لايزال السجال الدائر في لبنان حول الوجود السوري يسجل زخما غير مسبوق في الاعلام السياسي بلغ حجمه في يوم واحد 19 مقالة في صحيفة النهار المستقلة, و13 مقالة في صحيفة السفير اليسارية الموالية لسوريا, وخمس مقالات في صحيفة الحياة الدولية الصادرة من لندن. فما هو مستقبل هذا السجال, وآفاقه؟ وهل يمكن أن يتردى إلى ما هو أكثر إيلاما من الهجمات الكلامية بين أنصار سوريا وخصومها؟ علما بأن أنصار سوريا من مثال نائب منطقة البقاع عاصم قانصوه, عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي, يصنفون من لا يدافعون عن الدور السوري في لبنان, حتى ولو لم ينتقدوه, في خانة الخصوم. والملفت أن الحملة المطالبة بمراجعة أو تصحيح الدور السوري في لبنان, تمهيدا لانهائه بعد ربع قرن على انطلاقه, تتداخل مع حملة محلية وغربية منتقدة لخروق مزعومة لحقوق الانسان من اعتقالات غير قانونية لنشطاء سياسيين, إلى منع لندوات سياسية, وجميعها تتمحور حول انتقاد الدور السوري في لبنان. وقد قسم الصراع بين المعادلتين اللبنانيين إلى معسكرين, ولو فكريا حتى الان: * الاول فريق المطالبين بتصحيح العلاقة مع سوريا, من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الراغب في إعادة انتشار قواتها وتنظيم أطر العلاقة معها, إلى البرلماني العريق ألبير مخيبر المطالب بالانسحاب الكامل للجيش السوري وإقامة علاقات دبلوماسية بين الدولتين, مرورا بالزعيم الروحي للطائفة المارونية الكاثوليكية البطريرك نصر الله صفير الذي أبدى تخوفه من ضم لبنان إلى سوريا. * والثاني هو فريق المصرين على إبقاء العلاقة اللبنانية ـ السورية على حالها, من رئيس الحكومة رفيق الحريري, ورئيس المجلس النيابي نبيه بري, وصولا إلى رئيس الجمهورية إميل لحود الذي ذهب إلى المدى الاقصى بأن وضع خيار تحديد الانسحاب السوري بين يدي دمشق حصرا, بعد تحرير مرتفعات الجولان السورية من الاحتلال الاسرائيلي. وبغض النظر عما إذا كان انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في مايو الماضي قد عزز المطالبة اللبنانية بتصحيح العلاقة مع دمشق, فإن استعداد الدولة العبرية, الذي يؤكده مصدر محايد, لاعادة البقعة الصغيرة المعروفة بمزارع شبعا إلى السيادة اللبنانية قريبا من شأنه أن يؤجج المطالبة بانهاء الوجود السوري في لبنان. ويقول المصدر, الذي طلب عدم نشر اسمه, (بعد ان يفقد لبنان شعار مقاومة الاحتلال الاسرائيلي بزواله, ما الذي سيمنع انطلاق شعار انهاء الدور السوري). وقد حاول الحريري خلال السنوات الست التي أمضاها في رئاسة الحكومة بين العامين 1992 و 1998 تجاوز واقع الصدام بين الصراع الاقليمي والازدهار الداخلي, فركز خطته الاقتصادية على الاعمار الذي أنجز جزءا رئيسيا منه, ولكنه ظل كاسدا لان شبح اللإستقرار الاقليمي خيم عليه, فتعذر الاستثمار. ولكن, وبعد الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب, والاستكمال المنتظر لملحقه الاخير في مزارع شبعا, يتساءل المصدر: (ماذا سيقول الحريري للمستثمرين عندما يدعوهم إلى توظيف أموالهم في لبنان؟). ويضيف المصدر (أي ضمانات سيقدمها الحريري, ولبنان, للمستثمرين للتوظيف في وادي البقاع (الشرقي) في ظل استمرار انتشار القوات السورية فيه؟) ويتابع (وقبل إقناع المستثمرين الاجانب, كيف سيتمكن الحريري من إقناع رأس المال اللبناني ـ المسيحي المقدر بنحو 80 مليار دولار (بين مقيم ومغترب) بالاستثمار في لبنان, وإذا لم يستثمر اللبناني في لبنان, فهل يستثمر الاجنبي؟). ويبدو أن حكومة الحريري الجديدة, التي أعطاها عنوان (الوفاق والنمو) ستكون عاجزة عن تحقيق هدف النمو, لسقوطها قبل انطلاقها في امتحان تحقيق الوفاق اللبناني الذي تفسخ على خلفية النزاع بين المطالبين بمراجعة دور سوريا, والمصرين على إبقائه. ويتساءل المصدر (أي نمو سيتحقق إذا لم يتم إنجاز الوفاق اللبناني؟. وأرضية الوفاق تجاوزت الاتفاق على حصص سياسية, والموقف من الوجود السوري أصبح هو الارضية الوحيدة للوفاق اللبناني). ويدعو المصدر إلى قراءة متأنية للبيان الاخير الذي أصدره مجمع المطارنة الموارنة والذي أسبغ على رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الزعيم الدرزي وليد جنبلاط صفة (زعيم طائفة أساسية في الكيان اللبناني) بعدما كان قد تصدى في البرلمان للدور السوري مطالبا بمراجعته. ويعكس التأييد الماروني لجنبلاط ــ الذي كان الخصم الاول للمسيحيين خلال الحرب الاهلية ــ الموقف اللبناني المتنامي سلبا من النفوذ السوري, وخصوصا إذا قرنت به سلسلة الاعتصامات والمهرجانات الطلابية والبيانات الصادرة عن المثقفين اللبنانيين والنقابات المهنية المؤيدة لجنبلاط, والوفود الشعبية المتعددة الطوائف التي توجهت إلى قصره العائلي في بلدة المختارة جنوب شرق بيروت, لابداء التأييد له. د.ب.ا