سارت المواقف في سلسلة تصاعدية متوالية تجاه القدس منذ الإعلان عن قيام دولة إسرائيل وتقسيم المدينة ثم احتلال القسم الشرقي من القدس وضمها وإعلانها عاصمة لدولة إسرائيل (عاصمة إسرائيل الموحدة والأبدية) هذا هو باختصار الموقف الإسرائيلي, ولا تقبل أي جهة داخل إسرائيل تجاوز هذا الخط هذا من الناحية النظرية ولكن ترديد هذه العبارة من قبل زعماء اليهود يحمل في طياته خوف من أن وضع المدينة رغم كل ما قامت به إسرائيل من سياسية تهويد ما زال لم يحسم بعد, وقد ثارت ثائرة القوى الحزبية الإسرائيلية عندما ذكر الاتحاد الأوروبي إسرائيل أن القدس ما زالت تخضع للقرار 181 وهو ما يعبر عن هذا الهاجس وهو في صلب السياسة الإسرائيلية, وما الاعلان دوماً أن القدس عاصمة إسرائيل الموحدة والأبدية الا لتغطية هذا الشعور بعدم الثقة بأن القدس سوف تبقى موحدة وتحت السيادة الإسرائيلية. ولذلك هنالك اطروحات غير رسمية من أكاديميين إسرائيليين للاعتراف بحقوق الفلسطينيين في القدس الشرقية, بل والاعتراف بدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. إلا أن المواقف العربية المتباينة وغير الواضحة, ومن خلال انعدام ادنى درجة من التنسيق وتوحيد المواقف تجاه قضية القدس وسجل غياب الموقف الاسلامي الموحد مما ادى لتصلب مواقف الإسرائيليين . أن العقلية اليهودية ما زالت تعيش هواجس الخوف والعقدة من الآخر وهو ما يمكن استنباطه من بعض سياسات الحكومات الإسرائيلية فهي تسعى للحصول على اعتراف الآخر بها, واعتراف الآخر أيضاً بما حققته من إنجازات بسبب تفوقها العسكري المدعوم من القوى الكبرى. وهو ما تريده الآن, فهل يمنحها العرب هذا الاعتراف بكل شئ مقابل لا شئ, وهو ما تريده, وهل على العرب دمجها في المنطقة التي عاشت كل الفترة الماضية معزولة عنها, بدون مقابل؟ هذا الهاجس يدور حاليا في خلد دعاة السلام مع إسرائيل سواء من الفلسطينيين أو العرب فرغم كل شيء تبقى القدس هي مفتاح السلام, وهي أيضاً مفتاح الحرب وبدون حل عادل يرضي الجانب العربي ويلبي طموحاته ستبقى عملية السلام حبر على ورق, فهل من الممكن أن يحرم ملياري مسلم ومسيحي من هذا الحق بينما يعطى لـ14 مليون يهودي . من هنا يأتي إصرار إسرائيل على تحقيق تنازلات ذلك لشعورها الداخلي انه بدون اعتراف المحيط العربي بها فستبقى دولة معزولة منبوذة ولن تحقق النصر الذي سعت وتسعى إليه الآن بوسائل مختلفة رغم ما تملكه من ترسانة عسكرية ضخمة, انها عقدة الخوف من الآخر وستبقى كذلك رغم كل اتفاقيات السلام التي توقعها إسرائيل مع العرب, فأن لم تمنح العرب حقوقهم المشروعة وإقامة السلام العادل والشامل, الذي لا يضيع الحقوق التاريخية والدينية للعرب, فكما تستند إسرائيل في ادعاءاتها المزيفة بحقوق تاريخية ودينية, فإن لدينا حقوق تاريخية ودينية ولكنها حقيقة وواقعية تثبتها معالم فلسطين عامة والقدس على وجه الخصوص. التطورات الاخيرة منذ الاعلان عن الاجتماعات السرية في ستوكهولم تسارعت التطورات على صعيد قضية القدس. حيث قدم العديد من الطروحات كان ابرزها: وثيقة ستوكهولم: نصت الوثيقة على ان تبقى القدس موحدة وعاصمة لدولة اسرائيل ولها بلدية يرأسها شخص يهودي, وتنشأ بلديات في احياء القدس الشرقية( العربية) ولها الحق في الادارة الذاتية. * السيادة على المدينة تكون لاسرائيل اما البلديات العربية فتتصل بالسلطة في مواضيع التعليم والصحة والبنية التحتية. * يسمح للجانب الفلسطيني برفع العلم الفلسطيني على المسجد الاقصى. يوضع اتفاق خاص مع الفاتيكان حول المقدسات المسيحية. أما وثيقة الرئيس ياسر عرفات فنصت على ان تكون الاحياء العربية بما في ذلك البلدة القديمة والاماكن المقدسة تحت السيادة الفلسطينية وتكون عاصمة لدولة فلسطين. اما الحي اليهودي ( حي المغاربة, حائط البراق وباب الاسباط) فتبقى تحت السيادة الاسرائيلية بالاضافة الى المستوطنات (معاليه ادموميم, جيلات وراموت). اما المبادرة المصرية: فبعد فشل كامب ديفيد الثانية في التوصل الى اتفاق نهائي نشطت الدبلوماسية من كلا الجانبين لدعم مواقفهما. فشهدت العاصمة المصرية لقاءات واجتماعات مغلقة لوضع تصور وحل لقضية القدس وبشكل خاص البلدة القديمة منها, فقدمت مصر مبادرة لحل قضية السيادة على البلدة القديمة في القدس حيث قدمت البدائل التالية: 1ــ تبقى القدس( المدينة القديمة 9 مجردة من السيادة. 2ــ تكون هناك سيادة مشتركة على الحرم القدسي. 3ــ تقاسم السيادة بين الفلسطينيين والاسرائيليين. اما تطبيق السيادة الالهية على المدينة.(القدس لله) وهي صيغة يخشى البعض إنها وجه آخر للسيادة الإسرائيلية على المدينة . فمن جهتها عادت وثيقة بيلين ــ ابو مازن تطفو على السطح. وهي وثيقة غير رسمية تم التوصل اليها بعد مباحثات سرية بين الجانبين الاسرائيلي برئاسة يوسي بيلين, وزير العدل حاليا والفلسطيني برئاسة محمود عباس ( ابو مازن), واهم ما ورد في الوثيقة بخصوص القدس هو: 1- تبقى القدس موحدة ومفتوحة امام الجميع. 2ــ يكون للحرم الشريف وضع سفارة مع رفع العلم الفلسطيني عليه. 3ــ تظل ادارة المساجد بايدي دائرة الاوقاف الاسلامية ولكن السيادة الفعلية تبقى لاسرائيل. سياسات الغرب تجاه القدس تبنى وجهة النظر الدولية على أساس قرار تقسيم فلسطين رقم (181) الذي أقر بتاريخ 29/11/1947 حيث ينص على ( أن تدويل القدس هو أنسب وسيلة لحماية جميع المصالح الدينية في المدينة المقدسة) واعتبر القرار المدينة منطقة قائمة بذاتها على أن تضم بلدية القدس (إدارياً) مضافاً إليها القرى المحيطة بها (أبوديس من الشرق/بيت لحم من الجنوب) وترتبط بوحدة اقتصادية مع دولتي إسرائيل وفلسطين بعد التقسيم. وفي عام 1967 وبعد حرب يونيو أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا رقم (242) والذي يدعو إسرائيل للانسحاب من جميع الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها منطقة القدس. والقرار 250 بتاريخ 27/4/1968 فقد اعتبر اقامة العرض العسكري الاسرائيلي في القدس سيزيد من خطورة التوتر في المنطقة. اما القرار 251 بتاريخ 2/5/1968 فقد أسف لإقامة هذا العرض. واعتبر القرار رقم 252 بتاريخ 21/5/1968 جميع الاجراءات الادارية والتشريعية التي قامت بها اسرائيل هي اجراءات باطلة ودعى اسرائيل الى الامتناع فورا من القيام باي عمل اخر من شأنه ان يغير الوضع في القدس. وأكدت القرارات 267-271-298-476-478-672 على ما جاء في القرارات السابقة وشجب أعمال العنف الذي مارسته إسرائيل ضد أهالي القدس والأماكن المقدس فيها. وأصدرت الجمعية العامة بهذا الخصوص قرارا رقم 2253 بتاريخ4/7/1967 والذي يدعو إسرائيل إلى إلغاء التدابير المتخذة لتغيير وضع القدس والامتناع عنها في المستقبل. وفي 16/12/1980 أصدرت الجمعية العامة قرارا رقم 35/207 أكدت فيه رفضها الشديد لقرار إسرائيل بضم القدس وإعلانها عاصمة لها وتغيير طابعها المادي وتكوينها الديموغرافي وهيكلها المؤسسي ومركزها واعتبر القرار كل التدابير الإسرائيلية باطلة وطالبها بإلغائها. اما بالنسبة للاتحاد الاوروبي فقد أيدت المجموعة الأوروبية قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة المتعلقة بالقضية الفلسطينية ووضع القدس . إلا أن أول موقف أوروبي مستقل برز عام 1970 حين اتفق وزراء خارجية دول الجماعة الأوروبية على أن قضية الشرق الأوسط هي أمر يمس المصالح الأوروبية على أساس الروابط الجغرافية والاقتصادية والسياسية مع المنطقة. وفي عام 1971 اتفق الوزراء في باريس على وجوب أن يقوم الحل بخصوص قضية القدس على التدويل الإداري للمدينة القديمة وسائر الأماكن المقدسة بموافقة الدول المعنية وبشكل يضمن حرية الحركة لجميع الأطراف. وبقي موقف الدول الأوروبية محايداً حتى عام 1980 عندما صدر إعلان البندقية بعد قمة السوق الأوروبية وصاغ هذا الإعلان الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان والمستشار الألماني هيلموت شيدت. وفيما يتعلق بالقدس فقد نص الإعلان:- أن البلدان الأوروبية تعترف بالدور الهام جداً الذي تكتسبه مسألة القدس بالنسبة لكل الأطراف وفي هذا الصدد فإن بلدان المجموعة الأوروبية تؤكد أنها لا تقبل أية مبادرة تتخذ من جانب واحد وتهدف إلى تغيير وضع القدس وإن كل اتفاق حول وضع القدس يجب أن يضمن حق حرية الدخول إلى كل الأماكن المقدسة واعتبر الإعلان الإجراءات الإسرائيلية في المناطق العربية المحتلة غير شرعية بنظر القانون الدولي. ولم تتوقف مواقف الدول الأوروبية عند دعوات إعلان البندقية, ففي عام 1981 أيد وزراء خارجية دول السوق الأوروبية المشتركة في لندن المبادرة السعودية حول السلام في الشرق الأوسط (خطة الملك فهد) حيث تضمنت المبادرة حول القدس, انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس العربية, وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس, وضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة. وفي الفترة اللاحقة لم يتطور موقف الدول الأوروبية تجاه مدينة القدس واصبح تكرارا لاعلان البندقية, فلم يأت بيان الدول الأوروبية عام 1984 على ذكر المدينة في الوقت الذي تعرضت فيه منذ عام 1980 لمخططات بالغة الخطورة استهدفت الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية. وتكرر الأمر مع بيان دبلن عام 1984 وبيان لوكسمبورج الذي صدر بشهر ابريل عام 1985 وكذلك في بيان بروكسل عام ,1987 فقد اكتفت الأسرة الأوروبية في هذه البيانات على تكرار ما ورد في بيان البندقية فقط. إلا أن الموقف الأوروبي بدأ يتعافى في بداية التسعينيات, حيث قدمت المجموعة الاوروبية عام 1992 اقتراحا يستند إلى عدة بيانات أوروبية سابقة, تضمن مطالبة صريحة لإسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة بما فيها مدينة القدس. واستمرار تأييد مسيرة السلام في الشرق الأوسط وفق قراري مجلس الأمن (242 و 338). وبعد شهر من هذا الاقتراح طالب الاتحاد الأوروبي إسرائيل في بيان صادر بوقف عملياتها وإجراءاتها في شرقي القدس التي تهدف إلى تغيير وضع المدينة تمهيداً لتهويدها ووصف الاتحاد الإجراءات الإسرائيلية بأنها غير قانونية حسب القانون الدولي. وفي عام 1995 وأثناء الاحتفالات التي أقامتها إسرائيل بشأن القدس, وجه الاتحاد الأوروبي ضربة لاذعة للسياسة الإسرائيلية تجاه القدس وذلك من خلال قرار الاتحاد عدم المشاركة في هذه الاحتفالات مما يفسر أن الاتحاد الأوروبي ومن خلال شهادات إسرائيلية أيضا ليس على استعداد لتكون إسرائيل صاحبة السيادة الوحيدة على كل القدس. وأعلن مجلس الوزراء الأوروبي في اكتوبر عام 1996 سياسة الاتحاد الأوروبي حول وضع القدس, عقب الإجراء الإسرائيلي بفتح النفق تحت المسجد الاقصى والذي يمتد من اسفل خمسة ابواب من ابواب الحرم الشريف وبطول حوالى 450م في شهر سبتمبر عام ,1996 حيث أكد المجلس على إخضاع القدس الشرقية بجملة المبادئ الواردة في قرار مجلس الأمن رقم 242 وخصوصاً مبدأ عدم جواز حيازة الأرض بالقوة وبالتالي فهي ليست تحت السيادة الإسرائيلية. وأكد الاتحاد الأوروبي أن اتفاقية جنيف الرابعة تنطبق تماماً على القدس الشرقية, كما تنطبق على سائر الأراضي الأخرى الواقعة تحت الاحتلال. وحمل الاتحاد الأوروبي إسرائيل المسئولية الأساسية في الأحداث, مهدداً بإمكانية تعرض مسألة تصديق الاتفاقية التجارية معها للخطر. وفي عام 1998 صوت البرلمان الأوروبي على قرار يدعو إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة ومن ضمنها القدس, واعتبر أن هذا الانسحاب ضروري لتقديم عملية السلام. وفي وقت لاحق عبر موقف الجماعة الأوروبية والاتحاد الأوروبي تجاه مدينة القدس عن انسجام ملحوظ مع التوافق الدولي حول رفض إجراءات إسرائيل وتدابيرها لضم المدينة في قسمها الشرقي أو اعتبارها عاصمة أزلية لإسرائيل. وكذلك مواقف الاتحاد في قمة برلين في شهر مارس عام 1999 حيث وجه رسالة إلى الخارجية الإسرائيلية في رد حول طلبها من السفارات الأجنبية الامتناع عن عقد لقاءات مع الفلسطينيين في (بيت الشرق) وتضمنت الرسالة الموقعة باسم السفير الألماني, رئيس الدورة, آنذاك, للاتحاد الأوروبي المواقف التالية:- عدم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. عدم الاعتراف بضم القدس الشرقية المحتلة. تأكيد الموقف الأوروبي الداعم للقانون الدولي الذي يحدد مكانة خاصة للقدس كوحدة منفصلة. نية الاتحاد الاستمرار بعقد لقاءات مع فلسطينيين في (بيت الشرق) وتمسك الاتحاد بموقفه بالرغم من الاحتجاجات الإسرائيلية العنيفة. واثناء قمة كامب ديفيد الثانية, والتي كانت القدس السبب الرئيسي في فشلها حسب ما هو معلن على الأقل, اعتبرت الحكومة الفرنسية, الرئيسة الحالية لدورة الاتحاد الاوروبي, ان القمة الاسرائيلية الفلسطينية ستكون جيدة اذا ما اعد لها جيدا واعربت عن تأييد الاتحاد الاوروبي للمساعي السلمية وشارك مبعوث الاتحاد الاوروبي للشرق الاوسط موراتينوس في حضور القمة. الا اننا يجب ان لا ننسى ان هناك عددا من الدول الاوروبية لها قنصليات معتمدة في القدس. والملاحظ أنه وبالرغم من كل هذه القرارات إلا أن هناك في سياسة الاتحاد الاوروبي تجاه القدس ماينم عن موافقته للمفهوم الفلسطيني والعربي والإسلامي لوضعية المدينة بصفتها عاصمة الدولة الفلسطينية. وهذا كله يوصلنا إلى مفهوم الاتحاد الأوروبي تجاه مستقبل القدس مع المفهوم الدولي الذي نودي به منذ عام 1947 بوضع القدس في نظام وحكم دوليين.