رغم ان تداعيات الاتحاد السوفييتي السابق اجبرته على الاسراع بالوحدة, ورغم تحذيرات الاقتصاديين, الا ان المستشار الالماني السابق هيلموت كول, كان متحمسا لاسقاط جدار برلين ودمج الالمانيتين. وكول الذي يسميه الالمان (شجرة السنديان) كان يتوقع ان يحول اقتصاد المانيا الشرقية الى اقتصاد مزدهر خلال خمس سنوات, لكنه سقط قبل ان تنقضي السنوات الخمس, وكأن الجرافات التي هدت جدار برلين جرفت معها مهندس الوحدة العقيمة. وكلمة عقيمة يطلقها المتشائمون مما افضت اليه الوحدة الالمانية, فقد ازدادت البطالة, وتضخم الاقتصاد وزادت اعباء ديونه, وبينما حولت المانيا عاصمتها الى برلين لم تستطع الايديولوجية الغربية استيعاب ايديولوجيا الشرقيتين ولم يستطع الشرقيون التخلي عن خمسين عاما من مبادىء تغلغلت ونمت وتجذرت اجيالا صلبة وقوية لم تستطع نظرية الرأسمالية استيعابها او تحييدها في الاقل. بعد عشر سنوات على انهيار الجدار البرليني الذي فصل عقودا بين شرقي المانيا وغربيها, بدا الالمان غير معنيين بذكراها, بينما اجتمع القادة الاوروبيون ليهنئوا رئيس المانيا بوحدة بلاده التي ترافقت مع الوحدة الاوروبية, محاولين تزيين الوجه الالماني المثقل بالديون والبطالة والنازية الجديدة. وحده كول بقي في منزله, بعيدا وسط وحول فضيحته المالية يتذكر مقالة الاقتصاديين, ووحده الذي اعترف بانه اخفق تماما في تقدير الجدول الزمني للوحدة الالمانية, فقد ادرك انه ضم الى الجسد الالماني الغربي جسدا مهزوزا ضعيفا واقتصادا مفككا يحتاج الى ثلاثين عاما اخرى على الاقل ليلحق بالغرب الاكثر ثراء. المانيا لم تستطع ان تندمج ببعضها ولا ان تكسر حواجز العزلة بين شعبيها, فالشرقيون لايزالون شرقيين, وبرلين التي توقع لها الخبراء الذين اوهموا كول بالاسراع للاندماج متوقعين لها ان تصبح عاصمة اوروبا الموحدة, تعيش اليوم ركودا اقتصاديا وبرودا بل اصبحت مدينة يكثر فيها الفراغ, شققها تزداد خواء واسواقها يقل مرتادوها. ما يزداد في دولة الالمان هو العنف النازي من جديد والبطالة والديون, حتى وان قالت وزارة ماليتها ان التضخم قد انخفض . تجربة دمج الفكر الاشتراكي والفكر الرأسمالي التي اريد لها ان تنجح على كل الاراضي الاشتراكية والتي تمثل نموذجها في المانيا, اثبتت فشلها فلا يمكن للاشتراكيين ان يكونوا رأسماليين, ولا يمكن للرأسماليين ان يفهموا الاشتراكيين, لا يمكن باي حال من الاحوال تغيير بناء عقود من السنين في عشرة اعوام. لقد سقط الجدار من على ارض الواقع, ومحته جرافات الوحدة, لكنه لا يزال قائما في النفوس بين الشرقيين والغربيين, حتى المدن تحس بثقل وطأته, فهل سقط الجدار حقا؟ انها تجربة اوروبية اخرى تنازع للبقاء وتسقط امامها الخيارات تباعا حتى لا يبقى سوى شبح مرعب للانفصال مرة اخرى. المحررة