اكد الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة رفيق الحريري لـ (البيان) انه سيعلن ولادة الحكومة: في اية لحظة, رغم كل الاشكالات, وستكون حكومة وفاقية شاملة تنهض بالاقتصاد, وتحصن الجبهة الداخلية في مواجهة التهديدات الخارجية المفتوحة, وتسهر على صون العلاقات الافضل والاقرب مع الاشقاء العرب والاصدقاء في العالم. كلام الحريري جاء ليلا, وسط (اشتباكات سياسية) حول الحكومة المرتقبة, لم يسلم منها القصر الجمهوري نفسه, رغم الحياد الواضح الذي التزم به الرئيس اميل لحود حيال جميع الاطراف, وهو يؤكده يوميا من موقع المكره على تجديد اعلان ذلك, ردا (على حملات وافتراءات) حسب تعبيره. لحود يتهم وفي هذا الاطار يبدي لحود استغرابه لما يسميه: بعض ردود الفعل التي صدرت خلال الايام الثلاثة الاخيرة مستبقة تشكيل الحكومة, ومتجاوزة الاصول الدستورية التي تحكم عملية تأليف أية حكومة جديدة. وعلمت (البيان) ان لحود قال لزائريه امس: ان المرحلة الراهنة تتطلب تعاطيا مسئولا وارتفاعا فوق الحسابات الضيقة التي تدفع البعض الى اطلاق مواقف متناقضة تتبدل بتبدل الزمان والمكان, او وفق الحسابات الشخصية للربح والخسارة, في حين ان المفروض ان يكون الرابح الحقيقي هو الوطن والشعب الذي يتطلع الى قيام حكومة تأخذ في الاعتبار الواقع السياسي في البلاد, وتكون قادرة على مواجهة المرحلة المقبلة بكل تحدياتها. واضاف مؤكدا ان رئاسة الجمهورية: تقف على مسافة واحدة من جميع المتعاطين بالشأن السياسي الذين عليهم, في المقابل, ان يأخذوا في الاعتبار النصوص الدستورية والاعراف المعمول بها ولا سيما في مجال تشكيل الحكومة. واشار الى: ان المسئولية ليست انتقائية بحيث يتبنى البعض ما يناسبه, ويتنكر لما لا يناسبه, ويلقي على الآخرين تبعة ما يكون قام به او سعى اليه, في حين ان الظرف الراهن يتطلب التزاما واضحا يتناسب وحجم المهمات الوطنية المطلوبة, حسب لحود. اجواء متناقضة وفي مقابل الموقف الرئاسي الحازم يبرز اضطراب في المعلومات السياسية حول التشكيلة الحكومية, عكس نفسه ليلا من منزل الحريري نفسه الذي سربت اوساطه احتمال ولادتها في اية لحظة, ومن دون تعديلات لاسماء وزراء سبق الاعلان عنها, واشارت اليها (البيان) في حينه قبل اربعة ايام. لكن المفاجىء لدى تلك الاوساط عودة الحديث عن حكومة مصغرة من 14 الى 18 وزيرا, فيما كان المطروح قبل يومين حكومة موسعة من 30 وزيرا وكشفت ان التمثيل المسيحي فيها وضع في العناية الفائقة ليأتي منسجما وتوافقيا, ويؤمن مشاركة فاعلة لمختلف الفعاليات المسيحية. وتقول مصادر مطلعة لـ (البيان) في هذا الاطار ان تعديلا في الاسماء المسيحية سيحصل على تلك التشكيلة الاساسية, وذلك لاسمين مارونيين هما رئيس بلدية جبيل جان لوي قرداحي, والوزير السابق فريد روفايل, ليحل مكانهما نائب من كسروان (تردد انه فريد الخازن), ونائب من منطقة بعبدا (قد يكون حسب ما تردد انطوان غانم او عبد الله فرحات). لكن شيئا ثابتا ونهائيا لن يكون مؤكدا الا في اللحظة الاخيرة, وهذا ما عكسه بعض النواب امس بعد لقائهم بالحريري, ومنهم النائب بطرس حرب الذي اعلن ان الحريري: قد يفاجيء الرأي العام بصيغة تختلف عن الصيغ المتداولة لانه سيعتمد على الاستشارات ونتائجها. كذلك قال النائب محسن دلول ان شعر بان الحكومة (ستكون مصغرة او متوسطة من 14 الى 18 وزيرا وشرح ان الصيغة المصغرة تقوي النوعية وتقدم افضل ماعند كل فئة وتقلل المطالبات والتوزيعات). والواقع ان الحكومة الجديدة, وفق الصيغة المطروحة لولادتها واجهت تفاقم مجموعة من العقد ومن غير الممكن بعد التكهن بطبيعة معالجتها الا اذا حصلت الساعات المقبلة مفاجآت ليست في الحسبان. فعقدة التمثيل المسيحي, وخصوصا الماروني, ارخت بثقلها على مجمل المشاورات واحرجت المعنيين, اذ بدا واضحا ان سقف هذا التمثيل محموم بموقف سوري يتردد انه لا يزال يتسم بتشدد حيال بكركي ويحول دون رفع مستوى التمثيل الماروني في الحكومة. وعقدة التمثيل الدرزي تصطدم باصرار النائب وليد جنبلاط على موقفه الرافض حصر هذا التمثيل به, وبالحزب التقدمي الاشتراكي ويصر على تمثيل (اللقاء الديمقراطي) بوزراء متعددي الطائفة وخصوصا من المسيحيين. وكذلك التمثيل الشعبي لا يبدو في وضع مريح بدليل الاعتراضات العميقة لرئيس مجلس النواب نبيه بري على الحقائب والاسماء فما اخرج (حزب الله) نفسه في اي احتمال لدخوله الحكومة. ولا يبقى سوى التمثيل السني المحصور بالرئيس الحريري نفسه من دون اعتراض احد. ترجيحات اضافية وسط تلك المعمعة تسرب اوساط الحريري صيغة لتشكيلة حكومية من 24 وزيرا جميعهم من النواب, لكن احدا من المراجع العليا لم يؤكد دقة هذا الاتجاه, سوى الاشارة الى احتمال ان تسير الامور نحو تبسيط الانتقال من حكومة مطعمة (من المجلس وخارجه) الى حكومة برلمانية, فيخرج الياس المر ويعود الوزير ميشال المر, ويخرج الوزير كرم كرم ويعود النائب اسعد حردان, ويخرج علي العبدالله ويعود النائب محمود ابو حمدان, ويخرج سمير الجسر ويدخل النائب احمد فتفت. الا ان هذا المسعى لم يتخط في اي حال, سوى فرصة احتمال كان الرئيس المكلف يأمل في نجاحها بغية الخروج من مأزق ما يشار عن التركيبة المسربة. وفي اي حال, كانت التشكيلة المسربة هي الحكومة الجديدة التي تنصل منها المسئولون. وبعيدا عن كل ذلك, ثمة معطيات اضافية: 1ــ لم يبد رئيس الجمهورية, منذ نشرت التشكيلة المسربة, اي اعتراض عليها ولا قال انه يتحفظ عنها. بل ثمة من اصغى اليه يقول انه اتفق والحريري عليها, وهما مصران عليها. 2 ــ يقول رئيس الجمهورية ان ثمة شرطين وضعهما على الحريري قاعدة للتعاون بينهما في المرحلة المقبلة: ــ اولهما عدم ارتكاب الحريري اي خطأ في الملف الاقليمي وخصوصا في موضوع العلاقة مع سوريا. ـ وثانيهما عدم اهدار الحكومة الجديدة مالا عاما في الوزارات والادارات على نحو ما حصل في العهد السابق. سوى هذين الشرطين ابلغ لحود الى الحريري ان تعاونهما مفتوح وهو لن يتدخل في عمله كرئيس للسلطة التنفيذية ويلتزم في الوقت نفسه وقعه الدستوري كحكم بين السلطات. 3ــ يؤكد رئيس الجمهورية ان ردود الفعل التي يبيدها المسيحيون بازاء الاستحقاق الحكومي, كما في سواه من الاستحقاقات الاخرى, يدفع بالوضع الداخلي الى مزيد من التعقيد, وخصوصا في ظل الاوضاع الاقليمية الصعبة, ولذا فهو لن يقدم اي تساهل من شأنه الاضرار باستقرار الوضع الداخلي في سبيل الدفاع عن موقف سياسي. 4ــ اوحت اكثر من محادثة لرئيس الجمهورية مع بعض زواره في الايام الاخيرة انه لم يتدخل في اسماء الوزراء المسلمين تاركا الخيار للرئيس المكلف ولرئيس مجلس النواب نبيه بري اللذين تقاسما اختيار المرشحين السنة والشيعة, من غير اغفال تسميتها مرشحين مسيحيين لبعض الحقائب. في المقابل, وتبعا لمنطق توزع الحصص, كان رئيس الجمهورية اقل المستفيدين من هذا التوزع, الا انه حصل في ظل رعايته تأليف الحكومة بعيدا عن الاضواء, وتاليا فان الحصة الفعلية والمباشرة للرئيس تقتصر على توزير صهره الياس المر الذي اختار بدوره جان لوي قرداحي, فضلا عن ترشيحه نائب حزب الطاشناق سيبوه هوفنانيان. اما روفايل فهو من اختيار الرئيس المكلف وكذلك النائب باسل فليحان, واما الموارنة الثلاثة الباقون, وهم الوزير سليمان فرنجيه والنائبان خليل الخراوي ومخايل ضاهر, فلهم اكثر من موطىء قدم في اكثر من مكان. 5ــ يدعم السوريون التشكيلة المتداولة التي توفر لهم غالبية مرجحة في مجلس الوزراء, وهم تاليا لم يظهروا اي حماسة لاعادة النظر فيها, ولا جاروا الرأي القائل بضعف تمثيلها السياسي المسيحي. 6ــ ليس لدى المسئولين اي وهم وحيال التسمية التي رافقت التشكيلة المتداولة, على معرفتهم المسبقة بان الاسماء التي اختاروها تشكل بالضرورة قواسم مشتركة وموقف دمشق من هؤلاء. ماذا يقول النواب؟ لكن بعض النواب الذين استطلعتهم (البيان) حول الاتجاهات الحكومية رفضوا اي احتمال لضغوط سورية مباشرة, مؤكدين ان الرئيس السوري بشار الاسد ابلغ هذا الموقف للرئيس اللبناني أميل لحود خلال اجتماعهما على هامش القمة العربية الاخيرة في القاهرة, ومشددا على ان تلازم القوة بين البلدين يشبه تلازم مساريهما الموحد والمشترك حيال اسرائيل. ويبدو ان الحريري ممسك بكلمة السر السورية فيقول لـ (البيان): سأشكل حكومة جديدة على طريقتي, وستكون منقذة للبنان, ومقوية له ولسوريا وللأمة في الوقت نفسه. وفي جولة سريعة على اراء 14 نائبا استشارهم الحريري لتشكيل الحكومة عادت (البيان) بالحصيلة الايحائية التالية: * النائب فريد مكاري طالب بان تكون الحكومة باغلبيتها من المجلس النيابي الا في حال الضرورة القصوى, فتكون غير ذلك. * ودعا النائب بيار الجميل الى ان تكون الحكومة حكومة انقاذ وطني, مشيرا الى ان من المفروض ان يكون هناك تمثيل صحيح. * واعتبر النائب جمال اسماعيل ان رفع الحرمان عن مثلث الحرمان: عكار ــ الضنية ــ بشري يجب ان يكون من صلب البيان الوزاري. * واكد النائب بيار حلو ان القضية ليست قضية اشخاص بمقدار ما هي قضية برامج وافعال. * وتمنى النائب مصباح الحدب ان تكون هناك حكومة تعكس نتيجة الانتخابات النيابية وان توحي بالثقة وان تكون شاملة لقوى غير ممثلة في الحكومة الحالية. * واعرب النائب بطرس حرب عن امله في ان يأتي فريق عمل قادر على مواجهات التحديات الاقليمية والمسائل السياسية والاقتصادية. * وتمنى النائب جان عبيد ان تكون السمة الغالبة لهذه الحكومة برلمانيتها, وان تكون المشاركة شاملة من اقصى اليمين الى اقصى اليسار. * وقال النائب محمد يحيى ان الحكومة يجب ان تكون مرآة للعملية الانتخابية. * وطالب النائب يوسف المعلوف بتشكيل حكومة برلمانية قوية تتصدى للحال الاقتصادية الصعبة, وتكون لها ثقة عند الشعب. * واشار النائب احمد فتفت الى اهمية ان تكون الحكومة تمثيلية في شكل فاعل للقوى السياسية التي انتجتها الانتخابات , وان تكون متوازنة . * ودعا النائب كريم الراسي الى تشكيل حكومة سياسية معبرة عن التمثيل الشعبي. * ورأى النائب محسن دلول ان الحكومة ستكون مصغرة اي بين 14 و 18 وزيرا وقال انها يجب ان تحدث ارتياحا لدى الناس. * وطالب النائب خليل الهراوي بحكومة تردم الهوة بين المواطن والمسئولين والقوى السياسية. * وقال النائب محمد علي الميس ان المسئولية الملقاة على عاتق هذه الحكومة كبيرة جدا, وعلى الجميع تحملها. بيروت ــ وليد زهر الدين: