خضعت الجوانب السياسية المتعلقة بانتفاضة الاقصى لتغطية مكثفة خلال الاسابيع الدامية الاخيرة, ولكن ماذا عن النتائج الاقتصادية للانتفاضة؟ ثم ماذا عن قدرة الدولة الفلسطينية الجديدة ـ حال اعلانها ـ على بناء اقتصاد متماسك نسبيا, بعد قطع كل صلة باسرائيل, وهو الامر المتوقع اذا ما اعلن عرفات قيام الدولة بدون موافقة اسرائيلية مسبقة؟ لقد تمكن الاحتلال الاسرائيلي من ادخال تشوهات هيكلية باقتصاد الضفة الغربية وغزة, ثم انه ألحق قطاعات من هذا الاقتصاد بصورة كاملة تقريبا بالاقتصاد الاسرائيلي, ويعني ذلك انه لابد من اجراء عملية جراحية معقدة لقطع هذه الصلات, وبناء اقتصاد قادر على ان يقف على قدميه على نحو مستقل تماما. الا ان هذه العملية تتطلب توفر شروط مسبقة عديدة كي تنجح, من هذه الشروط قدرة الاردن على مساندة الاقتصاد الفلسطيني في هذه المرحلة العصيبة, ثم ان منها حجم الاموال التي ستتدفق على الاراضي الفلسطينية خصوصا من دول الخليج التي تعهدت بتقديم كل دعم ممكن, ثم ان منها ايضا قدرة اوروبا على انهاض هذا الاقتصاد الذي لابد سيخرج من كهف الاحتلال وهو يعاني من حالة ترنح وربما عجز كامل عن السير. طرحت (البيان) هذه القضية امام البروفيسور بيتر ماتيوس خبير الاقتصاد في جامعة جورج تاون الذي سبق له ان وضع العديد من الدراسات خلال النصف الثاني من التسعينيات حول الاقتصاد الفلسطيني, منها على وجه الخصوص (ورقة) لفتت انظار كثيرين صدرت عام 1998 تحت عنوان (مشكلات الاقتصاد الفلسطيني, دور المجتمع الدولي). دار الحوار مع ماتيوس على النحو التالي: * تتابعون بالتأكيد اخبار الانتفاضة الفلسطينية الحالية, كيف ترون تأثير ما يحدث على اقتصاديات الضفة الغربية وقطاع غزة؟ ــ انه تأثير هائل لاشك في هذا, والمؤسف ان كثيرين يتناسون ان الاوضاع الاقتصادية الفلسطينية قبل الاحداث الراهنة كانت بالغة السوء, بل ان هذه الاوضاع لعبت دورا فيما يحدث, فالفلسطينيون كانوا يعانون معاناة حقيقية ومن احباط اقتصادي كامل, وحين يصل شعب باكمله إلى هذه المرحلة فكيف يمكن لنا ان نتوقع استقرارا؟ والمشكلة الان هي ان الاحداث الاخيرة ستسفر عن المزيد من تدهور اوضاع كانت في الاصل متدهورة, ان وقف ارسال مواد البناء الاسرائيلية إلى غزة والضفة يعني توقف العمل في هذا القطاع الحيوي بالنسبة للعمالة الفلسطينية, كما ان وقف نقل الاسماك من غزة إلى اسرائيل, والمحصولات الزراعية من الضفة إلى اسرائيل يعني تعطل قطاعين اخرين بالغي الاهمية, فضلا عن هذا فان منع العمال الفلسطينيين من العمل في اسرائيل يؤدي بدوره إلى زيادة الضغوط الاقتصادية إلى حد لا يحتمل, ولكن لنتحدث بالارقام. ارقام البطالة في الضفة الغربية في العام 1999 وصلت, حسب الاحصائيات الاسرائيلية, إلى قرابة 10%, ونحن نعتقد هنا ان الرقم الحقيقي, ادا ما حسبنا كافة اشكال البطالة المقنعة والاعمال الموسمية, يصل إلى نحو 16%, اما في غزة فان الارقام الاسرائيلية ايضا, وصلت إلى 17%, ونعتقد ان الرقم الحقيقي يتراوح بين 19 إلى 20%. كان هذا هو الحال قبل الاحداث الاخيرة, اما الان فاننا نعتقد ان رقم البطالة في غزة ارتفع إلى نحو 63%, وان هذا الرقم في الضفة الغربية وصل إلى ما يتراوح بين 35 إلى 40%, انها ارقام مقلقة من الوجهتين الانسانية والاقتصادية, ثم انها ـ من الوجهة السياسية ـ لا تعد بأي استقرار في القريب العاجل. * رغم ذلك فقد قيل ان الناتج القومي الاجمالي في العام 1999 في الاراضي الفلسطينية زاد بنسبة 4.1%؟ ـ هذا صحيح, ولكن لا ينبغي عليك ان تتعامل مع رقم الناتج القومي الاجمالي بمفرده, ان عليك ان تنسبه إلى الزيادة المتحققة في حصة الفرد الواحد من هذا الناتج, فاذا فعلت ذلك فسوف تكتشف ان نصيب الفرد الواحد قد تراجع في الحقيقة بنسبة 2%, هناك اسباب كثيرة لذلك, ولكن هذا هو الواقع. * وماذا عن الارقام المتعلقة بأثر الاحداث الاخيرة بصورة مباشرة؟ ــ كان عدد العمال الفلسطينيين الذين يعملون في اسرائيل يقدر بنحو 125 الف شخص, ونعتقد ان هناك نحو عشرة آلاف اخرين يعملون على نحو موسمي, ويعني اغلاق الطرق امام هؤلاء العمال ان الفلسطينيين سيواجهون وضعا اصعب مما كان, فضلا عن هذا فان 85% من مجمل صادرات وواردات الاراضي الفلسطينية تذهب إلى اسرائيل أو تأتي منها, ويعني اغلاق الطريق امام انتقال البضائع هذا اصابة الاقتصاد الفلسطيني بالشلل الكامل تقريبا, ليس لدينا حتى الان ارقام دقيقة عن مجموع الخسائر اليومية, سواء من جراء توقف العمال عن الذهاب إلى اسرائيل او اغلاق المنافذ في غزة أو وقف التجارة الفلسطينية الاسرائيلية, ولكننا نتحدث هنا عن ارقام قد تتجاوز المليار دولار سنويا اذا استمر الحال على ما هو عليه, بل ربما تزيد عن ذلك طبقا لمدى نجاح الفلسطينيين أو اخفاقهم في الالتفاف حول هذا الظرف الاقتصادي الصعب. * وماذا عن الخسائر الاسرائيلية؟ ــ انها بطبيعة الحال محدودة التأثير على المواطن الاسرائيلي العادي, وذلك بسبب الفارق الكبير في الظروف بين البلدين, اسرائيل مثلا ستخسر نحو 650 مليون دولار على هيئة فائض في ميزانها التجاري مع الفلسطينيين, كما ان بعض الشركات والقطاعات ـ خصوصا قطاع البناء ـ ستتعرض لخسائر جراء غياب العمال الفلسطينيين, ولكن المقارنة لا تجوز, فاسرائيل دولة متطورة نسبيا ولا يمكن مقارنتها بشعب يعاني ظروفا بالغة الصعوبة في مشواره نحو بناء دولته. * هل يمكن اذن في هذه الظروف ان يؤسس الفلسطينيون اقتصادا متماسكا دون الاحتياج لاسرائيل في المستقبل. ـ نعم بوسعهم القيام بذلك رغم انه سيكون اكثر صعوبة بطبيعة الحال, الا انه امر ممكن, المفترض ـ في الماضي ـ ان الاقتصاد الفلسطيني سيلقى دعما من اسرائيل التي تدرك ان الاستقرار الاقتصادي في الضفة والقطاع هو مفتاح استقرار العلاقات الفلسطينية ـ الاسرائيلية سياسيا, والطبيعي في حالات الدول المتجاورة ان تتاجر فيما بينها, فهذا هو الاقرب إلى المنطقة, ولكن الان, بعد الاحداث الاخيرة, اصبح الجميع يعتقدون ان التصور السابق هذا قد لا يكون قابلا للتحقيق الان, ويعني ذلك ان على الفلسطينيين التصدي لمهمة اقامة اقتصاد وطني متماسك دون النظر إلى اسرائيل, انها مهمة صعبة, ولكنها ممكنة. والسبب في قابلية ذلك للتحقق هو ان نسبة المتعلمين بين الفلسطينيين هي الاعلى بين كل الدول العربية, ويتسم الفلسطينيون بعقلية استثمارية, ثم انهم واجهوا صعابا كثيرة تجعلهم قادرين ليس فقط على التقشف, ولكن ايضا على تحمل ما هو دون التقشف. فضلا عن هذا فان تدفق الاستثمارات من الفلسطينيين المغتربين, ومن الدول العربية, خاصة دول الخليج, يمكن ان يساعد كثيرا على مواجهة النقص الحاد في القدرات الاستثمارية الذاتية داخل الضفة والقطاع, الا انني اعتقد ان الدور المحوري سيكون هو دور الاتحاد الاوروبي وذلك من زاويتين, الاولى هي تقديم المعونات المالية والتقنية, والثانية هي فتح ابواب التبادل التجاري مع الدولة الفلسطينية حال اعلانها. المشكلة التي يمكن ان تظهر في هذا السياق هي ان المنتجات الفلسطينية المصنعة تفتقد إلى الحد الادنى من معايير الجودة المطبقة في اوروبا, وفيما يمكن تفهم ذلك, اذ انه يرجع إلى نقص الخبرة والعمالة المدربة وغياب التكنولوجيا المتطورة نسبيا, فان الاسواق الاوروبية لا تستطيع ربما استيعاب هذه المنتجات, من الجهة الاخرى فان قضية استيراد منتجات زراعية في اوروبا هي قضية شائكة, ولكن ما يمكن ان يسهل ذلك هو ان الصادرات الفلسطينية ستكون محدودة للغاية بالقياس إلى حجم السوق الاوروبية. واشنطن ــ عصام الدين عبدالعزيز: