بيان الاربعاء : لن يتخيل المرء مدى حجم الكارثة او المعاناة لدى الفلسطيني الا بعد ان يعلم ان كافة الامور المتعلقة بسفر الفلسطيني وشئونه المدنية لا تزال رهينة بالقرار الاسرائيلي والمزاجية الاحتلالية والتعنت او الاذلال المتعمد. وحينما داهم فصل الصيف الفلسطينيين كان الاسرائيليون قد اعدوا خطتهم لاذلال الفلسطينيين وتعطيل معاملاتهم باعلان اضراب مفتوح استمر منذ منتصف شهر مايو 2000 حتى مطلع يوليو الماضي وبعدها تحول الاضراب من كامل وشامل الى اضراب جزئي تخللته اعطال الكمبيوتر المتلاحقة واذا تعطل الكمبيوتر الاسرائيلي تصاب الحياة الفلسطينية بالشلل. اضرار كبيرة يعترف جميل الطريف وزير الشئون المدنية الفلسطيني بان الاضرار كانت كبيرة في موسم الصيف ويقول انها تعدت الامور المدنية الى المواصلات والتجارة والاستيراد والاقتصاد, لذلك كان الضرر بالغا ويقول ان المشكلة القائمة هي ان هناك اضرابات لدى الموظفين المدنيين في اسرائيل, لاننا لا نعترف بشيء اسمه الادارة المدنية الاسرائيلية وما حدث هو ان الموظفين المدنيين في الجانب الاسرائيلي اعلنوا الاضراب سعيا الى تحسين اوضاعهم فندفع نحن الثمن. الذين دفعوا الثمن ويعرفهم الوزير الطريف هم قرابة 80 الف فلسطيني حرموا من زيارة ذويهم في الضفة الغربية وبقوا في الخارج بجوار حقائب سفرهم بانتظار لحظة الدخول الى الوطن, الوطن الحقيقة ام الخيال لا احد يدري. والذين دفعوا الثمن هم الناس الذين تعطلت مصالحهم التجارية والاقتصادية في الضفة الغربية من جراء ضرب الموسم السياحي الذي يسهم في انعاش الحياة الاقتصادية والتجارية كل صيف والذين دفعوا الثمن هم الاف العائلات المشتتة ما بين الداخل والخارج ولم يجتمع شملها بعد هذا بالاضافة الى الاف الفلسطينيين الذين حرموا من السفر ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة خلال الصيف, يقول الوزير الطريفي: لقد اعتدنا من الاسرائيليين على عملية المماطلة, وليس فقط بسبب الاضراب, فقد اصبح هناك تكديس في المعاملات, فالامر قائم, انظر الى موضوع لم الشمل فقد كان يفترض ان نكون قد حصلنا على جميع الموافقات العام 2000 ولكننا حقيقة حتى الآن لم تصلنا اكثر من 200 موافقة في الضفة الغربية من اصل 3 الاف موافقة, وما اريد قوله هنا اننا معتادون على هذا النمط من المماطلة وهذه ميزة الاسرائيليين, فهم ليسوا مستعجلين لان الامر لا يهمهم وروتينهم القاتل يؤثر علينا. من المسئول؟ في مكاتب وزارة الشئون المدنية في غزة تتضح ابعاد الازمة وترتسم معالمها على وجوه الناس البسطاء الذين يتقاطرون منذ الصباح الباكر يوميا للاستفسار عن معاملاتهم وتصاريحهم او بطاقاتهم (الممغنطة) والاجوبة التي يحصلون عليها من موظفي الادارة غالبا سلبية مليئة بالضيق والكلمات غير اللائقة ويحار المرء حقيقة في وصف ذلك الجو الحانق الخانق لماذا ومن المسئول عن الازمة؟ تصرخ المواطنة الفلسطينية عائشة الصواف في وجه مسئول كان يمر صدفة, اين تصريح زيارة اولادي, انهم ينتظرون في قطر منذ شهر كامل, يرد المسئول: الجواب في (ايرز) اي عند الاسرائيليين ثم يمضي ويعلو صراخ من مراجعين آخرين يقذفون المسئولين من وراء الابواب باسئلة مماثلة, لا اجابات شافية, كل مواطن ينفس عن غضبه ثم يعود ادراج الرياح بلا حلول لمشكلته. كاتب هذه السطور كان يتردد بين الحين والآخر على مكاتب (الشئون المدنية) والارتباط المدني في غزة لمتابعة معاملة عائلية ويرصد ملامح من هذه الصور الكاريكاتورية في العلاقة ما بين المسئولين والمراجعين, وكلها صور تعبر عن المأساة التي لحقت بالفلسطينيين من جراء تراخي الادارة المدنية وتعنت الادارة الاسرائيلية, وفي مكتب خليل فرج الملقب بـ (ابو ابراهيم) وهو مدير مكتب الارتباط المدني في غزة يحتشد المراجعون باوراقهم وملفاتهم بحثا عن تصاريح الزيارة او لمعرفة المرحلة التي وصل اليها طلب لم الشمل وغالبا لا تأتي الاجابة شافية لان (ابو ابراهيم) ليس الرجل السوبر الذي يمتلك الحلول السحرية, والرجل الآخر المسئول عنه هو سفيان ابو زايدة وكيل وزارة الشئون المدنية يغلق ابوابه عادة وليس سهلا على اي مراجع الوصول اليه, فهو يعلم ابعاد الازمة جيدا ويحاول الابتعاد عنها باعتبار ان القرارات يجب ان تأتي من فوق. حتى كاتب هذه السطور حاول ان يسأل سكرتير سفيان ابو زايدة مجرد سؤال ولم يحظ بذلك, وكان جواب السكرتير مباغتا: اذهب الى خليل فرج في الطابق الثالث!! وما بين الطوابق الثالث والرابع والخامس تتضح معالم الازمة, ايضا مراجعون كثر وابواب مغلقة وموظفون لا يبتسمون الا على سماعات هواتفهم ويعاملون الناس بقسوة دون تقدير لظروف احد! والملاحظ ان الامور تحل بالواسطة فكل من له صديق او قريب تحل مشكلته على الفور, هذا الواقع الموجود يبادر الوزير جميل الطريف الى نفيه بالقول: مبدأ الواسطة غير موجود هنا, للاسف بعض المواطنين لا يرون من كل العالم الا مشاكلهم, الآن هناك بعض الحالات تكون انسانية وصعبة ولذلك نعالجها بصورة مستعجلة ونعطيها الأولوية باستمرار, تقدير هذه الحالات يعود لنا وهي فعلا تكون انسانية كلام الوزير جميل جميل فعلا, غير ان الواقع مغاير تماما لذلك, فهنالك عائلات فلسطينية تنتظر الموافقة على طلبات لم الشمل منذ العام 1994 في حين ان بعض العائلات حصلت على الموافقة بعد شهرين او ثلاثة فقط, والوزير الطريفي والوكيل ابو زايدة يعلمان ان الحالات الانسانية تنتظر الحلول منذ خمس سنوات على الاقل, ويعلمان جيدا ان موافقات جمع الشمل لا تتم حسب الدور الزمني ولا حسب التسلسل وانما حسب تقدير الشئون المدنية الذي لا يعلمه الا الله! هذا الكلام لا يعفي الاسرائيليين المسئولين عن الشئون المدنية من اللعبة القذرة فهم يرفضون ويوافقون حسب اهوائهم لبث الخلافات بين الفلسطينيين مسئولين ومواطنين ففي خلال شهر يونيو الماضي وافق الاسرائيليون على 1250 تصريح زيارة فقط من اجمالي 20 الف طلب تصريح وحرموا الاغلبية من الزيارة عن سابق قصد لابلاغ رسالتهم للفلسطينيين بانهم هم اصحاب القرار السيادي على الارض الفلسطينية ويحددون من يدخل ومن لا يدخل. يقول خليل فرج مدير مكتب الارتباط المدني الذي يعمل ليلا ونهارا في المكتب (الاسرائيليون يقفون وراء هذه الازمة ويفتعلون المشاكل يوميا فقد يوافقون على تصاريح زيارة للام والاب ويرفضون تصاريح الاولاد وقد يوافقون على زيارة كل الاسرة ما عدا البنت وهنا تقرر الاسرة تغيير كل برنامج الزيارة لانه يستحيل ان تترك البنت بمفردها في الخارج طوال الصيف.وبينما كان فرج يتحدث عن هذه المشكلات والاحراجات حضر الى مكتبه رجل طاعن في السن اراد تزويج ابنته لابن اخيه قبل ان يفاجئه الموت ورفض الاسرائيليون تصريح الزيارة للعريس, وقال بأعلى صوته المرهق (حرام عليكم ان تفعلوا بنا هكذا, يكفيكم ظلما لنا, حرام عليكم) لم يجد السيد فرج جوابا, واكتفى بالقول انتظر ياحاج الى الاسبوع المقبل. في المكتب المجاور علا الصراخ بين احد الفلسطينيين مع موظف الارتباط المدني فجأة, فالرجل جاء للحصول على تصريح زيارة عاجل للسفر الى عمان لاحضار جثة ابنة شقيقته المتوفية هناك ودفنها في غزة, قالوا له بهدوء اعصاب باللهجة الدارجة (راجعنا بكرة) اي تعال للمراجعة غدا, وهنا جن جنون الرجل وفقد اعصابه! هناك يوميا مئات الامثلة المأساوية المعبرة عن مشكلات ترهق كاهل الفلسطينيين وليس بالضرورة ان يسمع عنها كبار المسئولين الفلسطينيين الذين يجتازون المعابر الحدودية وبوابات الاحتلال برفقة اولادهم وزوجاتهم وحراسهم في سياراتهم الفارهة لانهم يحملون بطاقات الـ (VIP) اي شخصيات مهمة جدا, ويقال ان المسئول الذي تغضب منه اسرائيل تحرمه من هذه البطاقة حتى يرضيها ليرتفع الغضب عنه وهذا معناه ان على المسئولين عدم اغضاب اسرائيل لكي يظلوا منعمين بهذه البطاقات والا تسحب منهم, وحملة هذه البطاقات لا تتعدى نسبتهم 2% فقط من الشعب الفلسطيني اما الـ 98% فانه مكتوب عليها ان تنتظر اياما واسابيع وربما شهورا لكي يأذن لها بالسفر من الضفة الى القطاع وبالعكس واذا حلت عليها لعنة (الرفض الامني) الاسرائيلية فانها لن تتحرك من اماكنها. الممر نفق مظلم في الطابق الرابع بمبنى وزارة الشئون المدنية في غزة توجد دائرة اسمها دائرة الممر الآمن, وهي مسئولة عن اصدار البطاقات الممغنطة وتصاريح المرور للفلسطينيين عبر الممر الآمن وغالبية مراجعي هذه الادارة هم من جيل الشباب الذين يسعون للسفر من غزة الى الضفة بهدف التجارة او العمل, ويدخل المراجعون فرادى وجماعات الى الدائرة حاملين وصولات المعاملات التي قدموها للدائرة وفي قلوبهم غصة وذلة السؤال, يضرب الموظف على لوحة مفاتيح الكمبيوتر ثم يسأل المراجع ما هو اسمك الثلاثي, ليجيب بعدها بثوان معدودات انت مرفوض امنيا, لا تراجع انتهى الموضوع, سألت احد المراجعين صدفة عن اسباب الرفض الامني, اجاب: انني اتقدم بالطلب للحصول على تصريح للسفر من غزة الى الضفة كل فترة ودائما الاجابة مرفوض, مرفوض, وهذا الرفض الاسرائيلي ناتج عن فرضية مشاركتنا في الانتفاضة , انهم يعاقبوننا في بلادنا حتى الآن. احيانا يلتقي الموظف والمراجع وجها لوجه ويتعانقون بحرارة, فهما زميلان في حركة الانتفاضة ورفيقان في السجن, اما الآن الموظف (ينسق) مع الاسرائيليين لاصدار التصاريح الامنية والمراجع مرفوض من التجوال في وطنه. انها معادلة تستعصي على الفهم غير ان الجزء الظاهر منها ان الازمة الراهنة اسبابها اسرائيلية وادارتها فلسطينية والضحية هو المواطن الفلسطيني وطيلة موسم الصيف الصعب لم تبادر السلطة الفلسطينية بالرد على الاضراب الاسرائيلي المتعمد باغلاق معابر التجارة والسياحة الاسرائيلية الى الاراضي الفلسطينية كنوع من التعبير عن رفض الاجراءات الاسرائيلية الرامية لضرب الموسم السياحي الفلسطيني وتضييق الخناق على الزوار والمقيمين, ويبدو ان هناك في السلطة فئة يمكن وصفها بـ (دعاة التطبيع مع اسرائيل) وهم الذين يمسكون بزمام الامور في مسألة التنسيق الاداري عبر جهاز الارتباط المدني وحركة المعابر, ويدو انه من الصعب على هذه الفئة المعروفة بثرائها ونفوذها وقوة حضورها على الساحة اتخاذ اي قرار مناقض للتطبيع مع اسرائيل حتى لو عاقبت الاخيرة كل ابناء شعب فلسطين. أزمة لم الشمل يتوق مئات الآلاف من الفلسطينيين للعودة الى وطنهم الا ان هناك العديد من العائلات المشتتة ما بين الداخل والخارج, زوج يريد لم شمل زوجته وبالعكس واولاد في الخارج وذويهم يحاولون لم شملهم الى الداخل في محاولة للتغلب على اثار مشكلة خلقها الاحتلال الاسرائيلي وممارسات التشريد والنزوح والتهجير, غير ان الازمة تتصاعد مع ازدياد عدد المتقدمين بطلبات جمع الشمل وقلة الموافقات الاسرائيلية والتدخلات الفلسطينية القائمة على قاعدة الواسطة والاولويات والاهمية النسبية والشللية ايضا. يقول جميل الطريفي ان اسرائيل خالفت اتفاق المرحلة الانتقالية وترفض الزيادة, الآن زادوا العدد الى 4 الاف موافقة للضفة وغزة وقلنا لهم هذا العدد غير كاف, لدينا 50 ـ 60 الف حالة لم شمل في الضفة وغزة غير ان منطق الاسرائيليين يعني ان على المواطن ان ينتظر عدة سنوات للحصول على لم شمل لزوجته او امه او بالعكس. وتابع الطريفي الاسرائيليين قالوا ان قدرتهم على الاستيعاب والفحص لا تكفي لهذه الاعداد وانهم مستعدون لمنح 5 الاف حالة لم شمل من الزوار المتأخرين الذين هم اصلا كانوا قد تقدموا بطلبات لم شمل, فلماذا هناك زوار متأخرون؟ لان هناك زوجة تأتي وتبقى مع زوجها ويتقدم لها زوجها بطلب لم شمل وكذلك الامر بالنسبة للابن الذي يبقى مع امه او ابيه, واستنادا الى الاتفاق فانه طالما ان الشخص تقدم بطلب لم شمل والامور تسير بالشكل الصحيح فليس هناك تأخير. ومضى الطريفي يقول: ومع ذلك فالارقام التي يتحدث عنها الاسرائيليون عما يسمونهم المتأخرين غير صحيحة ومبالغ فيها. ويقول خليل فرج ان هناك قرابة 40 الف فلسطيني تخلفوا في بلادهم عن المغادرة بعد انتهاء تصاريح الزيارة التي توافق عليها اسرائيل. ويرى ان حل مشكلة هؤلاء لا يتم الا بالموافقة على طلبات لم الشمل الخاصة بالمتأخرين. والسلطة الفلسطينية لا يمكن ان تطرد هؤلاء حسبما تريد اسرائيل, ويعلق الطريفي يجب الا يتصور اي فلسطيني باننا سنطلب من فلسطيني ان يغادر بلاده وبالتالي هم سيبقون حتى يتوفر الحل لهذه القضية. ويرى الطريفي ان المشكلة ستحل نهائيا في اطار الحل النهائي للصراع, وعندها لن يكون لاسرائيل علاقة بمن دخل ومن خرج بعد اعلان الدولة. ولا يستبعد الطريفي ان تحل وزارته وزارة الشئون المدنية, بعد قيام الدولة الفلسطينية, ان شاء الله يكون هناك حل نهائي ومرض لنا وتحل هذه الوزارة ويتم نقل موظفيها الى الوزارات الفلسطينية الاخرى.