تكشف اسرائيل من جديد هذه الأيام حقيقة وجهها الفاشي مسقطة جميع الاقنعة التي حاولت الظهور بها كدولة راغبة في السلام مع (جيرانها) ونجحت في بعض الاحيان في تضليل المطبعين المتعامين عن هذا الوجه الآخر للنازية فكرا وسلوكا والمتمثل بالكيان الصهيوني. وارهاب الدولة الذي تمارسه اسرائيل في حق الشعب الفلسطيني صاحب الارض, منذ بضعة اسابيع, ليس جديدا ولا مفاجئا الا لمن توهم خيرا بباراك وحزبه وظن ان أصحاب السوابق الذين يتناوبون على حكم الكيان الصهيوني سوف يتوبون ويقلعون عن ممارسة الارهاب وارتكاب المذابح فيبيضون وجه المهللين في بعض الاقطار العربية للتطبيع بل (وللشرق الاوسط الجديد) الذي تحتل فيه اسرائيل موقع الصدارة. والحقيقة التي اظهرتها الجرائم الصهيونية في الاسابيع الاخيرة ان نهج الارهاب ليس مرحلة عابرة احتاجها الكيان الصهيوني عند تأسيسه قبل نحو نصف قرن بل هو نهج دائم لعملية تأسيس مستمرة لهذا الكيان المزروع زرعا في المنطقة, دون لفظ المنطقة لهذا الجسم الغريب, ذلك ان الاسرائيليين ما زالوا يظهرون عدم اطمئنان لكل مشاريع السلام والتسوية ولكل التنازلات التي حصلوا عليها من بعض الاطراف العربية ويبدون غير مطمئنين حتى لكل ما حققوه من بنى داخلية اقتصادية وعلمية وتكنولوجية ومن ترسانات عسكرية اذا ما كانوا سينكفئون الى الحدود التي تفرضها شروط السلام العادل والدائم وما يترتب عليها من تنفيذ للقرارات الدولية ومن انسحاب من الاراضي العربية المحتلة وقيام الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين الفلسطينيين... انهم يخشون هذه الاحتمالات ويقاومونها ويجدون فيها تحجيما للمشروع الصهيوني يحمل تهديدا له من الداخل كما في الخارج وبداية لعد تنازلي لهذا المشروع التوسعي اصلا. هكذا توج باراك الارهاب الدموي الذي قاده ضد الفلسطينيين في الاسابيع الماضية بالتهديد بالانسحاب من عملية السلام. وبعد ان رسخ تحالفه مع شارون اسقط كل الاقنعة التي حاول الظهور بها كبطل للسلام وكمعتدل يركن اليه من قبل العرب. ومن التبسيط المبالغ فيه, رد تقرب حزب العمل بقيادة باراك من الليكود بقيادة شارون الى دوافع انتخابية واغفال اللقاء بينهما على رفض السلام والحفاظ على النهج التوسعي ونزعة التفوق العنصري على العرب ذات الطابع النازي باعتراف بعض اليهود بالذات. ففي خضم مفاوضات السلام ومقارنات بعض العرب بين العمل والليكود ومفاضلتهم هذا على ذاك لاحظ مؤرخ يهودي يدعى (زيمران) نمو ظاهرة التطرف في اسرائيل مؤكدا تماثل الصهيونية والنازية, وفي حديث صحافي له عام 95 تحدث عن الممارسات الصهيونية بالمقارنة مع نظيرتها النازية فقال: (إن لدينا اعذارا افضل لنتصرف على النحو الذي نتصرفه لكن في كل واحد منا وحش ايضا, وإذا ظللنا نؤكد اننا معذورون دائما فإن ذلك الوحش يكبر) واضاف المؤرخ اليهودي (ثمة قطاع واسع من السكان اليهود لا اتردد في تعريفه على انه نسخة عن النازيين الالمان... انظروا الى اولاد المستوطنين اليهود في الخليل انهم يشبهون تماما الشبيبة الهتلرية فمنذ طفولتهم يشربونهم فكرة ان كل عربي سيء وان كل من ليسوا يهودا هم ضدنا ويجعلون منهم اناسا مصابين بالذهان الهذياني). هذا الشعور النازي بالتفوق تضخم بالفعل وتجسد وحشا ضاريا يحاول افتراس ضحيته في كل مكان في الضفة والقطاع وفي الاراضي المحتلة عام 48 وفي تهديده للبنان وسوريا وتلويحه باستئناف جرائمه البشعة الممتدة في بيروت الى قانا. اليهودية ــ النازية حسب تعبير كاتب يهودي آخر كشفت عن وجهها من جديد في تحالف باراك شارون. فعادت الصهيونية الى مشروعها الاصلي التوسعي, والذي لم تتخل عنه يوما مخيبة دعاوى المطبعين الشرق اوسطيين عندنا الذين ما زالوا يكابرون ويأبون الانكفاء في الحين الذي ينكفىء في اسرائيل دعاة السلام ويخلون الساحة لمصلحة اجماع نازي عنصري توسعي ليخوض معركة قد تكون اخطر من معركته في الاربعينيات والتي اسفرت عن انشاء اسرائيل وعلى مرتكزات الاحتلال والتوسع والارهاب والاستيطان وتزوير التاريخ. هذه المرتكزات التي يجدد قادة العمل والليكود الاثبات بأنها القاعدة الدائمة للمشروع الصهيوني. وان ينعت هذا المشروع بالنازية فليس في الامر تجنيا او انفعالا. فعدا عن وصف بعض المثقفين اليهود الصهيونية بهذا النعت وعدا عن الممارسات والمبادىء العنصرية التي قامت عليها اسرائيل وتمضي في اعتمادها فإن الوثائق التي اخذت بالظهور في السنوات الاخيرة تؤكد تكامل الصهيونية مع النازية والفاشية وتكشف الصلات التي قامت بين قادة الحركة الصهيونية وبين هتلر وموسوليني منذ العشرينيات حتى مطلع الاربعينيات وزيف الادعاء ان الصهيونية ناهضت الفاشية والنازية. وقد اعترف نحوم جولدمان في مذكراته انه تلقى وعدا من موسوليني في العشرينيات بمساعدة الحركة الصهيونية على إقامة دولة يهودية. وبعد ذلك ومنذ مطلع الثلاثينيات بدأ التعاون بين قادة الحركة الصهيونية والحزب النازي في المانيا على قاعدة ان الحركتين تتكاملان نظرا لأنهما تتبنيان المبدأ نفسه وهو مبدأ النقاء العرقي. وقد وصل بعض المتعاملين مع النازية الى اعلى المناصب في اسرائيل ومن اشهر هؤلاء اسحق شامير الذي تولى رئاسة الوزراء ورئاسة حزب الليكود. وبات معلوما ان شامير اوقف عام 1941 على يد السلطات البريطانية بتهمة التعامل مع الالمان. شامير هذا اعترف بكذب المزاعم بأن اسرائيل انشئت كي تكون ملجأ لليهود المضطهدين في العالم ولا سيما على يد النازية وذلك عندما اكد ان اكثرية المهاجرين الى الكيان الصهيوني عند انشائه كانوا من اليهود العرب. وقد ثبت فيما بعد ان الحركة الصهيونية قادت عمليات ارهابية ضد اليهود العرب لدفعهم للهجرة الى اسرائيل. فضلا عن ذلك مارست الصهيونية تمييزا داخل الطائفة اليهودية في ألمانيا واختطفت النخبة من رجال الاعمال والشبان الاكفاء وعمدت على نقلهم الى فلسطين وتخلت عن عامة اليهود. بل يذكر المؤرخون محاولة الصهيونية منع بعض هؤلاء من اللجوء الى خارج المانيا ويتحدثون عن تواطؤ نازي صهيوني في هذا الصدد اذ كان هم القيادة الصهيونية انقاذ القلة من اليهود التي تفيدها في بناء دولة عنصرية متخلية عن عشرات الآلاف ممن يشكلون عبئا على هذه الدولة. اما موضوع الابادة التي تعرض لها اليهود على يد النازية, فبعيدا عن السجال حول المحرقة النازية ومدى المبالغة اليهودية في عدد ضحاياها فإن اليهود لم يكونوا وحدهم ضحايا الحرب العالمية الثانية ثم ان المشكلة ليست مشكلة ارقام حسبما اشار المفتي العام في سوريا الدكتور الشيخ محمد كفتارو بل المشكلة في استغلال هذا الموضوع اعلاميا لتخدير مشاعر الناس نحو جرائمهم المعاصرة لذلك هم يحرمون فتح هذا الموضوع. من زاوية اخرى فإن الاسس العقائدية ــ التاريخية لقيام اسرائيل تنقضها عدة مقاييس, فضلا عن تشكيك العلماء في وجود (اسرائيل القديمة) فإن الادعاء ان فلسطين هي ارض شعب اسرائيل منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد وتبني الغرب لهذا المنطق يطرح قاعدة خطيرة لبناء الدول اذا ما عممت فإنها سوف تنسف العديد من الدول الحديثة وفي طليعتها الدول الامريكية اذ تؤكد شرعية حكم امريكا من قبل سكانها الاصليين وحقهم في استرداد القارة من الوافدين الاوروبيين الذين سيطروا عليها بعد اكتشافها من قبل كولومبوس. ان امريكا لم تكن امريكا الا منذ استعمرها الاوروبيون ومارسوا فيها شبه ابادة لسكانها الاصليين وعلى مناصري اسرائيل واللوبي اليهودي وتطبيقا للقاعدة الاصولية التوارتية ان يبادروا الى تسليم الدول التي انشأوها الى سكان امريكا الاصليين كي يكونوا منسجمين مع انفسهم ومنطقهم. لكن حقيقة الامر ان الاستناد الى التاريخ القديم وتزويره واسباغ هالة من القداسة على المشروع الصهيوني لا يخفى كونه مشروعا استعماريا وباعتراف هرتزل نفسه الذي قال عن برنامجه لانشاء دولة اسرائيل (اني لا انقاد الى دافع ديني. ان برنامجي برنامج استعماري). وقد وظف هذا المشروع لخدمة الاستعمار الانجليزي ثم جُير لخدمة الهيمنة الامريكية ووظف كأداة من الادوات التي اتكأت عليها الولايات المتحدة لوراثة النفوذ الاوروبي في المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الثانية التي احتاط القادة الصهاينة خلالها فتقربوا من الفاشية والنازية. والملفت حسبما يورد مؤرخو تلك الفترة ان امريكا زايدت على بريطانيا في دعمها قيام اسرائيل وتوسيع حدودها ودفعها الى ان تكون دولة مركزية في المنطقة. والمفارقة ان يحاول بعض الاوروبيين الآن استرداد نفوذهم في المنطقة من الباب العربي لكنها محاولة ما زالت مترددة على ما يبدو وخاضعة للقيود الامريكية. بقلم: سامي العياش _ كاتب سياسي لبناني