الملف السياسي : تتميز دولة الامارات العربية المتحدة بتاريخ فريد في منطقة الخليج العربي, ذلك ان دول المنطقة قد تحررت من السيطرة الاستعمارية البريطانية في وقت متقارب من مطلع السبعينيات. ولقد كان عليها ان تواجه نعمة الاستقلال بالتوطيد والتنمية والتضامن. وسرعان ما ظهر ان قيام دولة عربية من امارات المنطقة قد انتهت الى الدول التالية: البحرين, قطر, سلطنة عمان, والامارات العربية المتحدة. وقد دعا صاحب السمو الشيخ زايد آنذاك الى قيام وحدة بين الامارات المتجاورة والتي سميت بالمتصالحة في ذلك الوقت. ونهض صاحب السمو الشيخ زايد بالدولة الجديدة التي قاد اتحادها بطريقة متميزة في ظل من الانسجام والهدوء والتعاون بين الامارات التالية: ابوظبي, دبي, الشارقة, عجمان, ام القيوين, ورأس الخيمة. في ذكرى الاستقلال من كل عام يستعيد شعب الامارات والخليجيون والامة العربية, ذلك اليوم الذي أشاد فيه صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان رئيس دولة الامارات الصرح الحضاري لبلاده. لقد توجه, منذ الاستقلال, بفكره الثاقب الى وحدة بلاده لكي نجد مكانها اللائق في تلك الربوع المهمة من الوطن العربي, وقهر المستحيل بقيادته الحكيمة وصنع بالارادة الصلبة الملحمة القومية والنقلة الحضارية ووثق بقدرة الانسان الاماراتي على صنع مستقبله ومقدرته على بناء السلام الاجتماعي. اليوم الوطني في الامارات مشعل في سجل التاريخ العربي المعاصر. ذلك ان قيادة الشيخ زايد شكلت منعطفا في المنطقة, وقدمت نموذجا راقيا وعصريا في الحكم. وقد تصرف منذ اللحظة الاولى كقائد يملك برنامجا ونهجا طموحين لشعبه وأمته. آمن الشيخ زايد من اول الطريق بالوحدة في زمن الظلم, بالتضحية في زمن الاستئثار, وبالعطاء في زمن الشح, بدأ حكمه بالتصدي للأصعب وليس للأسهل. وكانت الامارات العربية متناثرة على ساحل الخليج, وكان الاعتقاد السائد لدى الجميع ان جمعها وتوحيدها في دولة واحدة تحت علم واحد يحتاج الى معجزة ليتحقق. وكان هذا الانجاز هو اولى المهام في برنامج حكمه المتألق والطموح. وبعد نحو خمس سنوات من العمل الدؤوب والجهد المضني والتضحيات واستخدام كل اساليب الحكمة وبعد النظر لديه, نجح مع اخوانه الحكام في ديسمبر 1971 بإعلان دولة الامارات العربية المتحدة حيث تولى قيادتها منذ ذلك التاريخ. أنشأ المدن وعمر المساجد في كل مكان ووزع الاراضي, أقام القرى الجديدة, وعزز الاقتصاد ونشر الرخاء والبحبوحة بين المواطنين, وحول الصحراء الى واحة من الخضرة في تحسس مبكر لمتطلبات البيئة حتى قبل ان يطلق الغرب دعواته في هذا الاتجاه. من اقوال صاحب السمو (بلادنا اصبحت القدوة والنموذج للدول التي تحدت الطبيعة القاسية ونجحت في حماية البيئة ومكافحة التلوث) هذا القول يعكس الارتباط الوثيق بين القائد وبين الارض وفي ذلك تأكيد على اهتمام سموه بالبيئة كرسالة سامية موجهة لأبناء الوطن ادراكا من سموه لضرورة السبق في مجال القرار المناسب في الوقت المناسب ولهذا تم اختياره (رجل البيئة) لعدة سنوات. ان صعوبة الماضي وقسوته لم تكن في الظروف الاقتصادية فقط بل كان لطبيعة الارض والطقس صعوبتها الاشد قسوة وخطرا, وبالتالي فإن الشيخ زايد لم يغفل هذا الامر وانطلق بحكمته, لتغيير هذا الواقع بحب غير عادي للأرض التي يرتبط بها ارتباطا قويا. وهذا الحب هو الذي جعل سموه يبعث الحياة في الصحراء ويحول مشهد رمالها الى شجر وارف وخضرة شاملة. وكان هذا حلما من احلام صاحب السمو الكبيرة التي شغلت تفكيره في السنوات الاولى. ولم يقف سموه كعادته دائما عند الحلم بل تجاوزه الى الفعل. غرس الشجر في الرمال ووقف تحت وطأة الطقس وحرارته من اجل ما آمن به وأحبه, وحين اكتست الرمال بالخضرة وتزينت الشوارع بالاشجار وجه سموه الدعوة الى الجميع للحفاظ على هذه المعجزة, التي شهد لها العالم اجمع. وهكذا فإن حرص القائد على البيئة هو حرص على الحياة فوق ارض الامارات, وعملا بتعاليم الدين التي تحث على حماية البيئة, لقد مكنت هذه السياسة الناجعة دولة الامارات من ان تحتل مرتبة ممتازة بين اخواتها في دول الخليج. بل ان الصدق في الاداء والمصداقية في السلوك قد وفرا للامارات اعلى معدلات النمو كما جاء في تقرير اللجنة الاقتصادية لغرب آسيا الاسكوا بمعدل بلغ 6%. السياسة الخارجية تقوم السياسة الخارجية لدولة الامارات العربية المتحدة على عدد من المرتكزات الثابتة اساسها تحقيق المصالح الوطنية العليا وتجسيد الصلاحيات التاريخية بين دول الخليج العربية, واقامة اقوى العلاقات وأوثقها بين الاشقاء فيها وحماية المصالح القومية للأمة العربية, وتدعيم الروابط الاخوية مع العالم الاسلامي, والاسهام الفعال في تعزيز السلام العالمي والانفتاح على العالم بإقامة علاقات من الصداقة والتعاون مع كافة الدول والشعوب على اساس مبادىء حسن الجوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشئون الداخلية للآخرين. وقد اتسم نهج الممارسة الفعلية للسياسة الخارجية بروح الحكمة والتوازن والمصارحة والمصداقية والوقوف بشجاعة الى جانب الحق مما اكسب الامارات مكانة مرموقة في المجتمع الدولي. النهج التوحيدي والتعاوني بين الاشقاء, ونزعة تجميع الجهود, كانت من بين العوامل التي دفعت بصاحب السمو الشيخ زايد ودولة الامارات العربية المتحدة الى حل المشاكل الحدودية واتباع سياسة حسن الجوار مع جيرانه في عمان والسعودية مما مكنه من القيام بدور مميز وحاسم في تأسيس مجلس التعاون الخليجي, مع اخوانه رؤساء الدول الخمس الاخرى في المنطقة عام 1981. وهذا النهج التوحيدي نفسه كان وراء كل المبادرات التي قام بها صاحب السمو الشيخ زايد على الصعيدين العربي والاسلامي, مما جعل الانظار العربية والدولية تتجه اليه بكثير من الاحترام والمحبة والتقدير. وهذا الامر بالذات هو الذي جعل عواصم الدول الكبرى تحترم مواقفه وتوجهاته حتى لو اختلف احيانا مع سياساتها. وإن دعوات الشيخ زايد المتكررة من اجل قمة عربية تفتح ابواب العزة والقوة للأمة العربية امر معروف ودعمه لهذا الاتجاه بالوقوف الى جانب شعب العراق والشعب الفلسطيني يدل على رغبة في التصدي لأعداء الامة العربية من الغاصبين والمحتلين. اهتمت الامارات بصندوق التضامن الاسلامي, أحد انجازات منظمة المؤتمر الاسلامي, استجابة لسياسة الشيخ زايد في خدمة القضايا الاسلامية والثقافية والاجتماعية. فمكرمات صاحب السمو رئيس الدولة على صعيد العالم الاسلامي تسعى لدعم التعاون الاسلامي في كل الميادين من خلال المؤسسات والمنظمات الاسلامية كمنظمة المؤتمر الاسلامي وبنك التنمية والمنظمة الاسلامية للتربية والثقافة وغيرها. دعم صاحب السمو رئيس الدولة صندوق التعاون الاسلامي فأوقف له خمسة ملايين دولار. وللبنك الاسلامي للتنمية اثر كبير في تنفيذ المشروعات الخاصة ببرامج الانشطة الاسلامية الخيرية والثقافية والتعليمية والاجتماعية, ولسموه باع طويل في المساهمة في تمويل المشاريع الانمائية والاسكانية في عدد من الدول كبناء السدود والمدارس والمساجد والمساكن والمستشفيات واستصلاح الاراضي وغيرها من المشاريع الخيرية والانسانية. وقد اشار رئيس صندوق التضامن الاسلامي الى ان ابرز انجازات الصندوق تتمثل في انشاء الجامعة الاسلامية بالنيجر لدول غرب افريقيا وكذلك انشاء جامعة اوغندا الاسلامية في شرق افريقيا والمركز الاسلامي في غينيا بيساو, ومستشفى التضامن الاسلامي في داكار وغيرها من المشاريع الجليلة في مختلف الميادين. وتمتد الايادي البيضاء لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة, بلا حدود لعون الاشقاء والاصدقاء ودعم العمل الانساني والخيري في جميع انحاء العالم انطلاقا من نخوة عربية اصيلة والتزام بالمبادىء والقيم الاسلامية. ولم يسخر سموه خيرات الامارات وثرواتها لبناء الوطن واسعاد المواطن فحسب, بل امتدت اياديه البيضاء الى الدول الشقيقة والصديقة يسهم في بناء مستقبلها بما يعود بالخير والمنفعة على شعوبها وذلك انطلاقا من نهج اصيل يجسده سموه بقوله: (اننا نؤمن ان خير الثروة التي حبانا الله بها يجب ان تعم اصدقاءنا واشقاءنا). وقدمت دولة الامارات بتوجيهات من صاحب السمو رئيس الدولة, منذ قيامها في مطلع السبعينيات وحتى نهاية العام ,1998 أكثر من (98) مليار درهم (حوالي 35 مليار دولار) كقروض ميسرة ومساعدات ومعونات شملت معظم دول العالم حيث يوازي حجم هذه المساعدات (5.3%) من اجمالي الناتج المحلي سنويا وهو ما يفوق النسبة التي قررتها الامم المتحدة وهي (07.0) للدول المتقدمة كحد أدنى لتقديم المعونات للدول النامية. وقدم صندوق ابوظبي للتنمية منذ انشائه في العام 1971 وحتى شهر يونيو من عام 1998 اكثر من (15) ملياراً و(160) مليون درهم كقروض ميسرة, ومنح مساعدات مقدمة من حكومة أبوظبي. واستفاد من برنامج هذا العون اكثر من 51 دولة في الوطن العربي, والقارتين الافريقية والآسيوية حيث بلغ عدد المشاريع التي نفذها الصندوق في هذه الدول 240 مشروعا. سدد الله خطى زايد الخير ومتعه بالصحة لإكمال رسالته المجيدة. بقلم: نعيم قداح ، سفير سوري سابق في الامم المتحدة