الملف السياسي : يبدو أن حجج الشعوب لم تعد هي حجج الملوك, الأمر يذكرني بأمر لويس الرابع عشر بأن تنقش على مدافعه عبارة (الحجة الاخيرة للملوك) وحين يحدث الانفصام بين ارادة الشعوب وارادة الانظمة, يتحرك، الشارع فقط بإيمانه بقضاياه ولو لم يكن معه رصاصة واحدة, لكن الصدور المكشوفة سرعان ما تكتشف اساليب ذاتية للمواجهة وبذلك يتراكم عندها كم هائل من رصيد المواجهة التي تأخذ عمقها وتطورها وفعاليتها من ذاتها المتبلورة مع مرور الايام. وطفل الحجر الذي يكون في كل يوم ضحية, ستضطره الاسئلة المرة والاصرار الى تنويع اساليب المواجهة لينقل نفسه من خانة المقتول الى خانة القاتل ومن موقع الضعيف الى موقع القوي لذلك بدأت الانتفاضة الصامدة تفرز معطيات جديدة للمواجهة ومنها رفع شعار المواجهة الاقتصادية.. وهذا معناه عقلنة اكبر وتفعيل اعمق للصراع. ولئن كانت الانتفاضة الفعلية ضد اسرائيل قد اقتصرت على الشارع الفلسطيني, فإن المقاطعة الاقتصادية مثلا امر لا عذر لعربي او مسلم اينما كان. لذلك يعد تفعيل فكرة هذه المقاطعة امرا سيعيد ترتيب خريطة الصراع العربي الاسرائيلي في زمن متسم بالنزعة الاقتصادية الطاغية. ويذكر المهتمون ولا شك حرب رمضان التي اعلنها العرب ضد الغرب والتي هددوا فيها بتفجير آبار البترول في حال تدخل امريكي او أوروبي, وفي تقييم تلك المرحلة ظهر مدى فعالية الحرب الاقتصادية على توجيه الاحداث السياسية والعسكرية وغيرها, لذلك يرى (آلفين توفلر) صاحب فكرة (الموجة الثالثة) و(خرائط المستقبل) يرى ان الذي سيحدد السلطة مستقبلا هو احد اركان ثلاثة, (المعرفة والثروة والعنف) وحينما نتحدث عن الثروة فإننا نتحدث عن الجانب الاقتصادي ففي كتابه (تحول السلطة) يقول آلفين توفلر (في الكثير من الافلام شخصية ثانوية حسنة اللباس كبيرة وسمينة تجلس وراء مكتب كبير من الخشب تمارس نوعا آخر من السلطة) وكانت تلك صورة الاقتصادي الممسك بدواليب اخطر آلة في النظرية الميركانتيلية. المقاطعة صيغة استيعابية ان تحويل الانتفاضة الى مقاطعة عسكرية معناه فتح القوس لاستيعاب الملايين الثائرة على امتداد الكرة الارضية, ضد اسرائيل فهذه الملايين التي تخرج الى الشوارع مساندة للشارع الفلسطيني ستجد نفسها امام فرصة ممكنة للمشاركة الايجابية الفعلية في الصراع وإن المعنى البعيد لمقاطعة هذه الملايين للمنتوح الامريكي والاسرائيلي معناه تعريض مصالح اقتصادية بحتة (قد تكون بحتة في اكثرها) الى دفع الثمن من اجل تورط امريكي سياسي في مساندة اسرائيل, وآنذاك ستجد الكثير من القوى الاقتصادية الفاعلة نفسها في مواجهة وضغط على الدفة السياسية والعسكرية الامريكية والاسرائيلية وقد اثبتت مضاربة الكثير من الشركات الامريكية العملاقة على الدولار. ان الاقتصادي لا يهتم بأكثر من مصلحته وهو الامر الذي يجعله يتحرك ضد كل من هو ضد هذه المصلحة ولو كان هو النظام الذي يستظل بعلمه ويحمل جنسيته, بحكم ان الشركات العابرة للقوميات (وطنها رصيدها) وذلك امر يكشفه الطابع الاقتصادي البحت لهذه الشركات وهو طابع لا يهمه الشعار والديماغوجية بقدر ما يهمه الرقم. رهان النفط كان المعول عليه لعقود هو رهان النفط كقوة وورقة ضاغطة في ايدي العرب, لكن يبدو ان العرب كأنظمة اكتشفوا ان (حجب النفط) يعني توقف الموارد المالية, خاصة مع بنية اقتصاد قائم في اساسه على هذه المادة الطاقية وبقدر ما تزداد قناعة مصلحية النفط عربيا يرتفع خط التخفيضات الرسمية العربية تجاه الضغوط الثورية الفلسطينية والعربية, وأمام تساقط النفط من قائمة الحرب الشاملة وإلحاح العنصر الاقتصادي على الظهور لكسر ظهر العدو ويفاجأ العالم بظهور مصطلح (حصار) بعيدا عن معناه المبتذل لان المقاطعة الشعبية للمنتوج هي في الحقيقة حصار اقتصادي قائم على الحيلولة بين المنتج والمستهلك. ان مفهوم الامن بقي الى زمن قريب يمثل عند اسرائيل (قوة الردع) ومعنى ذلك ان العنصر الوحيد الحاسم هو القوة العسكرية, وهي قوة غير متكافئة حسب ما يوهمنا به باحثونا الامنيون حتى على مستوى المواجهة الشاملة للامة فكيف بها اذن بين اسرائيل وبين آلاف من الاطفال والعزل؟! لذلك كان بديهيا ان يكون المنحنى البياني للاحداث وما تبلوره كأفق مستقبلي كله في صالح اسرائيل, اما ادخال عنصر المقاطعة في قاموس الامن فإن معناه هو الاتكاء على عناصر قوة اخرى في مواجهة القوة العسكرية الاسرائيلية لذلك اعتبر بعض الدارسين الحديث عن هذه المقاطعة حديثا عن قمقم يرقد فيه المارد الذي سيهزم اسرائيل, لكن هل سيتجاوز الحديث عن هذا القمقم مرحلة الكلام والاثارة الى مرحلة التوعية الحقيقية لما للتضخم مثلا من ضرر على اقتصاديات اعتى القوى الاقتصادية؟!! ان اعدادا مذهلة من الاجهزة والمقتنيات تغرق الاسواق العربية من المحيط الى الخليج, ومنها سلع اسرائيلية (مموهة) ولنا ان نتصور ما سيحدثه الكساد المريع لمنتجات امريكا لمدة ثلاثة اشهر. إن آلاف الموزعين المعتمدين (لمايكروسوفت) مثلا في العالم سيقررون تجميد معاملاتهم مع هذه الشركة كما ان عشرات المكالمات سترن يوميا في (المركز الرئيسي) لإعطاء اخر الاحصائيات والبيانات المريعة للنكسة التي تمر بها المؤسسة العملاقة, وأمام انكسار مئات الشركات سيجد (البيت الابيض) نفسه فجأة محاصرا بقوى اقتصادية ضاغطة مع ما يعنيه ذلك من امكانية تحريك كل شيء ضد السياسة الرسمية الامريكية والاسرائيلية, في زمن يقال فيه لا مستحيل مع الرصيد المنفوخ. غير ان هناك المغالطة التي يجب ادراكها وهي ان هذه المقاطعة لا يجب ان تفهم في اطارها الامتناعي النهائي ومع وجود المنتج المنافس, ليس المطلوب من المواطن العربي, الاضراب عن الشراء كلية, بل المطلوب هو مقاطعة منتج مقصود ومعين ويبقى امامه في السوق خيارات اخرى, منها المنتج الاوروبي او حتى المحلي وآنذاك فليس امام نظام معين ان يلزم مواطنيه بوجوب قطع المقاطعة والرجوع الى استهلاك المنتجات الامريكية او الاسرائيلية, ثم اننا نعلم ان العلاقة الاقتصادية البينية القائمة بين امريكا والوطن العربي هي علاقة (مصنع وسوق) فباستثناء المادة النفطية يخضع التعامل التجاري في جانب المصنعات لأبجدية الانتاج الامريكي والاستهلاك العربي, وآنذاك فأمريكا ستخسر سوقا واسعة ومستهلكا لايمكن ان يتناسى في عملية التخطيط التجاري والصناعي الغربي. كما يجب ان نعلم ان الدعم المالي الامريكي لاسرائيل انما يأتي من فوائد التجارة الامريكية العالمية, ومع ركود هذه التجارة خاصة في زمن الاستثمار الخارجي المباشر سيقل هذا الدعم. ان كلمة الفائض التي تقابلها في الوطن العربي كلمة التضخم هي التي أتاحت لأمريكا هامشا واسعا لتوسيع هيمنتها السياسية عبر الاقتصاد سواء بالقروض او الاعانات او غير ذلك. ومع تناقص الفائض وخضوع الميزان التجاري لمعطيات جديدة سيكون هناك واقع سياسي جديد. ان السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو هل يستطيع الشارع العربي ان يخلخل بنية الميزان التجاري الامريكي والاسرائيلي؟ ان المسألة ليست مستحيلة خاصة بالرجوع الى نسب وأرقام حجم التبادل الاقتصادي بين الدول العربية وأمريكا, كما ان امريكا تتخوف من ناحية اخرى من المقاطعة من كونها قد توطن لتكنولوجيا أوروبية او يابانية, وهذا له معنى متشعبا فمثلا الدول التي تملأ شوارعها السيارات الكورية ستجد نفسها محكومة في مجال قطع الغيار بما هو كوري وآنذاك فلا مجال لقطع غيار اوروبية او أمريكية لذلك. اذا اتسعت قضية المقاطعة وفعلت فإنها ستوطن للمنتجات غير الامريكية, اذ ستجد الانظمة نفسها ملزمة باستيراد ما يطلبه المواطن لا ما يقاطعه وآنذاك تتغير بنية التسوق العالمية, وهو امر سيوقع المنتج الاقتصادي الامريكي في خسارة امام المنتج الاوروبي او الياباني او غيرهما. ان امكانية المقاطعة واردة جدا لكنها تحتاج الى تفعيل والى حملة توعية واسعة تأخذ الصحافة العربية على عاتقها منها قسطا كبيرا, لأن القضية متعلقة بشعوب والشعوب يجب ان تفهم ما معنى المقاطعة وهل هي مضرة بالعدو, فإذا فهمت او افهمت ان المقاطعة قد تفعل بالعدو ما لا تفعله المواجهة العسكرية احيانا فإنها ستتبناها وستضيق على كل من يريد كسرها, وستعزله, لذلك لابد من تفعيل هذه الورقة الحربية القوية. بقي أخيرا ان نشير الى ان تقريرا اقتصاديا صدر في النصف الاخير من شهر اكتوبر المنصرم كان قد حدد خسائر سوق الاسهم الاسرائيلي طوال ايام الانتفاضة التي سبقت بـ 9 مليارات دولار. الامر الذي دفع مؤشر السوق للتراجع بنسبة 14 بالمئة وهي اعلى نسبة انخفاض في منطقة الشرق الاوسط وبذلك تكون القيمة السوقية قد تراجعت من 74 مليار دولار في نهاية سبتمبر الى 65 مليار دولار في أوائل شهر اكتوبر وهو ما يبرز تأثير اللاأمن على الجانب الاقتصادي ولئن كانت المدافع هي آخر خيارات الملوك فإن المقاطعة هي اجدى خيارات الشعوب في ظل مصادرة قدراتها العسكرية.