بيان الاربعاء : ما انفك المشهد الإيراني يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. وفي اللحظة التي يظن المراقب أنه وضع يديه على كافة تفاصيل المعادلة التي تحكم الوضع السياسي في إيران, إذا بمتغير جديد يظهر, فيلعب دوراً جديداً يستدعي إعادة الحسابات, أو يقلب في أسوأها تلك المعادلة رأساً على عقب ليبدأ المحللون نشاطهم من جديد. واليوم, حيث لا يفصلنا عن جولة أخرى فاصلة في الحياة السياسية في إيران ـ وهي الانتخابات الرئاسية ــ سوى بضعة أشهر, فإن هناك العديد من التساؤلات التي لم تجد جواباً شافياً خلال الفترة التي انقضت من ولاية الرئيس محمد خاتمي الأولى, تحتاج إعادة النظر فيها, وفي الوقت ذاته إعادة تقييم ما أطلق عليه المفكرون (التجربة الخاتمية). وتثير تلك التطورات التساؤلات التالية: * ما هو مستقبل كل من التيارين المتصارعين في إيران؟ هل يستطيع أحدهما أن يحسم نتيجة الصراع لصالحه أم تظل الأمور على حالها؟ * هل سيفوز الرئيس خاتمي في الانتخابات المقبلة؟ ولاسيما أن أحداً سواه لن يعلن حتى الآن عن استعداده لخوض منافستها؟ * ما هي احتمالات تطور الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين إلى ما يذهب إليه البعض من وقوع حرب أهلية تنعكس آثارها ليس على الداخل الإيراني فحسب, وإنما على المنطقة بأكملها؟ بديهي لا يمكن طرح إجابات شافية لهذه التساؤلات, وإنما ينصب التحليل في هذا الصدد في كشف بعض الأوراق وتقديم بعض المعطيات التي يمكن من خلال الإلمام بها متابعة التطورات الراهنة التي تشهدها الساحة السياسية في إيران يوماً بعد يوم. وبالتالي فإنه من المفيد أولاً الإشارة إلى مقدمات أو (منطلقات) الحياة السياسية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية, تساعد بعض الشيء في فك التدافع المستمر لمفردات المجتمع الديني ـ السياسي المركب, بل المعقد: * ثمة, بالفعل, حياة سياسية في إيران, بكل عناوين الصراع المدني والإطار القانوني المحصن والقاعدة الشعبية والنخبوية الفاعلة. * للرأي العام في إيران تأثير في الحركة السياسية اليومية, حيث نجح كثيراً في تحديد ملامح القرارات الداخلية, وفرض نفسه في محطات انتخابية معينة, وكان له القول الفصل,حتى وإن تضارب مع توجهات أقطاب الحكم وتمنياتهم, بل وقراراتهم. وما جرى في انتخابات الرئاسة الماضية التي أتت بخاتمي, وأسقطت مرشح المؤسسة الدينية آنذاك الشيخ ناطق نوري عام1997 يعتبر خير شاهد على ذلك. الجيل الجديد * لا يقتصر تأثير الرأي العام على الجانب الكمي فقط, كما لا يمكن وصفه بأنه من النوع العاطفي, وإلا فقد بلغ في السنوات الأخيرة مرحلة متطورة من الوعي السياسي الراقي مع بروز جيل جديد, معظمه ولد ونشأ في أحضان النظام الثوري, ولغالبيته رأي في تجربة الجمهورية الإسلامية, وعقدي عمرها. وبالتالي فهو جيل ليس على هامش الجمهورية الإسلامية وإن لم يكن بكل تأكيد ــ في متن الصياغة العامة التقليدية لبعض كبار النافذين في المؤسسة الدينية ـ السياسية. بمعنى آخر, هو جيل له رؤيته النقدية المستقلة, تتفاعل إيجاباً أو سلباً مع الوضع السياسي والدستوري والثقافي والاجتماعي الراهن في البلاد, أثبت نفسه قوة (فعل) مؤكداً رفضه أن يقتصر دوره على التبعية أو حتى مجرد (رد الفعل) حتى وإن اختفى الذين يضغطون عليه لأداء هذا الدور الأخير وراء عباءة (العقيدة) و(المقدس), بيد أن مجمل الوقائع التي شهدتها إيران خلال السنوات الأخيرة, أشارت إلى أن هذا الجيل المتمرد على التقاليد الجامدة, ليس متمرداً على النظام الكلي للحكم والدولة, وإلا فماذا يعني ارتفاع نسبة مشاركة هذا الجيل في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية التي شهدتها إيران على مدى السنوات الماضية؟ إذا ليس من شك في أن هذا الجيل المسيس الفاعل فضل ـ حتى الآن ــ التعبير عن رأيه مدنياً وفي صناديق الاقتراع, وهو يدرك في الوقت نفسه أنه كلما ارتفعت نسبة المشاركة وتدنت نسب المقاطعة, زاد ذلك في شرعية النظام. * نجح النظام الدستوري والسياسي في إيران, حتى الآن, في التجديد من الداخل, طوعاً أحياناً, واستجابة أحياناً أخرى لصدمات شعبية بلورت نفسها في الانتخابات, أو في الصحافة أو في التحركات الميدانية. * الانتخابات, والانتخابات الرئاسية المقبلة تحديداً, ليست (معلبة) معروفة نتائجها سلفاً: الفائز, ونسبة المشاركة, وعدد المقترعين, ونسبة الفوز..الخ, وبالتالي فإن الحديث عن الاستحقاق الرئاسي المقبل في مايو,2001 هو حديث جدي يستحق استشرافه تحليلاً وتوقعاً وتقويماً مسبقاً للسيناريوهات المحتملة وانعكاساتها. * على الرغم من أن النجاحات التي حققتها إيران على الصعيد الخارجي في عهد خاتمي لم يحققها أي من أسلافه في عهد الجمهورية الإسلامية, فإنها لا تعزي فقط إلى شخص الرئيس محمد خاتمي ولا التيار الإصلاحي فحسب, فهي في النهاية ثمرة لجهود المؤسسات السياسية المختلفة والتي لايزال المحافظون يسيطرون على عدد منها وخاصة مؤسسة ولاية الفقيه التي تجمع دستورياً السلطات السيادية العليا في البلاد.. اختلاف الظروف * تختلف الظروف الداخلية والإقليمية والعالمية السائدة منذ تولي خاتمي السلطة اختلافاً جذرياً عن الأوضاع التي كانت سائدة في عهد أسلافه منذ تولي الدكتور أبو الحسن بن صدر وحتى رافسنجاني. ومن ثم فإن القول بقصر الإنجازات التي شهدتها إيران خلال السنوات الثلاث الماضية على جهود الرئيس خاتمي, يعد من التسطيح بمكان, لأنه يعتمد على منهج الشخصنة في التحليل السياسي, فيربط بين خاتمي وكل فعل ناجح, بينما تعزي الإخفاقات لخصومه السياسيين من التيار المحافظ. وإذا أردنا الاقتراب من التساؤلات المطروحة في أول التحليل, فإنه يتحتم علينا إدراك بعض الحقائق الأساسية عن الداخل الإيراني, ساهمت ـ بعد أن أحسن الإصلاحيون استغلالها-في المجيء بالرئيس خاتمي. ثم الإلمام بعدها بمقدار التغيرات التي طرأت عليها لنرى كيف سيقيم الإيرانيون رئيسهم في الاختبار المقبل. مأزق الإصلاحيين من المعروف أن الأوضاع الاقتصادية دائما ما تلعب الدور الحاسم في تحديد خيارات الناخبين, ومن ثم يعمدون إلى التغيير إذا لم يلمسوا ما يرضيهم في هذا الصدد. وبطبيعة الحال كان الشعب الإيراني يتوقع ويتطلع إلى تحسن أحواله المعيشية بشكل ملموس خلال العقد الأخير من القرن العشرين, ولاسيما وقد وضعت الحرب مع العراق أوزارها. إلا أن استمرار معاناة الإيرانيين من تدهور الأوضاع الاقتصادية حسم الجولة الماضية من الانتخابات الرئاسية لصالح خاتمي الذي كان الجزء الأكبر من البرنامج الذي تقدم به إلى المواطن الإيراني يتعلق بالعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية. ما هو الوضع الاقتصادي في الوقت الراهن؟ على الرغم من أن إيران تمتلك موارد طبيعية متنوعة كالنفط والغاز والفحم والحديد والنحاس والزنك وغيرها من المعادن إضافة إلى قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة, فإن إيران لا تزال تعتمد على النفط كمصدر رئيسي للدخل القومي. وتعكس المؤشرات الاقتصادية أن مساهمة قطاع الخدمات في إجمالي الناتج المحلي, البالغ عام 1999 نحو 348 مليار دولار, لا تزال هي الأعلى بنسبة (45%) ويليه القطاع الصناعي بنسبة 34% ثم قطاع الزراعة بنسبة 21%. وتجدر الإشارة هنا إلى أن القطاع الصناعي يعتمد بالدرجة الأولى على النفط إضافة إلى أن الصناعات الإيرانية في مجملها تقليدية لا تتطلب التقنية الحديثة, وبالتالي فإن إيران لا تتميز بنوع معين من الصناعات عن باقي دول العالم. وتعاني قاعدة البنية التحتية والصناعية من نقص في قطع الغيار يؤدي إلى إبطاء أداء الاقتصاد الإيراني بنسبة 10 ــ 15% في العام. ولم يزد النمو الاقتصادي في إيران عام 1999 عن 1% في حين وصلت نسبة التضخم إلى 30%. ولم يتجاوز دخل الفرد في نفس العام 5300 دولار في الوقت الذي يعيش فيه نحو 53% من الشعب الإيراني تحت خط الفقر. وتعكس هذه النسب حقيقة التعثر الذي منيت به الجمهورية الإسلامية على مدى الواحد والعشرين عاماً الماضية في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي نادت بها الثورة. ويتضح ذلك في حقيقة أن 27% من السكان لا يحصلون على خدمات صحية, ولا تتوفر خدمات الصرف الصحي لنحو 36% من السكان, إضافة إلى أن 5% من السكان لا يحصلون على مياه مأمونة للشرب. الفجوة السكانية وعلى صعيد آخر تعاني إيران من فجوة كبيرة بين واقعها السكاني وقدراتها الاقتصادية الحالية, إذ تشير الأرقام إلى أن عدد سكان إيران بلغ عام 1999 نحو 66مليون نسمة. وإذا كانت الحكومة قد نجحت خلال العامين الماضيين في خفض نسبة النمو السكاني إلى أدنى مستوى له 83.0% أي أقل من 1% فإن الزيادة السكانية التي حققها المجتمع خلال السنوات الماضية إضافة إلى تحسن مستوى الخدمات الطبية الذي أدى إلى انخفاض نسبة الوفيات ليصل إلى 4.5 في الـ ,1000 كفيلان بمضاعفة الضغط على الحكومة لتحقيق معدلات نمو اقتصادية أفضل. وتقليص نسبة البطالة, إلى جانب تأهيل وتدريب القوى العاملة الوطنية لسد النقص الحاد في العمالة الماهرة. وتتضاعف مهمة الحكومة في استيعاب طموحات وتطلعات الأجيال الشابة في إيران, إذ أن المجتمع الإيراني مجتمع شاب تمثل الفئة العمرية من 15 ـ 64 سنة أكثر من 61% من مجموع السكان وهذه الفئة تعرف عادة باسم فئة (سن العمل). وبالتالي فإن الحكومة الإيرانية بمختلف تياراتها وأطيافها السياسية مطالبة بإحداث إصلاحات جذرية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. ولما كان العامل الاقتصادي يشكل السبب الرئيس وراء الرغبة في التغيير التي صوت لها الإيرانيون باختيارهم خاتمي عام 1997 على حساب مرشح التيار المحافظ, فإن استمرار وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لن يعني بالنسبة للمواطن البسيط سوى فشل الرئيس خاتمي في تحقيق وعوده الانتخابية, وهو تحديداً ما يريده المحافظون من خلال ضغوطهم المستمرة الرامية إلى تحجيم تحركات التيار الإصلاحي, وهو ما يشي أيضاً بإمكان تحول ثقة الناخبين عن الرئيس خاتمي إذا ما ظهر منافس قوي يتبنى طرحاً اقتصادياً معقولاً, ولاسيما أن خاتمي لم يحرز نجاحاً ذا بال على صعيد الإصلاح السياسي. جمهورية خاتمي هذا الواقع يطرح تساؤلاً فرعياً حول مستقبل التيار الإصلاحي إذا فشل رمزه الأكبر الرئيس خاتمي في اجتياز عقبة انتخابات الرئاسة في شهر مايو المقبل. وهو ما يستدعي بدوره تساؤلاً آخر حول ما إذا كان بروز التيار الإصلاحي في إيران هو نتيجة لسياسات خاتمي أم أن وصول خاتمي إلى رئاسة الدولة كان نتيجة لقوة التيار الإصلاحي؟ والإجابة بالطبع هي الثانية. إذ برغم التميز الواضح الذي تتمتع به شخصية الرئيس خاتمي إلا أنه ليس من النوع الذي بإمكانه بمفرده لعب دور منفرد في تغيير مجتمعه أو المجتمعات العالمية (مثل الخميني مثلاً), فخاتمي هو أحد أبناء المؤسسة الدينية الحاكمة في إيران منذ ,1979 وإذا كانت قناعته ورؤيته للنظام السياسي الإسلامي قد أبعدته عن منصبه كوزير للثقافة وأبعدته عن الحياة السياسية لعقد من الزمان ليصبح بعد ذلك أحد أعضاء التيار الإصلاحي ثم رمزاً له, فإن ما قام به خاتمي لا يعدو كونه تجديداً في مفهوم الجمهورية الإسلامية لا نكوصاً عليه, مؤسساً بذلك مرحلة جديدة في التاريخ السياسي الحديث لإيران تعرف اليوم في الأدبيات السياسية (بالجمهورية الثالثة), وهو نتاج طبيعي لانتقال إيران من الثورة إلى الدولة وبذلك فهو لا يوحي بأن خروج خاتمي من السلطة, إن تم, سيكون نهاية التيار الإصلاحي. غير أن فشل الإصلاحيين سواء كان خاتمي هو زعيمهم ورمزهم أم تغير ذلك الرمز, سوف يؤدي ــ إن لم يكن قد أدى فعلاً ــ إلى لجوء الشباب المتحمسين للتغيير إلى بلورة صيغة أخرى تختلف جذرياً على الصيغة التي اعتمدتها القوى المجتمعية خلال سنوات عقدي الدستور ومؤسساته والتصرف بشكل غير شرعي يمهد لحالة من الفوضى الشاملة تصل في أسوأ التوقعات إلى حرب أهلية تطحن الأخضر واليابس في إيران. (مجاهدي خلق) والشباب والملاحظ في هذا الصدد أن المحافظين من خلال سياستهم الضاغطة على التيار الإصلاحي والتي تسعى إلى إفشال مشروعهم وإظهار عجزهم أمام الشعب الإيراني, يساهمون عامدين أو غافلين ـ في دعم هذا الخيار بالنسبة للشباب وهو خيار التحول عن الشرعية. ولعل مما يدعم هذا الطرح, سلسلة العمليات التي قامت بها مؤخراً منظمة مجاهدي خلق رداً على رسالة المرشد الأعلى التي وجهها إلى نواب مجلس الشورى يطالبهم خلالها بالكف عن مناقشة أية تعديلات على قانونية الصحافة المتشددة, وما تبع ذلك من مبادرة القضاء إلى إغلاق عدد من الصحف والمطبوعات الإصلاحية, وهي الإجراءات التي تزامنت مع اندلاع أحداث عنف شديدة في مدينة خرم أباد بمحافظة لورستان بسبب منع اثنين من المفكرين الإصلاحيين من إلقاء محاضرة تجمع طلابي مرخص. عقب هذه الأحداث كثفت (مجاهدي خلق) من عملياتها, فضلاً عن أنها بالفعل كانت قد زادتها بشكل ملحوظ منذ بداية العام الجاري. وفي الوقت الذي يؤكد فيه المسئولون الإيرانيون أن أنشطة مجاهدي خلق لا تتعدى كونها مجرد (لعب أطفال) لا تؤثر في الأمن القومي الإيراني على الإطلاق, مشيرين إلى أن المنظمة غير قادرة على إقامة قواعد لها في إيران, أو إنشاء بيوت أو ثكنات, فضلاً عن أنها مكروهة من الشعب, لدرجة أن أعضاءها لا يستطيعون النوم في الفنادق, وإنما تحت الجسور, في هذا الوقت, يؤكد الخبراء العسكريون, وبعد تطور العمليات التي تقوم بها المنظمة, أنها نجحت في إقامة ونشر خلايا لها في مختلف المدن الإيرانية الكبيرة وأن نساءها المقاتلات هن اللواتي يقمن بالعمليات مشيرين إلى أن المنظمة استطاعت بعد سنوات من العزلة أن تجدد حيوية أعضائها داخل إيران بإدخال دماء جديدة, وإقامة قواعد وطرق إمدادات. ويتفق هذا مع آراء خبراء عسكريين بأن هناك ارتباطاً مباشراً بين الوضع في إيران وانبعاث عمليات مجاهدي خلق في الداخل وعلى الحدود. اليأس من الرئيس وما يتعرض له الإصلاحيون على يد المحافظين جعل الرأي العام وخصوصاً الشباب, يشعر بيأس من الرئيس خاتمي, لأنهم وضعوا آمالهم عليه في إجراء تغيرات لمصلحتهم, مما يؤكد أن الطريق أصبح ممهداً أمام مجاهدي خلق لملء هذا الفراغ واستيعاب الشباب العاطل اليائس, لا لأن المنظمة تتمتع بحب الإيرانيين أو احترامهم وإنما لعجز زعيمهم الإصلاحي عن مواجهة المحافظين القابضين على المقاليد الفعلية للسلطة في إيران, واكتفائه بمطالبة أنصاره بالمضي في هدوء في برنامج الإصلاح التدريجي الذي يلائم الطبيعة الثورية للشعب الإيراني, والذي لم يسفر حتى الآن ـ بنظرهم ــ عن إصلاحات حقيقية. وفي المقابل ليس وضع المحافظين بأفضل كثيراً من وضع خصومهم الإصلاحيين, فضلاً عن أنهم فقدوا تأييد الرأي العام بنسبة كبيرة أظهرتها كل المواجهات التي تمت بينهم وبين الإصلاحيين التي تحتاج إلى الاحتكام إلى الشعب, فإن هناك عدداً من المتغيرات الجديدة تضع التيار المتشدد برمته أمام اختبار صعب: فمن جا نب بدا واضحاً أن ضغوط الرأي العام الإيراني بدأت تسفر عن انفراج في قبضة السلطة القضائية على الأوضاع المتعلقة بحرية الصحافة, يتبناه فريق من النافذين في هذا القطاع الذي يسيطر عليه المحافظون. ففي أغسطس الماضي أعلن هادي مروي نائب رئيس السلطة القضائية أن بعض الصحف الإصلاحية التي عطل القضاء صدورها مؤقتاً ستعاود الصدور قريباً, وهو الإعلان الذي رد عليه أقطاب التيار الإصلاحي بأنه يعتبر (نقطة البداية لمعالجة الكارثة التي أصابت الصحافة والمطبوعات), بل ذهب بعض الإصلاحيين إلى أبعد من ذلك عندما صرحوا بأن (موقف هادي مروي هو الغالب لدى القضاء), في إشارة إلى الضغوط التي يمارسها المحافظون على القضاء, ولا يخفى أن الدور الذي تلعبه الصحف الإصلاحية يمثل نوعاً من الحصار الشعبي حول تحركات المحافظين, فضلاً عن أن خسارة هؤلاء لنفوذهم وسيطرتهم على السلطة القضائية يعتبر بحق ضربة قاصمة لهم. ومن جهة أخرى أعاد مرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي دعوة الحوزات العلمية, خلال لقائه بعلماء الدين في مدينة قم الشهر الماضي, إلى الابتعاد عن الخوض في القضايا السياسية التي لا طائل منها, محذراً من (التصلب الفكري والتحجر), كما دعا كافة المؤسسات الرسمية إلى الاحتفاظ بمسافات متساوية من القوى السياسية المختلفة في صراعها, وهي الدعوة التي لقيت صداها لدى بعض القوى الفاعلة مثل (الحرس الثوري), الذي صار يؤكد حياده بين القوى المتنافسة. قضية منتظري وتأتي بعد ذلك قضية رجل الدين البارز الذي كان في مبدأ الثورة الإسلامية خليفة للأمام الخميني الراحل, وهو آية الله العظمى حسين علي منتظري, الذي لا يترك فرصة إلا وأبدى انتقادات شديدة لنظرية ولاية الفقيه والسلطات المطلقة التي يخولها الدستور للمرشد الأعلى, وكان موقف منتظري هذا قد عرضه في أواخر أيام الخميني إلى الإقالة من منصبه كخليفة للمرشد, ثم جاء عهد خامنئي لتتم محاكمة منتظري وتحدد إقامته بشكل جبري بحيث لا يتردد عليه إلا أخص أقاربه. بيد أنه مؤخراً بدأت قضية منتظري في العودة بقوة إلى الواجهة, مع تقدم النائب الإصلاحي مصطفى طاهري نجف أبادي بسؤال لمجلس الشورى قال فيه: هل من العدل والإنصاف أن يحد نشاط منتظري الذي ناضل إلى جانب الأمام الخميني لقيام الجمهورية, وأن تحرم الحوزات العلمية من دروسه علماً بأنه من علماء الشيعة القلائل الذين يحملون مرتبة (آية الله العظمى), وقال نجف أبادي (لو أصغينا إلى منتظري لما وقعت المآسي التي شهدناها مثل اغتيال المثقفين والمفكرين). ولقيت دعوة أبادي صدى شعبياً واسعاً, فمن جهة, وقع 52 من علماء (حوزة قم) عريضة طالبوا فيها منتظري بأن يقدم دروسه ولو عبر شاشة التليفزيون داخل الحوزات على أن تنقل من مقر إقامته الجبرية, بيد أن رد منتظري جاء قاسياً انطلاقاً من موقعه كعّلامة وليس كسياسي, رافضاً هذا الحل ومندداً بدخول رجال الاستخبارات الحوزة, وبذلك نقل مواجهته مع مرشد الثورة خامنئ إلى داخل الحوزات بدلاً من أن تكون قضية سياسية يمكن الالتفاف عليها عبر قرار عزل الإمام الخميني له. وقبل ذلك وجه 586 من مراجع وعلماء وفضلاء الحوزة العلمية في مدينة قم رسالة موقعة بأسمائهم إلى المجلس الأمني القومي في إيران يطالبون فيها بإلغاء قرار المجلس بفرض الحصار منذ عام 1989على الشيخ حسين منتظري وإفساح المجال أمامه لمعاودة نشاطه العلمي. وهذا التحرك اعتبره البعض (حركة إصلاحية داخل الحوزة العلمية), فضلاً عن أنه يعبر عن وجود تيارين داخلها, وأن أصوات بعض المعارضين لبعض سياساتها من داخلها, بدأت تخرج إلى العلن. وترجع خطورة هذه التطورات في قضية منتظري إلى أنه أحد كبار العلماء والأئمة الشيعة على الإطلاق فهو وإن لم يكن يفوق خامنئي في الدرجة العلمية, فإنه ند قوي له, وتتيح له مكانته العلمية توجيه النقد لخامنئي, وذلك بالطبع ليس بالأمر اليسير في إيران, فإذا أضفنا أن الرجل منتظري ـ يردد نفس المقولات التي يتبناها الإصلاحيون, بل ويزيد على ذلك أنه يرفض نظرية ولاية الفقيه صراحة, ويرفض الدستور الإيراني بشكله الحالي, يمكن استنتاج مدى خطورة منتظري على التيار المحافظ باعتباره يمكن أن يشكل زعامة دينية مناوئة للمرشد خامنئ ومن داخل الحوزة العلمية التي هي الملاذ الأخير للمتشددين. وأخيراً يبقى القول أن الأوضاع في إيران بتطوراتها اليومية, بل واللحظية, وإيقاعها السريع, تجعل عسيراً على المراقب أن يستشرف مستقبل الخريطة السياسية في إيران والتي تعد أحد المفاتيح الرئيسية لاستشراف خريطة المنطقة بأكملها. مما يؤكد أن الأمر جدير بالدراسة والتحليل وبذل مزيد من الجهود. اعداد المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية ـ بالكويت: