذه الامارات مشيرا الى أن الشورى مبدأ أصيل وأساسي في التعامل بين الامارات السبع المكونة للاتحاد وفي العلاقة بين الحكام والمحكومين. فالشيخ زايد يفتح أبوابه أمام جميع أبناء الشعب ويتجول في البلاد يستمع الى مواطنيه بصدر رحب ويعمل على حل مشكلاتهم. ويشير الدكتور مظلوم الى أن الشيخ زايد شأنه في انتهاج الشورى والمشاركة بين القمة والقاعدة شأنه في مساندة القضايا العربية والاسلامية فهو في القمة دائما وهو الرائد والسباق دائما الى دعم العرب والمسلمين والداعي الى الوحدة وحل الخلافات والصراعات. فعلى سبيل المثال كانت الامارات أول دولة تخفض انتاج البترول أثناء حرب أكتوبر عام 1973 وأول دولة تلعب دورا في الضغط على المجتمع الدولي لتأييد القضايا العربية وكذلك تعد الامارات من أوائل الدول التي دعت الى عقد قمة عربية حتى في بدايات التسعينيات حيث كانت الفرقة والتمزق قد وصلتا الى أقصى مدى بسبب غزو العراق للكويت وكان الشيخ زايد أول من دعا الى رفع الحصار عن الشعب العراقي, وكانت الامارات سباقة في امداد العراق بالأغذية والأدوية وبجانب ذلك كله فإن لسمو الشيخ زايد دوره الفعال في دعم القضية الفلسطينية والعمل على تحرير القدس واعادة المدينة المقدسة الى السيادة العربية. مبدأ أصيل ويضيف قائلا: واذا كان الشيخ زايد على القمة وبهذا التميز في مساندة القضايا العربية والاسلامية فإنه على القمة أيضا انتهاج الشورى كمبدأ أصيل لتوطيد اركان الحكم سواء فيما بين الامارات بعضها البعض أو بين الحكام والمحكومين فهو يحرص على مشاركة الشعب في مختلف القضايا ويتطلع الى الآراء المختلفة ووجهات النظر الشعبية ويأخذ بها ما دامت تحقق في النهاية الصالح العام موضحا أن سمو الشيخ زايد يدير البلاد بحكمة واتزان وعقلانية. ويرى أن تجربة الامارات في الشورى تختلف في كثير من مظاهرها عن الديمقراطيات الغربية وهذا لا يعني أنها أقل في الدرجة أو أن هذه الديمقراطيات أفضل وإنما لكل دولة ظروفها فالديمقراطية ليست نظاما واحدا فهي تختلف في تطبيقاتها من دولة الى أخرى في الدول الغربية مؤكدا أن نظام الشورى في الامارات أثبت نجاحه وفعاليته, بالاضافة الى نجاح نظام الشورى في توطيد دعائم الاتحاد بين الامارات وتحقيق التفاهم والانسجام بين ابناء الوطن الواحد ويشير الى أن الشورى وكذلك الديمقراطية ليس بالضرورة أن تطبق بصورة واحدة في كل المجتمعات وإنما يأخذ كل مجتمع بالطريقة الملائمة لظروفه والتي تحقق الاستقرار والرخاء لأبنائه مؤكدا أن طريقة الشورى التي تتبناها دولة الامارات أثبتت نجاحها وحققت أهدافها ومنحت الفرصة للبلاد لتبني الخطط الاقتصادية والتنموية التي حققت الرفاهية والازدهار في مختلف المجالات وفي نفس الوقت أوجدت علاقات جيدة مع دول الجوار ودول العالم بسبب الاستقرار الذي يتمتع به نظام الحكم. خصوصية المجتمع ويؤكد الدكتور حسن الظاهر الخبير بمعهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة أن سياسة الشورى والمشاركة حققت للامارات نموا غير عادي لا تستطيع أن تحققه أية دولة أخرى وهذا يتضح عند المقارنة بين صورة الامارات في عام 1971 وبين صورتها الآن مشيرا الى أن نظام الشورى والمشاركة وتوزيع المسئوليات أدى الى الاستقرار الداخلي. ويرى أن ملامح حكم الشورى والمشاركة السياسية في الامارات واضحة منذ نهاية الستينيات وانشاء الدولة في أوائل السبعينيات حيث اتخذ قرار انشاء الدولة بالمشاورة بين الامارات السبع موضحا أن طريقة توزيع السلطة السياسية داخل الامارات تحرص على ارساء مبادئ الشورى والمشاركة وكذلك تشكيل مجلس الاتحاد يعكس الشورى والمشاركة وأيضا صنع القرار والسماح بالرأي والرأي الآخر في المجلس الوطني الاتحادي, بجانب اعطاء حرية نسبية لكل امارة في ادارة شئونها الداخلية. ويشير الى أن الامارات ابتكرت لنفسها نظاما مختلفا عن الأنظمة الغربية يتلاءم مع ظروفها ويراعي خصوصية المجتمع الاماراتي وهذا يؤكد حكمة الشيخ زايد وبعد نظره لأنه ليس كل ما في الغرب ينقل وإنما يتم نقل ما يلائم بلادنا وديننا وما نستطيع الاستفادة منه موضحا أن الشيخ زايد يطبق الشورى من منظور اسلامي وليس من منظور غربي يتمثل في الديمقراطية وهذا ليس معناه أنه يعادي الديمقراطية وإنما يأخذ منها ما يتفق مع ديننا ومجتمعنا العربي الاسلامي فلكل نظام سياسي بيئته التي تنبع من عادات وتقاليد وتراث ودين وعقيدة المجتمع وشخصية الحاكم, وكل هذا يوحي بخصوصية الامارات, وهذه الخصوصية قد لا تسمح بنقل التجربة الديمقراطية الغربية الى الامارات. ويضيف: نحن ضد نقل تجارب الدول الأخرى نقلا حرفيا لأن كل تجربة سياسية لها بيئتها مثل النبات الذي ينمو في بيئة ولا ينمو في بيئة أخرى وبالتالي ليس من المنطقي أن نطالب الامارات بنقل التجربة الأمريكية أو البريطانية أو غيرها في الديمقراطية الى الامارات لاختلاف البيئة فالامارات مجتمع اسلامي يعتمد على الشورى وله طبيعته الخاصة التي تختلف عن طبيعة المجتمعات الأخرى. ويؤكد أن صاحب السمو الشيخ زايد نجح في الحفاظ على خصوصية الواقع الاماراتي بنهج الشورى وحقق للبلاد الاستقرار والتقدم والرفاهية لأن قيام النظام السياسي على الشورى وحرصه على مشاركة المواطنين في مختلف القضايا يؤدي الى انتشار الأمن والهدوء وهذا من شأنه أن يوجد بيئة مواتية لتحقيق التنمية والابداع والابتكار. يؤكد الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية أن صاحب السمو الشيخ زايد يعتمد على الشورى في كل الأمور وفي مختلف جوانب الحياة وهذه ميزة للشيخ زايد نبعت من كونه حاكما مسلما لدولة اسلامية مشيرا الى أن الشورى من أساسيات النظام الاسلامي وقد وردت في القرآن الكريم في موضعين في سورتين: الأول قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) والثاني قوله تعالى مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وشاورهم في الأمر). ويضيف قائلا: إننا نلمس في الشيخ زايد حرصه على تحقيق الشورى التي أوجبها الاسلام فهو يطبق مبادئ الشورى في سياسته الداخلية والخارجية وعلى المستوى المحلي والعربي والاسلامي والدولي مشيرا الى أن الشيخ زايد يحرص على مشاركة شعبه في مختلف القرارات كما يحرص على الاستماع الى المواطنين ومعرفة آرائهم في مختلف القضايا التي تهمهم والتي تتعلق بمستقبل دولة الامارات. ويرى أن الشيخ زايد يقتدي في انتهاجه منهج الشورى برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يشاور أصحابه في مختلف الأمور حتى في شئون الحرب والجيش وملاقاة الأعداء كما حدث ذلك في غزوة بدر وأحد والخندق وغيرها موضحا أن الشيخ زايد يتمثل قول رسول الله: (لا خاب من استشار). ويشير الى أن هذا المنهج الذي يؤمن به الشيخ زايد حقق الخير والنهضة لدولة الامارات وجعلها تحقق تقدما ملحوظا في كافة المجالات, وجعل ابناء الامارات يبذلون كل ما يستطيعون من أجل الارتقاء ببلادهم ولذلك أصبحت الامارات تتمتع بمكانة متميزة سواء على المستوى العربي أو على المستوى الدولي. فريضة سياسية واجتماعية ويشير الدكتور عبدالصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشئون الاسلامية الى أن صاحب السمو الشيخ زايد أدرك منذ اليوم الأول لتوليه المسئولية في دولة الامارات أن الشورى ليست فريضة دينية فحسب وإنما فريضة سياسية واجتماعية وضرورة وطنية وقومية يجب على كل حاكم مسلم الأخذ بها, يجب على جميع الشعوب الاسلامية الحرص عليها لأن الشورى هي السند القوي للحاكم وبدونها قد يقع الحاكم في الخطأ أو يحيد عن الصواب. ويؤكد أن تطبيق هدي الاسلام وهدي الخلفاء الراشدين في الحكم كفيل بعدم وجود أي نوع من الخلل في العلاقة بين الحاكم والمحكوم وانتفاء شبهة الاستبداد مشيرا الى أن الشيخ زايد طبق هذا فأوجد علاقة سليمة بينه وبين شعبه فهو لا يحظى بحب واحترام شعب الامارات وحده وإنما يحظى بحب وتقدير جميع الشعوب العربية. ويضيف أن الشيخ زايد حرص على تطبيق جوهر الشورى التي تستند الى القرآن الكريم والسنة النبوية والتي تهدف الى تحقيق العدالة والمساواة وكفالة جميع الحقوق والحريات العامة كحرية التعبير وحرية التفكير وفي نفس الوقت نجح في تجنب سلبيات الديمقراطية الحديثة التي وإن كانت تتفق مع الشورى الاسلامية في كثير من الأوجه إلا أنها تختلف معها فيما يتعلق بسلطة التشريع. فالتشريع في الاسلام لابد أن يكون متفقا مع أحكام الشريعة الاسلامية على عكس الديمقراطية التي تجعل السيادة للأمة وتجعل الأمة مصدر السلطات وبالتالي قد يشرع البرلمان قانونا يخالف الاسلام والقيم والأخلاق وهذا يحدث في الدول الغربية لكن الشيخ زايد كان مدركا تماما لهذا الفرق بين الشورى والديمقراطية ولذلك حرص على تطبيق جوهر الشورى دون التفات الى الشكليات. ويوضح الدكتور عبدالصبور مرزوق أن الامارات أدركت أن الشورى وكذلك الديمقراطية مجرد آليات تختلف في التطبيق من عصر الى عصر ومن بلد الى بلد فكان لها نهجها المتميز وتجربتها الناجحة في تطبيق جوهر الشورى الاسلامية وفي نفس الوقت الاستفادة من النظم الديمقراطية الحديثة بما لا يتعارض مع الاسلام.