الملف السياسي : عندما نستعرض التجربة الاتحادية لدولة الامارات العربية المتحدة وهي تحتفل بالذكرى الـ 29 لمسيرة الاتحاد فانه حري بنا البحث في دلالات هذه التجربة, وتبيان السمات والدروس, التي يجب وبالضرورة أن تشكل عاملاً محفزاً للآخرين على انتهاج هذا الطريق, الذي قدم تجربة رائعة في الإخاء واللحمة والتجانس, وأرسى قناعة راسخة, بأنه إذا ما وجدت النية الطيبة والإرادة الصادقة النابعة من قناعة خيرة, فلن يقف في وجهها أية عوائق أو كوابح لثنيها عن المضي قدماً باتجاه استكمال أهدافها, وأياً تكن هذه العوائق ومسمياتها وحجمها ستبقى أضعف وأعجز من الوقوف كحجر عثرة, في طريق تقدمها وتطورها ونمائها. وبعيداً عن الخطابة وكيل المدائح, لابد لنا من الاعتراف أن التجربة الاتحادية المظفرة, قد أسست ومنذ لحظة الإعلان عنها في بداية سبعينيات القرن الماضي, بين أبناء الملة الواحدة الخيرة, أرضية مشتركة لبلورة الهوية الوطنية وتجاوزت بكل جدارة ما أصاب هذه الهوية خاصة والعربية عامة من خدوش وتشوهات, بسبب جملة الظروف الاحتلالية أو الوصائية أو الرعائية. لقد أقامت الامارات حالة من التوازن من خلال العلاقة اللامركزية من جهة والمركزية من جهة أخرى بين أطراف الاتحاد المشتركة, والتي أدت إلى بناء المؤسسات الدستورية الشرعية القائمة على العدالة الاجتماعية ليس بين أبناء الشعب الإماراتي وحسب, بل وعلى مبدأ السلطات القائمة في الإمارات بمجموعها وتوازنها وتعاونها. ولعل الملفت بل والمفرح أن العامل الاقتصادي ومستوى الدخل لكل إمارة على حده لم يقف عائقاً في وجه تحقق التجربة, بل أن البعض المكون وأصحاب المردودية العالية من مجموع هذه الإمارات, وانطلاقاً من نكران الذات, قد عملوا على دفع جزء من رصيدهم من أجل إنجاح هذه التجربة الفريدة. وانطلاقاً من التفاني وروح المسئولية العالية لدى القوى السياسية الفاعلة التي لم تشغلهم كثيراً شكل الدولة الاتحادية بقدر ما شدهم عنوان الهوية والانتماء, وهذا الأمر بحد ذاته قد قصر المسافة بشكل كبير والهادف للوصول إلى الغايات الوطنية المنشودة. ولعل الملفت للنظر حقاً إن الإمارات العربية المتحدة بمجموع مكوناتها قد اتفقت فيما بينها انطلاقاً من روابط الاخوة المتينة, القائمة على أساس من ولائها الأخلاقي والقيمي الباحث عن تحقيق المصلحة العليا للوطن والمواطن, والمستندة إلى احترام الخصوصية الشخصية, وممارسة الحريات الخاصة التي تخدم الخط العام على كافة المستويات, وهذا الأمر بحد ذاته أصبح مقياساً تقاس به المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية, بما يتضمنه من سيادة القانون الذي يصب في خدمة البشر ويحقق التطور, هو ذاته الذي أصبح قاعدة للتعاطي البيني كأرضية صلبة لانجاح التجربة المثلى. ومن نافلة القول أن العروبة لدى المؤسسة السياسية والشعبية الإماراتية, كانت ولا تزال بما تحمله من مقومات حضارية وإنسانية هدفاً وغاية, انطلاقاً من القناعة المتأصلة الداعية إلى الالتزام بحتميات التكامل الإقليمي والمشاركة التاريخية المرتكزة إلى ركيزة ثابتة وقوية ممثلة باللغة الواحدة والثقافة الواحدة والحضارة الواحدة والمرتكزة أيضاً إلى بعدها الإسلامي, والمصالح الاقتصادية والسياسية والدفاعية الواحدة والمصير الواحد مع إخوانهم العرب في دول مجلس التعاون الخليجي, كحلقة وسيطة من الحلقات الممثلة في الجامعة العربية كإطار جامع. دون أن تغفل هذه القوى المكونة ولا للحظة واحدة, بأن المجتمع الإماراتي الذي يعيش حالة الفرادة والتنوع, بقي ولا يزال يعيش مجتمع التوحد الوطني والتوحد القومي والتآخي الإنساني, رغم كل الظروف والمتغيرات التي عصفت بالمنطقة والعالم. وقد لا نغفل نحن العرب أو نتجاهل أيضاً, بأن فكرة إقامة الاتحاد كانت ولا تزال هي الأخرى, قد قادت إلى دعم الفكرة القومية, بهدف تحقيق برنامج توحيد الكيان العربي, أي أن هذه التجربة ونجاحها رغم المساحة الجغرافية المتواضعة, ورغم عدد السكان المتواضع هو الآخر الممتد على هذه المساحة, قد شكل مثلاً يحتذى على المستويين الإقليمي الخاص والقومي العام. وقد أسست هذه العقلية المرنة الهادفة إلى إنجاح التجربة, بتوسيع تجربتها بقدر من الخصوصية بين دول مجلس التعاون الخليجي بخاصة والدول العربية بعامة, نتيجة حرص مختلف الاتجاهات السياسية فيها على المحافظة على التجربة الاتحادية. لقد تحققت المواطنة بمنح المواطن فرصة الاختيار من خلال القنوات القانونية والدستورية, وفتح الباب على مصراعيه أمام تكافؤ الفرص التي تفتقد له الكثير من مجتمعات الدول النامية, أضف إلى ذلك متوسط دخل الفرد الإماراتي الذي يؤمن له كل أسباب العيش الكريم والذي بدوره قد قوض المسافات وضيق بشكل أو بأخر الفوارق الطبقية بين الشرائح والطبقات الاجتماعية. ولعل المطالب الشعبية اقتصرت على تدعيم عملية المأسسة, انطلاقا من الحرص الوطني الكبير والمسئول, على مجاراة روح العصر, من خلال المجلس الوطني الذي يستند إلى الاختيار الحر استناداً إلى دعائم الدستور المنصوص عليه بالتوافق والتراضي فيما بين الأقطاب الإماراتية المكونة للاتحاد. ومن هذا المنطق والشيء بالشيء يذكر, أن الاتحاد الإماراتي قد استطاع استناداً إلى قيمه الجامعة التغلب مبكراً على سلبيات بعض الدول, التي لا تزال تشهد الكثير من الأزمات المركبة التي تعصف بها على المستوى الداخلي الوطني ــ وعلى كافة المستويات بما في ذلك الثقافية. وقد لا نغالي القول أن جملة هذه السياسات التوافقية والقناعات بالحفاظ على التنوع واحترام الخصوصية, قد أمن لابناء الإمارات انطلاقاً من وحدة الهوية, والاندماج الاجتماعي قفزات تطورية وحضارية على كافة الصعد حتى ليمكننا القول بكل جرأة, أن الإمارات العربية المتحدة قد تجاوزت حالة أزمة الفقر التي لا تزال بعض المدن في العالم تعاني منها, وتجاوزت الفوارق التي تؤرق بعض المجتمعات, والتي تتمثل في الفوارق الطبقية كما أشرنا سابقاً والهوة القاتلة التي تنذر بالكثير من الأزمات فيما بين المدن الغنية و أريافها الفقيرة الغير مؤهلة على المستوى الحياتي. ولعلي أعتقد جازماً أن عاملي التوحد والاستقرار, قد هيآ المناخ لقيام علاقات اقتصادية بينية متوازنة مع المحيط الإقليمي والعربي والدولي, وأسسا بشكل جاد لقيام شراكات اقتصادية وغير اقتصادية متعددة الاتجاهات والأهداف جعلت من أسواق الإمارات الوطنية بكل مسمياتها, أسواقاً دولية هامة لها مكانتها وتأثيرها وفعلها بالإطارين العربي والدولي, وأدت إلى تنوع وتعدد مصادر الدخل العام من خلال خلق روافد إضافية لسنا في هذا المقال بصدد تعدادها . وقد تبدى ذلك من خلال النشاط والحضور الكبير في كافة الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية, في كافة المنتديات والأنشطة الدولية. وختاماً لا بد لنا من القول أن هذه التجربة المظفرة, قد أكدت مرة أخرى حقيقة ليس على المستوى الوطني بل والقومي, وأنها قد أرست الأساس المتين نحو استكمال بناء الهوية العربية الموحدة, بالارتكاز إلى هذه التجربة الفريدة في واقعنا العربي, من خلال خلق آليات مشابهة بالآليات التي أدت إلى إنجاح الاتحاد الإماراتي كمثل يحتذى, والمتضمن حالة التوافق ومراعاة الخصوصية. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق