غداة تبلور أفكار الصهيونية السياسية في مؤتمر بال الشهير عام ,1897 لفت (نجيب عازوري) ــ أحد المثقفين العرب في مطلع القرن العشرين ــ النظر الى الصدام المتوقع بين الحركتين العربية والصهيونية. وذكر بما يشبه النبوءة أن مستقبل المنطقة العربية سيتوقف على نتيجة هذا الصدام. كانت تلك الإلتفاتة من التوصيفات المبكرة والنادرة لطبيعة الصراع المتوقع, بين الغزوة الصهيونية الاستيطانية والأمة العربية. وذلك باعتباره صراعا قوميا, ومع تطور الغزوة الصهيونية, ربما وصولا الى الحرب العالمية الثانية, لم يكتسب المفهوم القومي للصراع في فلسطين وجوارها كثيرا من الأنصار, فقد كان الطابع الغالب بين سواء العرب, بما فيهم أبناء فلسطين, أن الصراع يتحرك على أرضية دينية. وربما كان لعزل فلسطين إقليميا بعد الحرب العالمية الأولى, في الجغرافيا والسياسة, تحت الانتداب البريطاني, تأثيره على نمو الوطنية الفلسطينية. لكن التيار الوطني ظل محدود الفعالية وهو ما يفسر قلة التنظيرات التي تأخذ بالفهم الوطني للصراع مع الصهيونية, ولم تكن الدولة اليهودية حتى 1948 قد أعلنت بعد, كي تبرر المفهوم الوطني للصراع, الذي شاع بعد ذلك تحت مسمى (الصراع الفلسطيني الاسرائيلي). مؤدى ذلك أن المفهومين القومي والوطني للصراع مع الصهيونية ومشروعها السياسي, ظلا حتى نهاية الأربعينيات من القرن العشرين في حالة ضبابية, ولعلهما كانا قاصرين على فكر نفر محدود من المعنيين بتكييف ما يجري في فلسطين, على الصعيدين الفلسطيني والعربي. ومن تجليات سيطرة المفهوم الديني للصراع في المرحلة المذكورة, أن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية انتسبت الى هذا المفهوم, فكان رأسها مفتي الديار الفلسطينية, ورئيس (المجلس الاسلامي الأعلى) الحاج محمد أمين الحسيني. وقاد أول صدام مسلح حقيقي ضد التحالف البريطاني الصهيوني شيخ معمم وإمام مسجد هو عز الدين القسام. وكان لقب شيخ يطلق على معظم قادة المقاومة العربية الفلسطينية. وحين أراد الجانب الفلسطيني الرد على التكوينات والتحالفات الصهيونية العالمية, نظم مؤتمرات دولية تحت عناوين دينية كالمؤتمر الاسلامي الأول (1928 ) والمؤتمر الاسلامي الثاني (1931) كما حاولت الحركة السياسية الفلسطينية انشاء جامعة تناظر الجامعة العبرية, تحت مسمى (جامعة الأقصى), وسعت لتمويلها من مسلمي العالم. والواقع أن الفكر الصهيوني وأدبياته السياسية, شجعت ولا تزال على الترويج لهذا المفهوم الديني, مهما اكتست برقائق من العلمانية التي تمنح أولوية للبعدين القومي أو الوطني. وعلة ذلك, أن الصهيونية لا تفرق بين اليهودية كديانة وبين اليهود كعرق أو حتى شعب أو قومية في مفهوم منظريها, وهي تربط عضويا بين هذه الأبعاد وبين أرض فلسطين, أرض الوعد الالهي, وهو مفهوم توراتي ديني بحت, بل وتجعل من هذا الخليط وسيلة الى القداسة والتفرد, الأمر الذي منحها البعد العنصري. وبوسع أي متابع لمسيرة الصهيونية, فكرا ومشروعا استعماريا أو حركة ثم دولة, أن يلتقط بسهولة هذا المحتوى الديني لمفهومها للصراع في فلسطين. فقد تم الحديث نظريا في البداية عن عودة اليهود الى أرض الوعد الالهي, وتم لاحقا الاستقرار على فلسطين لهذا الزعم مع أن مناطق أخرى كانت مرشحة لتطبيق المشروع الاستيطاني (أوغندا, الأرجنتين, الجبل الأخضر في ليبيا, كينيا, سيناء, ساحل الخليج العربي..) وقيل على لسان أبرز القيادات الصهيونية أنه (لا معنى لاسرائيل بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل). وبات من المعلوم الآن, كيف أن الصهيونية غير اليهودية (المسيحية), تنظر لاسرائيل وتناصرها منذ كانت فكرة هائمة من منطلقات توراتية تعود للتفسيرات السائدة للعهد القديم وما يدعي بنبوءة ظهور المسيح ثانية وبداية الألفية السعيدة, بعد قيام اسرائيل واعادة بناء الهيكل الثالث على جبل المعبد (مكان المسجد الأقصى بالذات!). لا غرابة والحال كذلك في أن قيام الدولة اليهودية, لم يخفف من غلواء البعد الديني في التكييف الصهيوني للصراع, بل لعله أكد على هذا البعد عبر الأنساق القانونية والسياسية التي اشتقتها هذه الدولة, فهي بحسب أطرها القانونية شبه الدستورية بسبب عدم وجود دستور مكتوب دولة لليهود إينما كانوا, وذلك موثق بقانوني العودة والجنسية, وهي بممارساتها التمييزية على اساس العرق الدين لصالح اليهود, تؤكد منذ نشأتها على صفتها كدولة دينية في الحال والاستقبال.. ولا يقدح في ذلك ما يقال عن سيطرة العلمانيين على السياسة والحكم في اسرائيل, فكل القوانين التمييزية على أرضية دينية صدرت في عهود أكبر القوى الموصوفة بالعلمانية, حزب العمل ومناصريه, ومثل ذلك يقال عن حركة التوسع الاستيطاني التي تحضها منطلقات ورؤى دينية, ثم إن توافق كل القوى السياسية الاسرائيلية على قضية القدس, لا يفسر إلا بالمنظور الديني. ومع ما تقوله هذه المؤشرات من إعلاء للشأن الديني في التعريف بالصراع الصهيوني العربي, إلا أن كثيرا من المعنيين رسميا وفكريا اجتهدوا في عزل هذا الشأن والتهوين من أهميته, وفي الجانب العربي, أدت التطورات السياسية والفكرية المتوالية غداة اندلاع حركات التحرر الوطني والقومي, الى إزاحة أولوية الأبعاد الدينية في تكييف الصراع عموما على مدار مرحلة المد القومي, لاسيما بعد نجاح القوميين العرب في الوصول الى سدة الحكم في بعض البلاد العربية, في سوريا ومصر والعراق واليمن. وكما نرى فإن الدول الثلاث الأولى هي من أهم ركائز المواجهة العربية ضد الصهيونية واسرائيل. لقد اعتبرت الحركة القومية العربية اسرائيل كمشروع استعماري في خدمة الامبريالية الغربية بالذات, موجه الى الأمة العربية عموما, وينبغي مواجهته من هذا المنطلق أو المنظور القومي. وحين نتأمل الآن تداعيات هذا التعريف, نلاحظ أن مرحلة المد القومي العربي, شهدت انحسارا لكل من البعدين الوطني والديني في تكييف الصراع ضد الصهيونية واسرائيل, وفي هذا المعنى ذكر أحد المسئولين الفلسطينيين في حكومة عموم فلسطين (1948-1963) كيف أن معظم الساسة الفلسطينيين عزفوا عن التركيز حتى منتصف الستينيات على الهوية الفلسطينية القطرية, باعتبار ذلك يخالف الحالة القومية السائدة ضد اسرائيل. وهو الفهم الذي يلمسه المرء أيضا من الميثاق الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية (الميثاق القومي بين 1964 و1968) إذ لم يشر الميثاق اطلاقا للبعد الوطني واعتبر الشعب الفلسطيني طليعة أمته العربية نحو تحرير فلسطين. بل أن اطلاق مفهوم (القومي) على الميثاق ينطوي على دلالة في هذا الاطار. ويبدو أن هزيمة 1967 وما تبعها من انحسار للمد القومي العربي قد أفضت بين نتائج أخرى, الى اضعاف المفهوم القومي للصراع, وعززت في الوقت ذاته كلا من المفهومين الوطني الفلسطينيى والاسلامي, ومن آيات ذلك سيطرة حركة التحرر (الوطني) الفلسطيني على منظمة التحرير وتعديل الميثاق القومي الى الميثاق (الوطني) الفلسطيني, ونمو التيارات الاسلامية الداعية لملء فراغ الهزيمة القومية بالبديل الديني. و كان ظهور حركة المقاومة الاسلامية (حماس) بين حركات اسلامية أخرى كالجهاد.. ذروة هذا الاتجاه. والشاهد أن تقدم المفهومين الوطني والديني للصراع بالتوازي استمر وتصاعد بوتيرة أقوى بعيد حرب أكتوبر , 1973 التي كانت تقريبا آخر مظاهر التعامل مع الصراع من منظور قومي بشكل رسمي وعملي, هذا في حين كانت الانتفاضة الكبرى (1987-1992) أبرز مظاهر حلول المفهومين الآخرين. ولعل الانتصار الاسرائيلي في حرب ,1967 كان بدوره مسئولا عن تجديد واستجلاء البعد الديني للصهيونية, فقد نظر كثير من الصهاينة اليهود وغير اليهود لذلك الانتصار على أنه تطبيق للوعد الالهي, لاسيما بعد احتلال القدس, واستمر صعود التيارات الدينية الصريحة في اسرائيل بعد ذلك الى أن تبوأت مركز الصدارة في تحديد وجهة الدولة, على النحو الذي نسمع ونرى في الوقت الراهن. على أن المفهوم العام للصراع لدى القوى الشعبية والتيارات الفكرية العربية والفلسطينية شيء وما تتبناه الأنظمة العربية الحاكمة شيء آخر مخالفا نسبيا, ويصدق هذا التجافي على الوقت الراهن أكثر من أية مرحلة من مراحل الصراع, ففي الخمسينيات والستينيات, حدث نوع من التلاقي الشعبي والرسمي بشكل ملحوظ على تعريف الصراع بالمعاني القومية. فيما الوضع الآن يبدو مغايرا.. إذ تنحاز القوى الشعبية في جلها للمفهوم الديني على الرغم من سيطرة مقولة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي على صعيد النظم, وفيما نتصور فإن هذه المقولة تعزل عن الطرف الفلسطيني مددا عربيا اسلاميا كبيرا, مطلوب لتحقيق الأهداف الفلسطينية حتى في اطارها الوطني, كما أن اسرائيل ومحازبيها الدوليين يفضلون هذا التضييق لنطاق المواجهة, ويعملون على تكريسه في غمرة عملية التسوية وفكرة المسارات التفاوضية. وفي تصورنا أيضا, أن هبة الأقصى, والاقتراب من حسم قضية القدس, يمثل مدخلا لاعادة تعريف الصراع الصهيوني العربي على نحو أكثر موضوعية, وهو أنه صراع بالمعاني الوطنية الفلسطينية والعربية القومية والدينية الحضارية (اسلامية ومسيحية شرقية), ضد غزوة استيطانية, لا تقتصر اطماعها وخطورتها على دائرة من هذه الدوائر. يكاد نداء الأقصى أن يفعلها, بتلاقي كل التيارات الكبرى في الإطار الحضاري العربي الاسلامي, على درء الحظر الصهيوني, ولا يبدو أن التحالف الصهيوني الاستعماري يدرك أي تداعيات كبرى يمكن أن تنجم عن هكذا نداء ومواجهة. بقلم: د. محمد خالد الأزعر/ كاتب فلسطيني ـ القاهرة