بعد ستة ايام, وبالضبط في السابع من هذا الشهر, تبدأ الانتخابات الرئاسية الامريكية التي توقعت الكثير من التحليلات ان تكون لصالح المرشح الجمهوري جورج بوش الابن أو (الصغير) كما يدعى. والواقع, ان المرشحين رغم اختلافهما في المطروح من برامجهما الانتخابية الا انهما يلتقيان في نقاط كثيرة تصل إلى حد التشابه في الموقف. ويرجح المحللون فوز بوش على جور بفارق طفيف لسببين: * اولهما: ان بوش يتمتع بشخصية (كاريزمية) شديدة الجاذبية وهي الشخصية التي تعجب الجمهور الامريكي بصفة عامة. * وثانيهما: ان الشعب الامريكي بطبيعته يحب التغيير وهو لن يتحمل فترة ثالثة للحكم الديمقراطي اذ تكفيه ولايتان ـ ثماني سنوات ـ للحزب الديمقراطي. وقبل الدخول إلى شخصية المرشحين وبرنامجهما ورؤية المحللين المختلفة حولهما, يجب ان نذكر ان الحزب الجمهوري في عهدي ريجان وبوش الاب حكم ثلاث ولايات سبقه الديمقراطيون ثم عاد الديمقراطيون للحكم فترتين في عهد كلينتون, ويبدو انها معادلة يتناوب بينها الحزبان الحكم مما يشير إلى ان الانتخاب عملية مرسومة بدقة سياسية شديدة تستند إلى قوانين لعبة المصالح. ورغم ان كثيرين لا يفضلون فوز بوش خارج الولايات المتحدة الامريكية, الا ان المرجح داخليا انه سيحظى بفرصة في الرئاسة, لكنه مع كل الصخب الذي اثاره حول برنامجه الاقتصادي لن يستطيع ان يغير ما حققه كلينتون من انجازات اقتصادية عبر الاعوام الثمانية السابقة مثلما لن يستطيع الثبات على الرخاء الاقتصادي الحالي, وذلك سيجلب خيبة امل كبيرة للناخب الامريكي. ويلاحظ في كل المناظرات التي حدثت بين المرشحين جور وبوش ان الاول كان يمتلك دقة علمية في ادارة الدولة وتشخيص مشاكلها ووضع السياسات التي رأى انها مناسبة كلها من واقع خبرته العملية, بينما بدا الثاني كما كتبت احدى مستشاراته (هلامي الاحلام) فقد كان ينأى عن التفسيرات والتفاصيل قدر المستطاع لقلة اجندته أو لنقل انعدامها. المحللون والمراقبون الذين ركزوا على احتمالات كبيرة لفوز بوش ولو بفارق طفيف ذهبوا إلى حد رسم سياسته التي سيدير بها البيت الابيض والتي ستحاكي اسلوب رونالد ريجان في الادارة والتأثير مستندا إلى بعض الاسماء الكبيرة ممن ساهموا ضمن ادارة والده. وبوش يعتمد مثل ريجان بشكل كبير على مستشاريه الموثوقين لتشذيب وصياغة قراراته, فهو يرسم اهدافه ويترك التفاصيل للاخرين, وهو ينوي بعد ذلك ان يضع القليل من الاولويات ويركز عليها, وعلى سبيل المثال الدفاع, التعليم, والصحة, فماذا يطرح المرشحان؟ بوش وجور بينما يغرق جور في خبرته بالسياسة الخارجية, يطفو بوش على ضحالة معرفته بالشئون الخارجية, وتلك نقطة حاول ويحاول الديمقراطيون النفاذ منها والتي اثيرت حولها انتقادات كثيرة. وبينما يدعو بوش لاحياء حرب النجوم الامر الذي يدفع جور إلى اتهامه بانه (حبيس عقلية الحرب الباردة التي تعامل الصين وروسيا كعدوين) يدعو جور إلى السلام ولو بمنطق كلينتون. استند برنامج بوش الانتخابي على نقاط رئيسية حاول ان يغطي بها خارطة الولايات المتحدة الامريكية: استراتيجيات وسياسات (سياسة داخلية وخارجية), واقتصاد وترتكز بشكل رئيسي على: * إحياء موضوع حرب النجوم الذي كان قد تبناه ريجان عام ,1981 فهو يسعى لان تمتلك بلاده اسلحة تهيمن على ساحة القتال في المستقبل تسمح لامريكا بان تصير وتظل هي الرائدة في اعادة شرح مفهوم السلام بالقوة, وهنا هو يعارض الحظر الشامل لتجارب الاسلحة النووية مما سيؤدي إلى تهديد الاستقرار في فترة ما بعد الحرب الباردة خاصة وان دولا مثل روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وباكستان لديها رصيد واسع من الاسلحة النووية. وفي نفس الاطار يدعو بوش الى اقامة مخطط دفاعي نووي لمواجهة الصين وروسيا على انهما عدوان معلنا ان (الردع سيبقى الخط الاول للدفاع ضد الهجوم النووي). * المبدأ الرأسمالي راسخ في برنامجه الاقتصادي ويعده المدخل لتحسين حالة الفقير والمشرد اذا ما الغيت الضرائب عن الشركات, وهنا هو يلغي الضرائب عن فئة معينة ليزيد الاثرياء ثراء ومبرره هو مضاعفة حجم ارباح اصحاب المال والاعمال فيستثمرون بعضها بانشاء اماكن عمل جديدة. * التعليم ويريد بوش تخصيص جزء من فائض الميزانية المتوقع لدعم الاسر الفقيرة مباشرة لتنقل اطفالها من المدارس الرسمية إلى المدارس الخاصة, وهو يشترط ان يبقى الطلاب في المدرسة ثلاث سنوات حتى تأتي هذه الاموال. * يطرح بوش بشكل متكرر انه لا يريد ان تصدر الحكومة الفيدرالية تعليماتها وهو يريد ان يوحي بامكانية اعطاء الولايات الحق باتخاذ القرار في القضايا الداخلية كالتعليم والصحة والبيئة. * في التأمين الصحي لا يريد بوش نظام تأمين صحي شاملا يوفر للفقير امكانية العلاج , لكنه يريد ان يضع برنامجا لتوفير الخدمات الصحية للمسنين وتوفير ـ ادوية لهم مشيرا إلى ان خفض الاسعار يضر بقدرة امريكا على البحوث, ويعترض على فرض رقابة على الاسعار ثم يعود إلى ضرورة السماح بقانون جديد يوفر ويصلح النظام الصحي. * في السياسة الخارجية يريد بوش كما أشرنا إلى احياء الحرب الباردة عن طريق طرح فرض معارضة لأية قروض من صندوق النقد الدولي لروسيا وتأييد نقل سفارة امريكا إلى القدس مع دعم الاسرائيليين, وسحب قوات امريكا من البلقان الذي ناقض به ما سبق ان طرحه من تأييد التدخل الامريكي في كوسوفو, الخ. * الزراعة, البيئة, التكنولوجيا والاقتصاد الجديد, كلها مقترحات تزيد فداحة التضخم في ميزانية الدولة وتزيد البطالة والفقر وتهدم الانعاش الاقتصادي الذي تمثله الحقبة الحالية. اما المرشح الديمقراطي جور فقد استند في برنامجه إلى: * المرور من نفق معاهدة حظر التجارب النووية الشاملة. * دفع الديون المترتبة على الولايات المتحدة للامم المتحدة. * تمويل العمليات الخارجية. * التعليم وخفض الضرائب وانشاء ميزانية لحماية البيئة. وآل جور يرفض بشدة (هالة الحرب الباردة التي يريد بوش بعثها واثارتها من جديد) فهي تخلق جوا من التوتر وعدم الاستقرار وهو في هذا يستند إلى قول خبراء منهم جون وولف شتال الخبير في مراقبة الاسلحة في احد مراكز السلام الدولية بواشنطن: (كلما سعيت بشراسة تجاه الدفاع, قل استقرار اجهزة الامن العالمية). دبلوماسية جور تشكل نقطة دفاعه الاولى والمثلى في اعتقاده للامن القومي وهو يريد ان يبرهن للامريكيين انه لا مجال للانعزالية التي ينادي بها الجمهوريون والتي اصبحت خاوية المحتوى. ومن ايمانه الشديد بالدبلوماسية نجد ان همه الاول الاقتصاد, فالهيمنة الاقتصادية عند جور تسبق الهيمنة الاستراتيجية, ويذكر ان الحزب الديمقراطي الذي يمثله جور شهد انتقالا ملحوظا من اليسار إلى الوسط في ظل رئاسة كلينتون فتغيرت الرؤية التقليدية للحزب الديمقراطي المعروفة بمناصرتها للطبقات الفقيرة. اما في معالجة المشاكل الداخلية ففي الصحة يرى جور انه ينبغي ان يصلح نظام التأمين الصحي ليتمكن الفقراء من ايجاد العلاج المدعوم وهو يعد بانه سيجعل امريكا كلها في اربع سنوات تتمتع بالتأمين الصحي. ثم يقول: سأملأ الفجوات الاخرى بمساعدة الفقراء والاسر الفقيرة, ودعم اصحاب الاعمال الصغيرة, وكبار السن الذين سيتمكنون من الحصول على التأمين الصحي. وهو هنا يدعم رقابة على اسعار العلاج والادوية لتتوفر للمواطنين. برنامج التعليم لدى جور معقول وهو يدعم اصلاح المدارس ومنح الفرص للجميع لضمان حصول كل امريكي على التعليم المناسب والتدريب الذي يمكنه من احتراف عمل شريف يعتاش منه. وفي الزراعة هو يدعم الريفيين عكس بوش الذي يلغي دعم صادراتهم الزراعية وفرض ضرائب عليهم. وجور لا ينادي بعد ذلك بتوسيع دائرة السلام لكنه يدعو على سبيل المثال الاسرائيليين والعرب لتعميق علاقاتهم من خلال نشر جو من التسامح لذا فهو يدعم برنامج (بذور السلام) بينما يتطرف بوش إلى حد اتخاذ مواقف اسرائيلية قد تقوض السلام. وبشكل عام نجد ان المرشحين الرئاسيين يتفقان في الثوابت ويختلفان في النهج, فكلاهما يهدف إلى اشباع غرور وكبرياء الناخب الامريكي مع اختلاف الوسائل لبلوغ هذه الغاية, ويرى بوش ان تحقيق الهيمنة الاستراتيجية هو السبيل لهذا الغرض, بينما يرى جور ان تحقيق الهيمنة الاقتصادية هو السبيل اليه. ويمكن الاشارة ايضا إلى ان كلا الحزبين رأسماليان وعريقان ولم تصل الفروق بينهما ابدا إلى المقدار المعروف من الفروق بين احزاب اليمين واليسار في البلدان الاوروبية. مغالطات انتخابية ينبغي النظر إلى ما تطرحه هذه البرامج التي لا ترقى إلى كونها اكثر من مغالطات انتخابية, وهي تشمل ما يختص بقطاعات: التأمين الصحي, اوضاع التعليم, البطالة, النمو الاقتصادي, الفقر والتشرد. ففي قطاع التأمين الصحي تفيد التقارير ان اصلاح شبكة التأمينات الصحية كان اهم اهداف شعارات الديمقراطيين قبل ثماني سنوات, وهو ما لم يعد له وجود في البرنامج الرسمي للحزب الديمقراطي حتى وان تردد في كلمات الدعاية الانتخابية على لسان آل جور, وهو ايضا لا يتردد على لسان بوش, والاثنان يقتربان من بعضهما في هذا القطاع مع اختلاف بسيط يتعلق بالوسيلة اليه بمعنى هل تشارك الدولة بشكل اكبر ام تحول جزءا من الضمانات للقطاع الخاص. وفي تحسين اوضاع التعليم يشير المحللون والمراقبون إلى ان هذا الطرح كان قبل ثماني سنوات ضمن اولويات كلينتون الذي يشار إلى انه حقق اكبر انجاز فيه بادخال الحاسوب والشبكة للمدارس الامريكية, اما سائر مشكلاته المعروفة من عدد المدارس والمدرسين ورواتبهم وفرص التعليم وغلاء هذه الفرص فهو مازال اقل من الطموح وكلا المرشحين جور وبوش لا يختلفان كثيرا في طرحهما, فجور يريد تخصيص جزء من فائض الميزانية المتوقع لدعم تدريب اطفال الاسر الفقيرة في المدارس الرسمية, بينما يريد بوش تخصيص ذلك لدعم الاسر مباشرة. اما بالنسبة للبطالة فان الاحصائيات تقول انها تعد من اكبر المغالطات المطروحة في الساحة الاقتصادية الامريكية, ولا يتوقع ان يطرأ عليها تغيير, اذ بلغ عدد العاطلين 18 مليون عاطل بزيادة 11 مليون عاطل منذ بداية عهد كلينتون. وفي هذا الموضوع يرى ليستر ثرو مؤلف كتاب (مستقبل الرأسمالية) ان (عام 1995 وهو منتصف عهد كلينتون وفق الارقام الرسمية عادلت البطالة فيه 7.5% اي سبعة ملايين ونصف المليون عاطل, واعطت القوانين في عهد كلينتون بالفعل فرصة الحصول على مكان عمل لكن الواقع ان ذلك كان شكلا تخييريا بين اشد درجات الفقر والجوع والتشرد وفق المقاييس الامريكية, وبين العمل بأجر زهيد لسد الرمق جزئيا وظروف قاسية لا تلغي الفقر وان وفرت للشركات قوى عاملة بتكاليف منخفضة). على صعيد الاقتصاد فان مصادر حكومية اعلنت منذ بداية عام 2000 انها تتوقع تراجع بنسبة النمو الاقتصادي وارتفاع نسبة البطالة مجددا وهو ما يؤكده انخفاض مؤشر النمو في الشهور الثلاثة الماضية. يضاف إلى ذلك مشكلة التشرد اذ بلغ عدد المتشردين في امريكا ثلاثة ملايين تقريبا وتتوقع المصادر الرسمية وغيرها وصول عددهم إلى سبعة ملايين عام ,2005 ويرتبط بها انتشار الجريمة وآثارها الاسرية. وفي المقابل مع ازدياد الفقر والتشرد والبطالة والجريمة, ازداد عدد الاثرياء حتى وصل في عهد كلينتون اضعاف ما كان عليه عام 1990 والذين سيزدادون ثراء اذا ما حل بوش رئيسا, رغم ان جور لن يقلل من عددهم ولن يصحح الوضع عكس بوش. بقي ان نشير إلى ان الاصوات الاكثر تأثيرا في الانتخابات بالاضافة لاصحاب الشركات, اليهود الذين يقدر عددهم بخمسة ملايين, ورغم ان حجم هذه الجالية لم يصل اكثر من 4% من تعداد الشعب الامريكي لكنهم نجحوا مع ذلك في دفع 11 سيناتورا يهوديا في مجلس الشيوخ الامريكي اضافة إلى عدد كبير من الشيوخ الاخرين الذين يدينون لهم بالولاء. ورصدت احصائية نشرتها صحيفة (نيوزويك) الامريكية في عددها الصادر 15 اغسطس حجم الجالية اليهودية في امريكا منذ عام 1897 حيث لم تكن تتجاوز 2.1%, وارتفعت عام 1927 إلى 2% ثم إلى 5.3% عام 1937 وفي عام 1959 وصل الوجود اليهودي ذروته في امريكا بنسبة 7.3% ليأخذ بعد ذلك منحى تنازليا في عام 1979 إلى اقل من 3%, وانخفض عام 1999 إلى 1.2% في ظل الاستيعاب السنوي لمئات الآلاف من المهاجرين الجدد. وقالت الدراسة ان اكثر المدن التي ينتشر فيها اليهود في الولايات المتحدة هي نيويورك التي تضم 000.969.1 يهودي بنسبة تصل إلى 9% من تعداد سكان المدينة ثم لوس انجلوس التي يبلغ عدد اليهود فيها 631 الفا ثم ميامي فورت 354 الفا فشيكاغو 265 الفا. وهؤلاء اليهود يعدون من اعلى الشرائح دخلا ورغم قلتهم فهم الاعلى تأثيرا في اختيار الرئيس الامريكي. القادم اذن للبيت الابيض عليه ان يكون: * حاميا لوطنه وحدوده ضد الصواريخ والارهاب والابتزاز. * يحيي فضائل قوة امريكا العسكرية. * متسيدا ومسيطرا على تكنولوجيا الحرب الجديدة. * واضح الرؤية الواقعية. * لديه حدود للابتسام والتقطيب في الدبلوماسية. * الجيوش والصواريخ عنده لن تتوقف. * داعما لاستراتيجية امريكا ومصالحها واسرائيل والرأسمالية الامريكية. وتبقى امريكا بأجمعها لا تعرف من هو الرئيس المقبل, لكن اليهود وصناع السياسة الامريكية يعرفون تماما من هو رئيس الولايات المتحدة الامريكية المقبل أو لنقل (دمية البيت الابيض) والذي سيحرك العالم بخيوط مربوطة على اصابعه.