سؤال مهم استوقفني وأنا أصور حاليا المسلسل التليفزيوني (زيزينيا).. حيث ضبطت نفسي أفكر في سر هذا الحماس الذي يعتريني كلما وقفت أما الكاميرا أجسد شخصية (بشر عامر عبد الظاهر) التي اقدمها في هذا المسلسل.. وبدأت أسأل ترى هل يكمن هذا السر في السلاسة والروعة التي يكتب بها أسامة أنور عكاشة لدرجة تجعل المشاهد أو المتلقي يشعر بطعم الإبداع وحلاوته..؟! وقلت ربما هذا السبب يجعلني متحمسا ومتوهجا أيضا, ولكن هناك ما هو أهم من الإبداع وشكله إنه المضمون, فأسامه أنور عكاشة وضع يده على نقطة مهمة تمسنا جميعا, إنه في هذا المسلسل يحاول أن يصل إلى هويتنا الحقيقية.. يحاول أن يعثر على إجابة تشفي غليل الأسئلة فينا: هل نحن عرب أم فراعنة أم شرق أوسطيين أم ماذا بالضبط..؟! والحقيقة التي يريد أن يقولها (عكاشة) في المسلسل أننا عرب ومرتبطون بهذه الأرض, تأثرنا بكل الثقافات التي دخلت بلادنا وتأثرت بنا حتى صرنا عصارة هذه الثقافة التي أثقلت هويتنا الحقيقية. ولعل إختيار(عكاشة) لمدينة الاسكندرية كان إختيارا ذكيا لأنها كانت موطنا لثقافات وجنسيات عديدة جعلتها مدينة مميزة ورمزا مجسدا لمصر وما تعرضت له من تغيرات عبر السنين والاحتلال والحرية, وكذلك لأنها تحمل بين طياتها إجابة عن سؤالنا حول الهوية.. ودوري في (زيزينيا) يأتي عن إقتناع بأهمية هذه الأعمال وإمتداد لما قدمته من قبل في (ليالي الحلمية) حيث جسدت شخصية الباشا (سليم البدري) ضمن ملحمة وطنية وتاريخية عظيمة.. ملحمة عبرت عن رحلة مهمة من تاريخنا المعاصر منذ الاحتلال الإنجليزي ومرورا بثورة يوليو التي رفعت فيها راية الحرية والكرامة ثم مرحلة السبعينيات والانفتاح الاقتصادي وما تبعه من فساد وظهور طبقة طفيلية جديدة ووصولا إلى التسعينيات وحرب الخليج وتأثيراتها على المجتمع المصري. ورغم أنني كنت خائفا من أن تتحول شخصية سليم البدري إلى نمط لكني جاهدت لكي أمنع أن أقع في ذلك الفخ وراهنني على ذلك, لأنني من الممثلين الذي يحبون التغيير بشكل مستمر, وفي (ليالي الحلمية) عندما شعرت بأن الحكاية طالت جدا, لأننا قدمنا خمسة أجزاء خلال سبعة أعوام, اعتذرت بعد الجزء الثالث عن استكمال حلقات الجزء الرابع, لكنني تراجعت عندما وجدت أن المؤلف إنتهى من كتابته فعلا, واتفقت معه على أنني لن أقدم الجزء الخامس فعلا طلب مني تقديم مشهد واحد وتحت إلحاحه وافقت, فما كان إلا أن جعله المخرج مشهدين, الأول في منتصف الحلقات والثاني في نهايتها, ولكن ماذا حدث بعد ذلك, قدمت وبسرعة الشخصية النقيض في (الليالي), وقدمت مسلسل(لا) وأيضا لكاتب آخر هو الصحفي الكبير مصطفى أمين, وبعد ذلك قدمت شخصيات أخرى عديدة لأن شخصية الباشا سليم البدري لابد من تغييرها لدى الناس وبسرعة وقوة في الوقت نفسه حتى أخرج من قالب النمطية, فقدمت عددا من الأعمال الناجحة مثل (لا) و(نصف ربيع الآخر) و(الخروج من المأزق)..وكلها أنماط وشخصيات مختلفة جدا لم تقتصر على التليفزيون فقط, حيث قدمت العديد من الأعمال السينمائية في هذا الإطار, وشكلت محطات مهمة في رحلتي الفنية مثل (عودة مواطن) و(للحب قصة أخيرة) و(خرج ولم يعد) وهذه الأفلام الثلاثة لم تلق نجاحا جماهيريا عند عرضها ولكنها حققت لي نوعا من الرضا الفني ولاقت تقديرها الملائم, ففيلم (عودة مواطن) أخذته قناة فرنسية ألمانية لعرضه وأصرت على ذلك, أي أنه خرج من الإطار المحلي والعربي ليكون دوليا, وفيلم (خرج ولم يعد) مرتبط بالناس بشكل كبير وسيبقى مرتبطا بالناس هكذا لأنه كان عنهم.. وخرج من عباءتهم, أما فيلم (للحب قصة أخيرة) فهو معد من أحسن مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية, أي أنه سيبقى من الكلاسيكيات مدى الحياة. وأعود مرة أخرى للأعمال التليفزيونية حيث أعد لتقديم مسلسل عنوانه (فاروق الأول والأخير) من تأليف زوجتي د. لميس جابر, حيث أجسد شخصية الملك فاروق, وهو مشروع يراودني منذ فترة طويلة وأخيرا اقتربت من تحقيقه بعد أن تعبت د. لميس جابر في كتابة هذا المسلسل حيث سافرت إلى بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وجمعت الكثير من المعلومات من مراجع مختلفة عن حياة الملك فاروق ونشأته ودراسته وطفولته وصباه ومواقفه السياسية ومغامراته وزيجاته, وكيف كان يتعامل مع من حوله من حاشية ورجال حكم, ونجحت في الحصول على معلومات من نحو 33 مرجعا, وفي الحصول على مقدار وافر منها يتعلق بمرحلة خروجه معزولا من مصر إلى إيطاليا, كل ذلك في حلقات مسلسلة تبلغ 40 حلقة تقريبا فرغت د. لميس من كتابة 25 حلقة منها حتى الآن. وبصراحة أنا حريص جدا على تحقيق هذا المسلسل, وبدأ حرصي عليه منذ 12 عاما تحديدا حين شاهدت مسلسل إنجليزي بعنوان(إدوار أند مسس سامبسون) وكانت أحداثه تتناول الملك إدوار ملك إنجلترا الذي ترك العرش من أجل أرملة أحبها هي مسس سامبسون وبصراحة كان المسلسل هائلا ونفذ بشكل عبقري, ووقتها صادف وجود أعمال رديئة عن التاريخ المصري, وهو ما أصابني بالغيرة الشديدة على تاريخنا, وفي ظل إعجابي بهذا العمل قرأت حينها كتابا صغيرا للصحفي صلاح حافظ اسمه (فاروق ملكا) فأعجبني وجعلني أتعمق في الشخصية, فاشتريت كتابا آخر للدكتورة لطيفة محمد سالم أستاذة التاريخ الحديث, وجدته أكثر عمقا وتخصصا وبه مواد تاريخية مهمة جدا, واكتشفت أننا نملك شخصية درامية خطيرة, وبدأت أقرأ كل ما له صلة بهذا الرجل, حتى بدأت أقنع السيناريست محسن زايد بكتابة العمل ومعه المخرج محمد فاضل, واهتماما بما أقوله بدأنا نعمل بالفعل, لكن سرعان ما نفضوا أياديهم عن المشروع, فكلمت وزير الإعلام المصري صفوت الشريف لكي يساندنا, ثم عرضت على الكاتب أسامة أنور عكاشة أن يكتبه, لكنه بدأ يؤجل العمل فيه إلى حين انتهائه من عدد من الأعمال, ثم اتضح لي أن عكاشة لا يملك الوقت لإنجازه بسبب انشغاله, وشعرت أن زوجتي د. لميس ميالة للموضوع, وبالفعل بدأت هي العمل فيه, وبقي تنفيذ العمل بالشكل الذي أقتنع به ولا يقل عن مستوى (إدوار ومسس سامبسون). وسأحاول تقديم صورة جديدة للملك فاروق في هذا المسلسل, فالكثير من الأعمال تناولت فاروق المغامر والمقامر والحاكم المستبد الذي لا يهتم إلا بالملذات والمتع والشهوات على حساب من كان يحكمهم, إلا أن الحلقات الجديدة ستركز على أسباب ذلك لتعكس الدوافع إلى هذه التصرفات وكشف المزيد مما أحاط بالجانب الآخر من حياة هذا الرجل في شئون السياسة والحكم والعلاقات الخارجية وأسباب ارتباطه الوثيق بالمرأة بسبب تعتيم حاشيته عليه. ولعلني أستطيع أن أجتاز هذه الخطوة الفنية كما فعلت في أعمالي السابقة دون أي تعثر, المهم أن تتحقق وفق قناعاتي وحسب قواعد الجودة. يرويها: يحيى الفخراني