جاء القرار المصري باستدعاء السفير المصري في تل أبيب كأحد أهم القرارات المصرية في مواجهة اسرائيل منذ احتلال الأخيرة للبنان عام 1982 ويرى البعض أن القرار جاء متأخرا في حين يعترض البعض الآخر ، على ذلك مؤكدا أن السياسة المصرية تقوم على الدراسة والتأني وعدم الاندفاع واتباع سياسة النفس الطويل مع عدو يحظى بتأييد وانحياز أعمى من جانب القوى الكبرى في العالم وهي الولايات المتحدة وتوابعها في المنطقة الأوروبية, وبين هؤلاء وهؤلاء من المراقبين والسياسيين اتفاق على أن قرار الادارة المصرية جاء استجابة لمطالب شعبية استمرت طويلا تنادي باستدعاء السفير المصري من تل أبيب وما زالت تطالب بطرد السفير الاسرائيلي من القاهرة.. فما هو رأي الخبراء في طبيعة هذا القرار وما هي التوقعات المستقبلية المترتبة عليه. الدكتور نبيل عبدالفتاح الباحث السياسي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية يقول أعتقد أن القرار المصري تجاه العمليات الاسرائيلية الأخيرة والتي تشكل انتهاكا صارخا لأحكام القانون الدولي الانساني بشقيه القانون الدولي لحقوق الانسان وقانون جنيف خاصة الاتفاقية الرابعة وملحقاتها, وهو واحد من أهم القرارات ذات الدلالة تجاه هذا النمط من السياسات الاسرائيلية التي يهدف لتعديل المرجعية التي تستند عليها عملية السلام التي قامت بين السلطة الفلسطينية واسرائيل في مدريد ثم أوسلو.. ويضيف عبدالفتاح أن اسرائيل تهدف من هذه السياسات تحقيق مجموعة من التنازلات السياسية من السلطة تجاه القضايا المؤجلة مثل قضية القدس واللاجئين والمياه والتعويضات رغم أن هذه قضايا تستند الى قرارات الشرعية الدولية المؤكدة على مبدأ عدم جواز ضم أراضي الغير بالقوة المسلحة والعدوان على نحو ما فعلت اسرائيل في يونيو 1967. ويشير عبدالفتاح الى أن اسرائيل كانت تستهدف إحداث تغيير في وضعية القدس واخراجها من مرجعية القرارات الدولية ومحاولة ادخال تعديلات على مطالب الفلسطينيين باستعادة كامل أراضيهم وذلك بالسيطرة على بعض المناطق تحت دعاوى شتى لا تستند الى أي أساس من الشرعية الدولية. ويصف عبدالفتاح الخطوة المصرية بأنها تشكل ردا مصريا قويا على الخطاب السياسي الذي تروج له بعض القنوات الفضائية ذات الطابع الغوغائي وبعض العناصر غير المسئولة من مروجي التطبيع من العرب والمصريين فضلا عن أن هذه الخطوة تشكل نقلة وتوسيعا لسقف مقررات القمة العربية الأخيرة. ويرى عبدالفتاح أنه اذا ما استمرت اسرائيل في سياساتها العدوانية الحالية فإن الجانب المصري ربما يقوم بتجميد عمليات التطبيع ويقول لا أعتقد أن مصر سوف تقطع علاقاتها باسرائيل فما فعلته من استدعاء السفير وما يمكن أن تفعله بتجميد عمليات التطبيع يشكل ردا قويا على الصلف وغرور القوة الاسرائيلية ويشكل رسالة الى القيادة الاسرائيلية بأن مصر بوزنها الاقليمي لن تسمح بتمرير أي صفقات حول القدس والحقوق العربية في الأراضي المحتلة, كما أنها لن تسمح باستمرار تلك الانتهاكات البشعة الجارية في الأراضي المحتلة. وعما تردده اسرائيل من تأثير استدعاء مصر لسفيرها على دور القاهرة في عملية السلام يقول عبدالفتاح أن هذا وهم اسرائيلي لأن مصر تقوم بدورها باعتبارها قوة اقليمية كبرى ولها دور استراتيجي هام وهي تشكل قوة عاقلة في وسط اقليمي مضطرب ومن ثم فإن مصر لا تأخذ دورها الاقليمي والتاريخي من مجرد قرار اسرائيلي أو أمريكي وإنما تستمد دورها وموقعها في أحداث المنطقة من معطيات جيوبولوتيكية وديموغرافية وثقافية واجتماعية وأيضا خبرتها التاريخية بالسياسة الاسرائيلية ويضيف مصر لا تنتظر إذنا من أحد بدورها مؤكدا أن الولايات المتحدة ستحاول ممارسة ضغوط على صانع القرار المصري في الفترة القادمة وأن الأخير لن يستجيب لها. ورغم أن الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم لا يتوقع خطوات مصرية أخرى في هذا الاتجاه إلا أنه لا يخفي أمنياته في خطوات أكثر تصعيدا ضد العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني. ويقول مسلم لا أتوقع أن تغير السلطات الاسرائيلية من أسلوبها وأن هذا سيكون صعبا بالنسبة لمصر التي أرادت تقديم رسالة لاسرائيل حتى تغير من أسلوبها ووقتها لن يحدث ما توقعته مصر. إلا أن مسلم يؤكد أيضا أن دور مصر في عملية السلام لن يتأثر لأن هذا الدور غير قابل للتعويض وهذه طبيعة دور مصر ولن يستطيع أحد اذا تم استئناف عملية السلام تجاهل هذا الدور. ويرى مسلم أنه من الطبيعي أن تشهد الفترة القادمة محاولات أمريكية لاغراء مصر على العودة للتعامل مع الجانب الاسرائيلي وأن هذه المحاولات ستأخذ مسميات جهود استئناف عملية السلام, ويقول اذا كان هناك حرص على استمرار العلاقات بين مصر واسرائيل فسيكون المطلوب هو تغيير السياسات الاسرائيلية التي أوصلت العلاقات بين البلدين الى مرحلة حرجة. ويرى مسلم أن الخطوة المصرية جاءت استجابة لشعور شعبي وفي نفس الوقت محاولة للقول بأن مصر استجابت لمقررات القمة العربية الى جانب استجابة مصر للأوضاع الحاصلة في الأراضي المحتلة والتي تصاعدت خلال اليومين الماضيين. المهندس أحمد بهاء الدين شعبان المفكر اليساري وأحد قيادات الحركة الطلابية في السبعينيات يرى أنه ليس من السهولة أن تتخذ الادارة المصرية اجراءات أخرى سريعة لأن الخطوة التي ينتظرها بعد ذلك كل القوى الوطنية في مصر هي طرد السفير الصهيوني من القاهرة وهذه الخطوة لن تطرح بيسر على الادارة الرسمية. ولا ينسى شعبان ان يحيي هذه الخطوة المصرية ويقول ان الجماهير طالبت بهذه الخطوة مطالبا الرئيس مبارك في الاستمرار في الاستجابة للارادة الشعبية والقطع النهائي للعلاقات مع اسرائيل وانهاء كافة العلاقات التطبيعية معها على كافة المستويات. ويقول شعبان انه حتى برغم محدودية الاجراء المصري يظل هناك دلالة واضحة على أن الضغوط الجماهيرية قوية ومؤثرة وأن هذا يمكن أن يدفع النظام السياسي الى خطوات أخرى حتى لو بدت ضعيفة إلا أنها مهمة. ويضيف شعبان أعتقد ان الادارة الأمريكية لن توفر جهدا في سبيل اثناء النظام المصري عن هذه الخطوة خاصة وقد رأيناها من قبل تتدخل من أجل الضغط على قطر للعودة عن قرارها باغلاق المكتب التجاري الاسرائيلي في الدوحة. ويؤكد شعبان أنه من الصعب على الادارة المصرية أن تتجاهل عمق الجرح النفسي داخل الجماهير ازاء ما يجري في الأرض المحتلة وتعاطف هذه الجماهير مع انتفاضة الفلسطينيين. ويرى أن ما يسمى بعمليات السلام قد انتهى موضوعيا بسبب أن العدو أصبح واجبا عليه أن يجيب عن الأسئلة المؤجلة والمتعلقة بالدولة الفلسطينية والقدس واللاجئين. وبالتالي فليس هناك (في تصور شعبان) أي أساس موضوعي لاستئناف هذه العملية لأن لا الطرف الاسرائيلي مستعد لدفع الاستحقاقات النهائية لهذه العملية ولا الطرف الفلسطيني قادر على القبول بمزيد من التنازلات. ويشدد على أن الطرف الفاعل الآن في معادلة الصراع هو الحركة الجماهيرية في الشارع الفلسطيني ويتعين على الجميع بعد ذلك دعم انتفاضة هذا الشارع لتنتقل بها الى مراحل حاسمة في الصراع تنهي كل أشكال العدوان الاسرائيلي على الحقوق العربية في الأراضي المحتلة. ويرى عبدالوهاب المر رئيس الادارة السياسية بجامعة الدول العربية أن مصر لم تكن أبدا وسيطا في عملية السلام وإنما كانت شريكا كاملا في الحرب والسلام, ويقول أن مصر دورها أكبر من أن تكون وسيطا في قضية هي مركزية للجميع وفي مقدمتهم مصر. ويشير الى أن القرار المصري كان منتظرا من قبل حتى قمة شرم الشيخ إلا أن السياسة المصرية التي يقودها الرئيس مبارك أعطت الجانب الآخر والأطراف المعنية خاصة الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية أقصى قدر من امكانية مراجعة أنفسهم, إلا أن اسرائيل استخدمت ذلك لتزايد به خاصة وأن كل سياسي اسرائيلي يحاول أن يقدم نفسه كزعيم, والدم العربي حسب تعبير المر يخلق كل يوم بن جوريون جديدا وبيجين جديدا, والدور المصري يعرف ويعي كل ذلك جيدا, لذلك فإن هذه الخطوة لم تكن أبدا متأخرة من جانب مصر ولم تكن مصر متخاذلة ولكنها تقرأ الأمور بعناية وتأن. ويرى المر أنه من المستحيل أن تعلن مصر الحرب على اسرائيل خلال الفترة المقبلة ولكنها بالتأكيد ستخوض حربا من نوع آخر هي الحرب الدبلوماسية وفوق موائد المباحثات. ويقول المر أعتقد أن الخطوة المصرية ستتبعها خطوات أخرى وهي خطوات ربما تكون خطيرة ولكنها لن تصل الى الحرب وأن اسرائيل ربما ترد على ذلك باثارة مشكلات مع كل من سوريا ولبنان.. وعن امكانية وجود عمل عربي جماعي للدول ذات العلاقات مع اسرائيل بعد الخطوة المصرية يقول المر: أعتقد أن ما دامت مصر قد سارت في هذا الخط فسوف يكون هناك استجابات عربية لها.. ويستطرد ولكنه بالنسبة لدول مثل قطر وموريتانيا فإننا نعطي لعلاقتهما باسرائيل دورا أكبر من حجمه لأن كلا من الشعب القطري والشعب الموريتاني كفيلين بالمكاتب التجارية الاسرائيلية الموجودة لديهما وبالنسبة للأردن فإن لها ظروفها الخاصة ويرى أن الخطوة الجماعية العربية ممكنة وأن المهم هو ألا نترك الطرف الآخر يقول للعالم أن العرب هم الذين ينادون للحرب! الكاتب محمد سيد أحمد يصف الاجراء المصري بأنه حدث رمزي ويستدرك قائلا لكنه مهم ويلفت نظر اسرائيل الى خطأ توهمها بأن مصر من المستحيل أن تقطع علاقاتها بها تحت أي ظرف من الظروف. ويقول أنه بالتأكيد ستشهد الأيام المقبلة ضغوطا أمريكية على مصر ولكن أعتقد أنه من الصعب أن تتراجع مصر عن موقفها الذي أعلنته للجميع. وعن امكانية حدوث اجراءات أكثر تصعيدا من جانب مصر مستقبلا يقول محمد سيد أحمد لا أعرف بالتحديد ما يمكن أن تتخذه السياسة المصرية ولكن الواضح أننا ندخل مرحلة صعبة خاصة وأن اسرائيل ترد الصاع بالصاعين لكل اجراء يتخذ ضدها وهذا واضح من ردها على المقاومة الفلسطينية. ويضيف سيد أحمد أن مصر تتحمل مسئولية كبيرة من الناحية السياسية قبل الادارية ولذلك فمسألة أن السفير له دور هام في توصيل الرسائل بين البلدين تم تجاوزها بفعل الأحداث الحالية ولم يعد ممكنا أن تظل مصر وحدها بين الدول العربية تحافظ على بقاء سفيرها في تل أبيب. حسين عبدالرازق رئيس تحرير مجلة اليسار وأمين الدائرة السياسية بحزب التجمع يقول أن خطوة استدعاء السفير المصري من تل أبيب لها ما بعدها ويتمثل ذلك في ضرورة طلب مغادرة السفير الاسرائيلي من القاهرة والبدء في تجميد كافة أشكال العلاقات بين مصر واسرائيل. ويرى عبدالرازق أنه قد آن الأوان لاتخاذ مواقف عربية موحدة ومجموعة ومتصاعدة في نفس الاتجاه الذي اتخذته القاهرة وذلك بوقف كافة أشكال التطبيع بين الأردن واسرائيل.. وتكثيف الضغوط الدبلوماسية العربية للضغط داخل المنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة للدعوة الى فرض عقوبات اقتصادية على اسرائيل وايجاد قوات دولية توفر الحماية للشعب الفلسطيني والضغط داخل الأروقة الدولية من أجل اعادة طرح قضايا المستوطنات واللاجئين والقدس. ويرى عبدالرازق أن الاجراء المصري سيكون له تأثيره الأكيد على اسرائيل وحلفائها في الولايات المتحدة الأمريكية لأن ذلك لن يؤتي ثماره إلا باجراءات عربية متوازية واستخدام أوراق القوة العربية في مواجهة اسرائيل وأمريكا. الدكتورة عائشة راتب أستاذ السياسة الدولية ووزيرة الشئون الاجتماعية السابقة تصف قرار استدعاء السفير المصري من تل أبيب بأنه خطوة خطيرة من جانب مصر وتقول أن هذا يعني في الأعراف الدبلوماسية أن العلاقات ستكون متوقفة بين البلدين لكنها لا تعني قطع للعلاقات لأن اسرائيل أعلنت أن سفيرها باق في القاهرة. وتفسر الدكتورة عائشة هذه الخطوة بأن السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وتجاه عملية السلام وصلت الى حافة الهاوية حسب اصطلاحات جون فوستر دالاس والتي كانت تقول بالوصول بالأحداث الى حافة الهاوية ثم البحث عن حل لها. وعن تصورها لمستقبل العلاقات بين مصر واسرائيل بعد الخطوة المصرية تقول الدكتورة عائشة لا أتصور أن يكون هناك قطع للعلاقات بين البلدين ولكن ان كان هناك عقل لدى ساسة اسرائيل بأنهم سيفهمون الرسالة المصرية ويتوقفون عن سياستهم العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني. وتؤكد أن الاجراء المصري لن يؤثر أبدا على وضع مصر في عملية السلام لأن اسرائيل لن تظل طويلا متجاهلة للخطوة المصرية وسوف تتفادى الوصول الى حالة قطع العلاقات وتعمل على تحسين الوضع وأضافت أتصور أن الاسرائيليين يبحثون الآن عن طريقة للخروج مما هم فيه من مأزق. وترى أنه بالتأكيد ستكون هناك محاولات أمريكية لاثناء مصر عن قرارها ولكن الرئيس مبارك لن يقبل أي نوع من الضغوط لأنه تصرف نيابة عن كل الشعب المصري وليس عن نفسه كرئيس للدولة فقط.