الملف السياسي : لاشك أن التجربة الوحدوية الاماراتية تعد من النماذج التي يجب أن تحتذى, والتي تعطي الأمل دوما في المستقبل وفي أن حلم الوحدة العربية مازال باقيا في الضمائر والعقول, وهذه التجربة لم تكن لتحقق كل هذا النجاح لولا القيادة الحكيمة والحنكة السياسية لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة الذي استطاع أن يبحر بسفينة الوحدة الى بر الأمان, رغم العواصف والأنواء التي كانت تحيط بها عند بداياتها. (الملف) التقى بعضا من الخبراء السياسيين والاستراتيجيين للحديث عن التجربة الوحدوية والدور الهام لصاحب السمو الشيخ زايد لانجاحها وترسيخ دعائمها. إحدى التجارب الهامة يقول الدكتور محمد سعد أبوعامود أستاذ العلوم السياسية: أن التجربة الوحدوية الاماراتية تمثل إحدى التجارب الهامة في تحقيق أحد الأهداف العربية العزيزة وهو الوحدة, وهي تكتسب أهميتها من عدة نواح: أولا: تمت في اطار القيم الثقافية العربية دون تأثر بالقيم والأفكار الغربية ومن ثم تتسم بكونها تجربة عربية أصلية, ثانيا: أنها أتت في مرحلة حرجة كانت تواجه الأمة العربية بعد نكسة 67 ومن ثم فقد قدمت ردا ايجابيا على أن هدف التوحد العربي, هو هدف عربي شامل بغض النظر عن أي أيديولوجيات, ثالثا: أنها أثبتت صواب رؤية القيادة التاريخية الاماراتية من حيث تفضيل المصالح البعيدة على المصالح القصيرة الآتية: رابعا: أنها أوضحت أن بناء الوحدة يتطلب قدرا من التضحيات التي تتناسب مع هذا الهدف الكبير وأن القدرة على العطاء هي المدخل الملائم لتحقيق هذا الهدف, خامسا: أنها كانت تستند ومازالت الى رؤية مستقبلية صحيحة وأسس معنوية نابعة من البيئة العربية الاماراتية, سادسا: أن الأساليب التي اتبعت لبناء دولة الامارات وإن كانت قد أخذت بالمبادئ الدستورية المعروفة إلا أن هذه المبادئ قد اصطبغت بصبغة عربية اماراتية خاصة, وأخيرا أكدت التجربة أن النوايا الطيبة عندما تتوافر لها الارادة السياسية القوية والمؤمنة بها تؤدي الى تحقيق الأهداف المطلوبة. ويضيف الدكتور أبوعامود: أن هذه التجربة الوحدوية لم تنل حتى الآن القدر المطلوب من الدراسة العلمية رغم أنها تمثل واحدة من التجارب الوحدوية القليلة الناجحة في تاريخ العرب المعاصر. والقراءة الأولية للتجربة تؤكد على دور القيادة التاريخية في انجاز المهام الصعبة فالدور الذي لعبه سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والمغفور له باذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في إنجاز هذه التجربة دور هام وأسلوبهما ومعهما قادة الامارات الأخرى في التعامل مع القضايا والاشكاليات المتعلقة بانجاز هذا الهدف الكبير يؤكد أصالة تقاليد السياسة العربية وقدرتها على تحقيق الكثير من أهداف امتنا العربية.. فقط المطلوب بعث هذه القيم والتقاليد والتوصل الى الأساليب الملائمة لوضعها موضع التطبيق حتى يمكن تحقيق الهدف العربي الكبير في التوحد والأمن والاستقرار والتنمية. ويوضح الدكتور أبوعامود أن السياسة التي اتبعها سمو الشيخ زايد آل نهيان على مستوى دولة الامارات وعلى المستوى العربي تمثل نموذجا من النماذج السياسية الايجابية في الوطن العربي, حيث أنه وبنظرته الثاقبة نظر الى الثروة كأداة من أدوات تحقيق أهداف اقتصادية وسياسية واجتماعية, فرؤيته لدور الثروة النفطية في تحقيق التنمية والاستقرار كانت نظرة صحيحة ومن ثم فقد رأى أن ثمرات الثروة يمكن من خلال التنمية أن تصل الى الجميع ودون أن تؤدي الى خلق مشكلات نتيجة وجود نقطة ثرية أو جزيرة ثرية وسط بحر من الفقراء, ومن هنا كان عطاؤه اللامحدود على المستوى الاماراتي بشكل خاص والمستوى العربي بشكل عام فالرجل يؤمن ايمانا راسخا بوحدة المصير لكل أبناء الأمة العربية وبأن الخلافات والمشكلات التي تنشأ يمكن التعامل معها في اطار عربي, لأن مثل هذه المشكلات إنما هي في الأساس مشكلات عارضة وليست مثل ذلك النوع من المشكلات المستعصية على الحل طالما توافرت الارادة الخيرة والرغبة الأصيلة في الحفاظ على العلاقات التاريخية بين أبناء الأمة العربية. راعي التجربة أما الدكتور محمد السعيد إدريس نائب رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي والخبير بمركز الأهرام للدراسات, فأكد أن لسمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان دورا كبيرا في تأسيس التجربة الوحدوية الاماراتية فالرجل وصل الى حكم امارة أبوظبي عام 1966 وبعد عامين من ذلك أعلنت بريطانيا أنها سوف تجلو عن منطقة شرق السويس (الخليج العربي) بعد ثلاث سنوات أي بالتحديد عام ,1971 ومباشرة كان رد فعل سمو الشيخ زايد أن سارع بالاتصال بالشيخ راشد بن سعيد والتقى الزعيمان من أجل وضع الأسس التي تقوم عليها دولة اتحادية بين الامارات العربية, وبعدها كانت هناك اتصالات مع قادة الامارات الأخرى الشارقة, ورأس الخيمة, والفجيرة, وأم القوين, وعجمان, ثم الاتصال بكل من امارة قطر والبحرين , حيث كانت الفكرة تأسيس اتحاد تساعي يضم الامارات العربية التسع التي ستتركها بريطانيا بنهاية عام .1971 ويضيف الدكتور ادريس: لقد كان لسمو الشيخ زايد دور هام في محاولة انجاح هذا الاتحاد التساعي ولكن كانت هناك بعض المشكلات فرضت نفسها على التجربة وعطلتها بعض الوقت, فضلا عن الأسباب الاقليمية والدولية ومنها الرفض الايراني لانضمام البحرين الى الاتحاد التساعي لكن سمو الشيخ زايد ومعه الشيخ راشد بن مكتوم استطاعا أن يستكملا مباحثات الاتحاد مع الامارات الأخرى وبالفعل أعلن في ديسمبر 1971 عن قيام دولة الامارات العربية المتحدة. ويوضح الدكتور ادريس أن حكمة سمو الشيخ زايد تكمن في أنه لم يقف أمام التحديات الاقليمية والدولية التي حالت دون قيام اتحاد تساعي, كما أنه لم يهتز في يقينه بسبب عدم مشاركة رأس الخيمة في البداية في الاتحاد السباعي وأعطى لهذه الامارة الحق في الاستمرار خارج الاتحاد والانضمام له وقتما تشاء, وهو ما حدث بعد ذلك بقليل.. ثم كان سمو الشيخ زايد هو راعي هذه التجربة الوحدوية عن طريق تحمل أكبر الأعباء المعنوية والمادية لبناء وتشييد البنية التحتية للدولة الاتحادية, والمؤسسات السياسية وغير السياسية لكي تقف دولة الاتحاد على قدميها, كما تميز سموه بدرجة عالية من المرونة في ادارة العلاقات بشكل ديمقراطي بين الامارات السبع رغم أن الدستور المؤقت لدولة الامارات يعطي تميزا لامارة أبوظبي ودبي وخاصة فيما يتعلق بحق الاعتراض فهو لم يعرف عنه أنه مارس سياسة تسلطية في ادارة العلاقات بين الامارات السبع, كما استطاع بحكمته أن يعطي التجربة الوحدوية الاماراتية مزيدا من التطور عاما بعد عام حتى أصبحت نموذجا يمكن الاحتذاء به في العلاقات العربية وخطوة لتأسيس اتحاد عربي يجمع الدول العربية على نحو ما جمع دستور الاتحاد الاماراتي بين الامارات العربية السبع. ويؤكد الدكتور ادريس أنه من الصعب أن نجد الآن واحدا من أبناء الامارات لايشعر بالفخر لأنه ينتمي لهذه الدولة, ولم يعد أحد منهم الآن يتحدث عن أنه من امارة كذا, أو امارة كذا, ولكن حدث انصهار كامل في دولة واحدة تجمعهم وبكل معاني الكلمة, فما يوجد في الاتحاد الاماراتي الآن هو مواطنة وهناك جيل جديد لايعرف سوى أنه مواطن اماراتي, وأصبحت هناك رموز لهذه التجربة الوحدوية الرائعة فى مقدمتها سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. ومن جانبه يؤكد الخبير الاستراتيجي اللواء صلاح الدين سليم: دور سمو الشيخ زايد في قضية الوحدة والاتحاد على المستويين الاقليمي ودون الاقليمي دور معروف وبارز, فهو الذي دعا الى انشاء نوع من الوحدة الخليجية فور اعلان بريطانيا قرارها الانسحاب من منطقة الخليج العربي في عام 1968 خلال ثلاث سنوات, ومن ثم فقد سعى لتحقيق الوحدة الخليجية من تسع امارات وهي الامارات السبع والتي شكلت دولة الامارات وقطر والبحرين, وكان سمو الشيخ زايد مرنا للغاية بعيدا عن التطلع لمنصب الرئاسة من أجل انشاء الاتحاد السباعي ليقوم اتحاد الامارات العربية السبع في ديسمبر عام 1971 ليكون بمثابة نواة لتكوين مجتمع خليجي عربي واحد يضم البلدان ذات العوامل الجغرافية والروابط القومية والتاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المشتركة. ويضيف اللواء صلاح الدين سليم: في الوقت ذاته لم يتخل زايد عن فكرة الاتحاد على مستوى الدول الخليجية العربية وبذل جهده اعتبارا من 16 مايو 1975 بالاتفاق مع الكويت على تشكيل لجنة وزارية مشتركة في اطار التمهيد للدعوة لتكامل دول الخليج وفقا لسياسة متدرجة المراحل, ودعا الى عدم التعجل في اقامة الوحدة بغير أسس سليمة ومتينة لمصلحة شعوب المنطقة واستقرارها, وفي مؤتمر القمة العربية الحادي عشر في عمان بالأردن عام 1980 دعت الامارات وأيدتها الكويت لاستراتيجية خليجية مشتركة للتعاون في جميع المجالات وأكد سمو الشيخ زايد نفس الدعوة في المؤتمر الاسلامي الذي عقد بالطائف في يناير 1980 محبذا فكرة انشاء مجلس تعاون لدول الخليج يتم من خلاله التركيز أولا على قضايا الأمن والتعاون الاقتصادي ومن هنا كانت دعوته لأول اجتماع لدول الخليج العربية الست في أبوظبي عام 1981 حيث وافقت على انشاء المجلس واقرار نظامه الأساسي والاعلان الواضح عن أن المنطقة واستقرارها مسئولية شعوب دولها بالدرجة الأولى وأن ضمان الاستقرار بالخليج يرتبط بتحقيق السلام بالشرق الأوسط والحل العادل للقضية الفلسطينية, وفي مايو المقبل سوف يكمل مجلس التعاون الخليجي 20 عاما من عمره وقد استطاع أن يتقدم بخطى ثابتة على طريقي التكامل الأمني والاقتصادي وأن كان الشيخ زايد لا يزال يتطلع الى ابرام معاهدة دفاع مشترك واضحة النصوص ملزمة لكل الأعضاء لحل قضايا الأمن والدفاع بصورة جذرية, كما تسعى الامارات كذلك في اطار التكامل الاقتصادي بين دول المجلس الى اقامة سوق خليجية موحدة الى جانب التخطيط الكامل لاستراتيجيات التصنيع في دول المجلس وتوحيد السياسة النقدية وانشاء سوق خليجية لرؤوس الأموال وتتبنى الامارات خطا استراتيجيا للاتفاق على السياسة النفطية الموحدة في اطار دول المجلس مثلما تسعى الى تعزيز الاتجاه الى توحيد قوانين التجارة الخارجية والعمالة وانتقال رؤوس الأموال بين دول مجلس التعاون. تجربة رائدة ويقول اللواء صلاح الدين سليم: أن سمو الشيخ زايد استطاع أن يقود ببراعة توحيد القوات المسلحة في دولة الامارات في الفترة بين عامي 1970 و1998 وهي تجربة رائدة بالنسبة للدول الاتحادية ليس فقط على مستوى المنطقة العربية بل بالمقاييس الدولية. فقد اتبع سياسة اختيار الأصلح للوظائف القيادية في القوات المسلحة بغض النظر عن انتمائه لامارة معينة وقد واكب ذلك تطور تكنولوجيا التسليح بصورة واضحة وبخاصة في مجالات القوة الجوية والمدرعات والمدفعية ذاتية الحركة. كما استطاع سمو الشيخ زايد تعميق التجربة الوحدوية من خلال توحيد انفاق الدولة الاتحادية من أجل النهوض بالبنية الأساسية في بعض امارات الدولة مثل الفجيرة وعجمان وأم القيوين مما يضفي شعورا بالعدالة الاجتماعية والمساواة الحقيقية بين المواطنين في امارات الدولة.